أ. د. محمد مختار محمد مصطفى - برديات الإتلاتي و أنطولوجيا الوجود

مقدمة: شاعر امتلك ناصية اللغة وروح الوطن

في زمن تطغى فيه الضوضاء، وتتكاثر فيه الأصوات الهشة، يطل علينا شاعر مصري أصيل من أعماق الجنوب، حاملاً في جعبته تراثاً لغوياً ثرياً، وروحاً وطنية متوهجة، وقلباً عاشقاً لا يعرف إلا الصدق في القول والعطاء. إنه الشاعر حسني الإتلاتي (حسني عبد الحميد عبد الفتاح)، الذي لم يكن مجرد صوت شعري عابر، بل مشروع إبداعي متكامل، جسّد في مسيرته حواراً خلاقاً بين الفصحى والعامية، بين الذاتي والجماعي، بين الحب والثورة، بين الجذر والحداثة.

received_864244760018386.jpeg

المسيرة: من قرية الإتلات إلى ريادة الشعر الجنوبي

وُلد الشاعر في قرية الإتلات بمحافظة المنيا عام 1971، وتخرّج في كلية الآداب بجامعة المنيا عام 1993، ليمارس بعدها مهنة التعليم في أسوان منذ 1996، حيث صقل تجربته وانفتح على فضاءات الجنوب الساحرة. هذا الامتزاج بين جذوره الصعيدية وبيئة أسوان النيلية منح شعره نفحة خاصة، جعلته أحد أبرز الأصوات الشعرية في جنوب الصعيد.

عضو اتحاد كتاب مصر، ورئيس نادي أدب قصر ثقافة أسوان، ومحاضر مركزي بوزارة الثقافة، لم يكتفِ الإتلاتي بالإبداع الفردي، بل سعى إلى رعاية الأجيال الجديدة وتنظيم الحركة الثقافية، مؤمناً بأن الشعر رسالة مجتمعية قبل أن يكون حرفة فردية.

المشروع الشعري: ديوان "برديات جديدة للفلاح الفصيح" و أنطولوجيا الوجود

يُعد ديوان "برديات جديدة للفلاح الفصيح" (2024) تتويجاً لتجربة شعرية غنية، حاصلاً على جائزة أشرف بدير بالتعاون مع اتحاد كتاب مصر.

الديوان ينقسم إلى ستة أبواب، تشكل بمجموعها سفراً وجودياً شاملاً:

1. برديات الحضور: حيث يبدأ الشاعر برحلة داخلية مع الذات، في قصائد مثل "بردية السلام" و"بردية الحنين"، ممزوجة بألم الفراق وشوق اللقاء.

2. برديات الغياب: يرثي فيها الشاعر الأماكن والأحبة الغائبين، معبراً عن اغتراب الإنسان المعاصر.

3. برديات الرثاء (الموت والخلود): ويتضمن تأبيناً مؤثراً لأبيه في "بردية النيل"، ولابنة عمته ليلى في "بردية اليمامة"، للشاعر رمضان عبدالعليم، وللشهداء في "برديات الجنود".

4. برديات الآباء للأبناء: حيث يتحول الحب الشخصي إلى حنو أبوي في "بردية الجمال" لابنته ندى، و"بردية الدلال" لابنته ملك.

5. برديات العمل: ويمجد فيها الكادحين والبسطاء، كما في "بردية عمال التراحيل" و"بردية بائع الغرابيل".

6. برديات الوطن (الحب والثورة): حيث يصل الحب الفردي إلى ذروته في الحب الجماعي للوطن، كما في "بردية الثورة" و"بردية الاحتمال".

٠ received_901212176218393.jpeg

لغة الشعر: الفصحى المتدفقة والعامية الأصيلة

يمتلك الإتلاتي ناصية اللغة بكل تجلياتها. في "برديات الفلاح الفصيح" يقدم شعراً فصيحاً رصيناً، يحترم قواعد اللغة دون جمود، ويجدد في الصور والتشبيهات دون ابتذال. أما في ديوان "بغنيلك الإتلاتي" (2025) بالعامية المصرية، فيكشف عن قدرة فائقة على توظيف اللهجة المحكية بأصالة وجمال، كما في قصيدة "حلال" و"مش نبي وانتي نبية".

هذه الثنائية اللغوية لا تعكس ازدواجية في الهوية، بل تكامل في الرؤية، فالشاعر يعرف متى يلجأ إلى الفصحى ليعبر عن مكامن الجلال، ومتى يستخدم العامية ليعبر عن نبض الحياة اليومية.

التيمة الرئيسية: الحب والوطن والوجود

الحب العذري المتجدد:

يمثل الحب محوراً أساسياً في شعر الإتلاتي، لكنه حب يتجاوز الغزل التقليدي إلى كونه قوة تحررية وجودية. في "رواه عاشق" (2025) يقدم تصوفاً حبياً ممزوجاً بالمديح النبوي، حيث يتحول العشق الأرضي إلى شوق روحي.

الوطن المتجذر في الذات:

مصر ليست مجرد جغرافيا في شعر الإتلاتي، بل هي أم وحبيبة وموطن للذاكرة. في "بردية الثورة" و"بردية سيناء" يتحول الحب الوطني إلى فعل مقاومة وتحرر، خاصة في قصائده التي تمجد انتصارات أكتوبر وشهداء سيناء.

الهم الإنساني والطبقي:

لا ينفصل الشاعر عن هموم مجتمعه، فنجده يرفع صوت الفلاحين والعمال والباعة المتجولين، معبراً عن آلامهم وآمالهم بإنسانية عميقة.

الحنين والذاكرة:

تطفو على سطح قصائده ذاكرة الطفولة والحارة والقرية، كملاذ من صخب المدينة واغتراب العصر.

الخصائص الفنية: بين الأصالة والتجديد

البناء الدرامي:

تمتاز قصائده بحبكة درامية محكمة، تبدأ بلحظة صغيرة ثم تتسع لتعبر عن رؤية كونية.

الصورة الشعرية المبتكرة:

يخلق الإتلاتي صوراً مجازية غنية، غالباً ما تستمد عناصرها من البيئة الصعيدية والنيلية، مع قدرة على تحويل المألوف إلى غير مألوف.

الموسيقى الداخلية:

يتميز شعره بإيقاع داخلي متدفق، حتى في قصائد التفعيلة، حيث يحافظ على الانسيابية دون التضحية بالعمق.

الحوارية:

كثيراً ما يلجأ إلى الحوار المباشر أو الضمني، مع الحبيبة، مع الوطن، مع الذات، مما يضفي حيوية على الخطاب الشعري.

السياق والتأثير: صوت الجنوب في خريطة الشعر العربي المعاصر

يأتي إبداع الإتلاتي في سياق الشعر المصري المعاصر الذي يجتهد للتوفيق بين الهوية المحلية والعالمية. وهو بذلك يستلهم تراث أعلام مثل أمل دنقل وعبد الرحمن الأبنودي في الالتزام بالهم الوطني والاجتماعي، مع التجديد في الأدوات والتعبير.

الخاتمة: شاعر بلا أقنعة

حسني الإتلاتي ليس شاعراً للزينة أو للمناسبات، بل هو صوت أصيل ينبض بصدق التجربة وعمق الرؤية. في زمن يتسابق فيه الكثيرون على الأضواء بشعارات جوفاء، يظل الإتلاتي وفياً لجذوره، صادقاً مع لغته، مخلصاً لقضيته الإنسانية والوطنية. شعره ليس مجرد كلمات منسوجة بلغة جميلة، بل هو سيرة ذاتية جماعية، تسجل أحلام جيل، وآلام أمة، وآمال إنسان يبحث عن معنى في زمن العبث. لقد استحق الإتلاتي بجدارة أن يكون "الفلاح الفصيح" الذي يروي أرض الشعر بحبوره، وأن يكون "الراوي العاشق" الذي يروي قصة الإنسان والوطن بالكلمة الصادقة والصور الخالدة.


أ.د. محمد مختـار محمد مصطفــى

أستاذ الكيمياء الفيزيائية / جامعة الملك عبدالعزيز

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى