عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب،

في يوميات بائع كتب، لا تمرّ التحوّلات الثقافية خفية، لكنها تترك أثرها واضحا في اختيارات القرّاء، وفي الأسئلة التي يطرحونها وهم يقلبون الصفحات.
خلال الأعوام الماضية، صار ملموسا هذا الميل المتزايد نحو الرواية التاريخية، كأن القرّاء لم يعودوا يبحثون عن حكاية تُروى، لكن يفتشون عن ذاكرة تُستعاد.
أسمعهم يقولون، بنبرة يختلط فيها الاكتشاف بالحنين: هذه الرواية تتحدث عن جدّي، عن قبيلتي ، مدينتي ، عن تلك الزاوية التي عبرت منها الحكايات ، وكأن النص الروائي صار مرآة تعكس وجوها قديمة، كانت تنتظر من يعيد تسميتها.
في هذا المشهد، برزت أسماء روائية وازنة استطاعت أن تتصدر هذا اللون من السرد، وأن تمنحه عمقا جديدا.
عبد الكريم جويطي، في "المغاربة" و"ثورة الأيام الأربعة" و"من يكمل وجه الجنرال" و"كتيبة الخراب"، لا يكتفي بسرد الوقائع، لكنه يغوص في المغرب العميق ، عندما تتحول الأنثروبولوجيا إلى روح خفية داخل النص، وحيث يصير التاريخ مادة لإعادة التخيل وطرح الأسئلة المؤجلة.
ومع بنسالم حميش، لا تقرأ التاريخ من بعيد، لكنك تسافر في صحبة شخصياته، من " العلامة" ابن خلدون إلى " السلطان المولى إسماعيل" ، في رحلة تجعل الماضي كائنا حيا ، وليس مجرد زمن منقض.
أما حسن أوريد، ففي "رباط المتنبي"و" زينة الدنيا " و"ربيع قرطبة" و"الباشادور" و"الفقيه"، يستدعي رموزا تاريخية وثقافية ليشخّص بها أزمات الذاكرة والهوية، فتتعرف من خلالها على الأندلس والمغرب، وتقترب من شخصيات مثل أفقاي الحجري وأبي القاسم الزياني، في سرد يجمع بين الرمزية والواقعية.
ويأتي أحمد التوفيق، المؤرخ والروائي، ليمنح هذا اللون عمقا خاصا، حيث يمتزج التوثيق بالتخييل، ويصبح التاريخ سيرة روح ؛ في "واحة تينونا" و"جيران أبي العباس" و"غريبة الحسين"و"جارات أبي موسى"، نغوص في عوالم مغربية عريقة، حيث التصوف والتراث ومسارات الشخصيات الروحية تتقاطع في هدوء عميق.
أما محمد حبيدة، ففي "عِشتُ ثلاثمائة سنة"، يقترح بناء سرديا يمتد عبر قرون، من زمن السلطان الأعظم إلى حاضر الأنوار والأضواء، قائلا بالرواية ما عجز المؤرخ عن التصريح به.
وفي "حاجب السلطان"، يعيد صلاح الدين أقرقر تشكيل زمن مضطرب، يضيء شخصية "حاجب السلطان" في سياق تخييلي مشدود إلى الوثيقة، ويقودنا إلى أيام الثورة والفتن مع بوحمارة.
أما محمد المعزوز، ففي "أول النسيان" و"حرب الكوم"، يصحبنا في رحلة مثقلة بذاكرة الحروب، نرافق فيها محمد بن عبد الكريم الخطابي نحو منفاه، بين تقاسيم الأقدار وتداعيات زمن عالمي مضطرب.
وفي "الشجعان"، يكتب هشام ناجح فصلا من ذاكرة تادلة وبني ملال، موثقا مرحلة الاستعمار الفرنسي وعهد السيبة، حيث يتقاطع التاريخ بالمعاناة اليومية.
بينما تأخذنا رواية "استيبانيكو" لمحمد البوعبيدي بعيدا، نحو سيرة مصطفى الأزموري، ذلك المغربي الذي بيع عبدا، ليصبح مستكشفا يعبر القارات، شاهدا على تحولات كبرى، قبل أن يذوب في غموض المصير.
ولا يمكن أن يكتمل هذا المشهد دون التوقف عند تجربة أحمد المديني ، حيث تتسم رواياته بقدرة لافتة على مزج الواقع بالخيال، وتشابك الماضي بالحاضر في نسيج سردي متجدد ؛ في "درب الحاجب 36" و"رجال الدار البيضاء"، نلامس أسئلة الهوية والوجود والذاكرة، ونعاين وجوه الظلم الاجتماعي داخل الفضاء الحضري المغربي، بأسلوب فني عميق يميل إلى الاستبطان، كأن المدينة نفسها تكتب سيرتها عبر شخوصها.
في النهاية، تبدو الرواية التاريخية وكأنها لم تعد رجوع إلى الماضي بقدر ما هي محاولة لفهم الحاضر، واستعادة ما تسرّب من الذاكرة.
وعلى رفوف المكتبة، لا أرى الكتب مصطفة فقط ، لكن أرى التاريخ وهو ينهض بهدوء، ويهمس لكل قارئ: هنا قد تجد نفسك ، وصارت رفوف الرواية كأنها مقدمات إلى سبر اغوار أجنحة كتب التاريخ .
Librairie Alfia مكتبة الألفية

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى