وارد بدر السالم - غياب الخيال العلمي في سردياتنا الأدبية

نفتقد في سردياتنا الروائية والقصصية جنس الخيال العلمي. هذا أمرٌ مفروغ منه ومعروف لدى القاريء. ويبدو بأنه خارج القدرة الفنية للكتّاب. ليس لصعوبته كجنس أدبي متحرك في العالم الغربي، إنما جهلنا الفادح في كتابة هذا الجنس، بسبب الغياب العلمي عن ثقافتنا العامة، حتى أصبح مفقوداً ونادراً في كتاباتنا، أضافة الى إنه غير مقروء بالنتيجة حتى وإن حاول البعض ترتيب أفكار خيالية ينحو الى استقدام العلم كثيمة في قالب أدبي سردي.
(1)
لا بد أن تكون سرديات الخيال العلمي ذات بُعد فني خاص لها. أبعد من الوصف الظاهري والباطني بكثير. أبعد من وقائع الواقع. كونها ترتكز على معطيات علمية معلومة، منبعثة من واقع مُنشأ عن تصوراتٍ بعيدة وبديلة عنه. أي إن الواقع افتراضي ومهيمنات العلم افتراضية هي أيضاً. وقد تكون حقيقية أو مجازية في وتزيينها في بإطار أدبي. لعلها تُكتب بعقل أكثر بُعداً من العقل الواقعي الذي يشكّل الخيال جزءاً واسعاً منه. لا نقول أن السرديات العلمية ليست ذات خيال، إنما هي عبرت عبرت الخيال بمراحل كثيرة. حتى أضحى وهماً عابراً لها. فهي لا تُنشيء أحداثها على الأرض إنما في السماء، بين الكواكب والمجرات والأفلاك والنجوم. تحدُث على القمر والمريخ وعطارد والمجرة الحلزونية درب التبانة ذات الأذرع الأربع، وغيرها من السدم البعيدة. أو مجرات خيالية لا وجود لها في الواقع العلمي، لكن خيال الروايات يوجِدها، ليتفوق الخيال العلمي على خيال الواقع؛ فخصائصه مختلفة، وخياله أبعد، وافتراضاته منبنية على حقائق علمية مُكتشفة أو مفترضة لكن بقاعدة العلم والخيال. وبما أن السماء أعمق من الفرضيات والاحتمالات، لذلك توجبت المغامرات السردية في الغرب ممن يمتلكون قاعدة علمية تتطور وتتحدث على مدار الأشهر. فكتبوا في الخيال العلمي الرواية والقصة. بينما بقيت الكتابة العربية والعراقية على وجه الخصوص غير معنية بهذا اللون الأدبي. أي لم تحفل بتأثيرات الجاذبية ودوران الأفلاك وشروق الشمس ومغيبها، لهذا؛ إن وجدت كتابة من هذا اللون؛ فإنها تطوف في فراغ. أو تتخبط في معلومات عادية غير مُحدّثة، فنطالع السوبرمانات والخارقين المجردين من علاقاتهم الطبيعية بالجو السردي غير الحقيقي.
(2)
سينما اللا واقع حفلت بأفلام كثيرة وهي تعالج العلم وما بعده، وما وراء الفيزياء الكونية، وتتماهى مع المجرّات البعيدة الغامضة لتقدم مشاهِد المستقبل الإنساني على نحوٍ قد لا يكون حقيقياً بالنسبة للحاضر، لكنه يمثل حقبة تخييلية لجأ اليها مخرجو الماورائيات. وقد تكون السينما أكثر قوة وتأثراً من الرواية والقصة بسبب كونها بَصريَة تلامس الانفعالات العقلية مباشرة وتجسّر العلاقة بينها وبين مع مشاهدها. وتقدم مشاهِد مشوقة وممتعة تعبر فيها الزمن والمكان. تحفل السينما العلمية بصدامات غير متوقعة بين المخلوقات الفضائية وسكان الأرض، وعادة ما تكون تلك المخلوقات الغريبة متوحشة تروم السيطرة على البشر كما في فيلم ليلة الجني المنتج في أوائل خمسينيات القرن الماضي, وأفلام الأساطير الحافلة
بالغريب والمتوحش والغريب. ونذكر هنا المخرج تيفن سبيلبرغ، البارع في هذه التقنيات العلمية وما وراءها فقدم أفلاماً مهمة مثل ;الفك المفترس; ذائع الصيت.. لكن الحديث عن السينما في بلد ليست فيه سينما هو أمر متأخر عن السياقات الفنية التي نبتغيها.
(3)
نحن الكتّاب العرب لا نقترب من هذه السرديات الصعبة التي يجنح فيها الخيال الى آفاق أكثر تطرفاً. بسبب نقص فادح في فهم واستيعاب العلميات المنجزة ومراحلها الطويلة التي بدأت ما بعد العصر الصناعي الغربي عندما تمخضت عن إنجازات عظيمة، وصولاً الى ثورة العصر الإلكتروني بمعطيات الذكاء الصناعي وسواها. لذلك فإن واقع السرديات العربية في هذا الخصوص متخلف جداً. رديء إن وُجد. وإن كُتب منها فهو خيال فوضوي غير مؤثر، بل وساذج في كثير من الأحيان. لأننا لسنا علميين.
ابتعدنا عن العلم وانشغلنا برومانسيات الحياة الكثيرة. وكوننا غيبيين أكثر من اللازم. إنشائيون بدرجة كبيرة. مستهلكون. وصّافون وظاهريون أكثر منّا واقعيين في هذا الميدان حصرياً. لا نمتلك الحدس العلمي ولا نستفيد من معطياته الكبيرة ولا نهتم لها، وكأن العلوم لدينا غير منتجة، ونظامها غير فعّال في الخيال السردي (والواقعي أيضاً) ولو كنا قد تسلحنا بالعلم ومعطياته البارزة في حياتنا اليومية لكانت سرديات العلم رافداً آخر من روافد الأدب التي تتطور ولا تضمحل. ولو تم خرق هذا النظام، فإنه يَفترض حقائق معينة تؤسس لنظام سردي عربي تنطلق من قاعدته روايات وقصص علمية ذات أهداف مواكِبة للعالم العلمي الذي أنشأ سرديات مهمة في العالم الغربي.
(4)
الخيال العربي مشبع بالخرافات والأساطير والخيال الشائك. بينما الخيال الغربي مشبّع بتكنولوجيا العلم والطب والفلك. متقدم في هذه الميادين التي أوجدت معنىً معيناً للحياة. لهذا هم أسبق منّا في العلوم والآداب. نحن نطير على البساط السحري (السحري..!) طيراناً مرهوناً بقوة السرد الإيهامي الكاذب. فالسحر الأبيض والأسود كانا سلاح الساردين والحكّائين العرب القدامى وليس العلم بذاته. حتى انسحب هذا على التفسير القرآني في قصة النبي سليمان مع الجن والحيوانات، إذ كان يأمر الريح أن تدخل تحت بساطه لترفعه بين السماء والأرض.
ننظر الى الغرب على إنهم عمليون ونحن رومانسيون. كتبوا الروايات الرقمية النبوئية ذات الأجنحة الطائرة خارج المجرّات، وثقفوا أطفالهم على الخارق العجائبي، لتشغيل خيالاتهم. بينما العرب يثقفون أطفالهم على البساط السحري الطائر. وابريق علي بابا الذي استهلكناه حتى بات مملاً. وخيالات ألف ليلة وليلة. دمّرنا أكتاف التراث بهذه الطريقة الفردية غير المنتجة. هم أنتجوا الأجناس الأدبية ورافقوها. العلم بين أيديهم يتطور ويكتشف ويبدع، ونحن نكتب في الخرافات والأساطير حتى باتت مكررة بين الروايات والقصص القصيرة.
(5)
في عام 1931 ولم يكن الشكل الفني قد تطور كثيراً، نشر الكاتب المعروف ألدوس هكسلي روايته “عالم جديد شجاع” وهي السردية التي أتاحت لقارئها أن يرى المستقبل البشري لعالم بائس وفقير، ربما بسبب الحروب والقنابل النووية وكوارث الطبيعة عن هذا الفعل الذي يقلص مساحات الأمل في أن يتعايش الناس بقوة إنسانية. لا يمكن أن نتخطى كورت فونيجت الذي حصل على درجة الماجستير عن رواية علمية ساخرة عام 1963 هذا التكريم له ما يسنده في واقع التأليف الإبداعي. فالتكريم للجنس الأدبي ذاته حين يعلو ويدخل آفاقاً علمية. بما يعزز وجوده الضمني في المسارات الإنسانية الطبيعية، كونه جنساً مغامِراً.
جيمس ستافريديس وإليوت أكرمان عسكريان أمريكيان سابقان كتبا رواية (2034) وهي خيالية مفترضة عن الصدام المسلح بين امريكا والصين، مستفيدَين من خبرتهما العسكرية في أماكن متعددة من العالم. واطلاعهما على تكنولوجيا متقدمة بشأن الصواريخ العملاقة، وبالتالي فإن خبرتيهما ساعدت على الكتابة الخيالية، المسنودة بأرضية عسكرية مُعاشة.
روايات كثيرة تعزز من قدرة هذا الجنس الأدبي على الصمود في تطويره وتطوير الخيال فيه. ولأن سرديات العلم كثيرة في عالم الغرب المشبّع بالتكنولوجيا والحقائق العلمية والفيوضات الخيالية التي تنسجم مع عوالم الميتافيزيقيا العلمية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى