اتن صبحي - أنماط الظلم في العلاقات: متى يكون الرجل ظالماً ومتى تكون المرأة ظالمة؟

العلاقة بين الرجل والمرأة ليست علاقة منتصر ومهزوم في سياقها السوي، لكنها قد تتحول إلى ساحة صراع عندما تتداخل أنماط تربوية خاطئة واضطرابات شخصية مع توقعات مجتمعية مشوهة. لا أكتب هنا دفاعاً عن طرف ضد آخر، بل محاولة لتفكيك **أنماط** الظلم المختلفة التي يمارسها كل من الرجل والمرأة، استناداً إلى دراسة علمية حديثة أجريت في مختلف أنحاء العالم، توضح أن الظلم ليس حكراً على جنس دون الآخر، بل هو نتاج لعوامل متشابكة: التربية الخاطئة، والاضطرابات النفسية مثل حب الذات المرضي (النرجسية)، والصراع على السلطة في علاقة يُفترض أنها تقوم على التكامل.

وبداية، أؤكد أن ما سيرد في هذا المقال هو تحليل لأنماط سلوكية قد تصيب بعض الأفراد، وليس تعميماً على كل الرجال أو كل النساء؛ فمن الطبيعي أن الأغلب في العلاقات يسعى إلى التوازن والاعتدال.
الفارق بين الرجولة والذكورية
قبل أن نصف نمطاً معيناً، علينا أن نفرق بين مفهوم الرجولة ومفهوم الذكورة: الرجولة هي الفكر والسلوك والموقف، أما الذكورة فهي مجرد النوع والجنس البيولوجي. المشكلة ليست في الرجل ككائن بيولوجي، بل في النمط الذكوري التقليدي الذي يظن صاحبه أن قوته تكمن في قمع من حوله.
وقد أظهرت دراسة أجرتها جامعة ميشيغان في عام 2025 أن اضطراب الشخصية الذي يتميز بالشعور بأهمية مبالغ فيها، واستغلال الآخرين، وعدم التعاطف، هو النمط الأكثر ارتباطاً بأنماط الظلم في العلاقات، ويصيب الذكور بنسبة أعلى من الإناث. شملت الدراسة أكثر من خمسة وأربعين ألف شخص من ثلاث وخمسين دولة، ووجدت أن الرجال سجلوا درجات أعلى من النساء في سمات حب الذات المرضي عبر جميع الدول تقريبًا.
الرجل الذي يمارس أنماطاً ظالمة في علاقته غالباً ما يتصف بالشعور بالاستحقاق المطلق؛ فيعتقد أن من حقه الطاعة دون سبب، وأن المرأة خُلقت لخدمته. كما أنه يفتقر إلى التعاطف، فيرفض مشاعر شريكته ويعتبرها ضعفاً، ويستغلها كأداة لتحقيق أهدافه وليس كإنسان مستقل، ولا يتحمل النقد؛ فأي ملاحظة توجه إليه تعتبر طعناً في رجولته أو تخريباً للبيت، متخذاً من التربية الخاطئة (مثل تفضيل الذكر أو تربيته على أنه محور الكون) ستاراً له. إذن، الظلم الأول هو تربية الرجل على "الذكورية" التي تجعله يعتقد أن امتلاكه لقوة جسدية أو صوتٍ أجشَّ يمنحه حق السيطرة المطلقة.
تسلط المرأة: الوجه الآخر للظلم
كثيراً ما يُختزل تسلط المرأة على أنه مجرد رد فعل لضعف الرجل أو هروبه من المسؤوليات، لكن هذا التبسيط غير دقيق؛ فالمرأة يمكن أن تكون ظالمة بنمط شخصي مستقل تماماً كما الرجل. ففي بعض العلاقات، نجد امرأة تستخدم العاطفة كأداة تحكم؛ فدموعها وجسدها أو حتى أطفالها يصبحون أسلحة وأدوات **لإخضاع** الرجل وإشعاره بالذنب الدائم.
وقد تعتبر الشريك وسيلة لإشباع احتياجاتها، فتستنزفه مادياً وعاطفياً دون مقابل، وتتعامل معه كخادم لأحلامها وليس كشريك. كما تمارس الابتزاز العاطفي بتهديده بالطلاق، أو بمنعه من رؤية أطفاله، أو بتدمير سمعته إذا لم يلبِّ مطالبها. وقد تفتقر إلى التعاطف مع ضغوطه، فترفض الاعتراف بأنه قد يكون مرهقاً أو محتاجاً للدعم أو يعاني مثلها. هذه ليست قوة أنثوية، بل هي أنماط ظالمة قد تصدر عن اضطراب في الشخصية، ودراسة جامعة ميشيغان تؤكد أن حب الذات المرضي ليس حكراً على الرجال، وإن كانت النسبة أعلى عندهم.
العلاقة بين ضعف الرجل وتسلط المرأة ليست علاقة سببية خطية؛ ففي بعض العلاقات يكون تسلط المرأة رد فعل لغياب دور الرجل، وهنا لا تسيطر المرأة حباً في السلطة بل خوفاً من الفوضى والانهيار، ويمكن وصف هذا التسلط بـ "التسلط الدفاعي" وليس الهجومي. وفي علاقات أخرى، يكون تسلط المرأة نمطاً شخصياً نابعاً من اضطراب شخصيتها، كحب الذات أو الرغبة في التحكم. وهنا، الرجل الضعيف ليس سبباً بل ضحية مناسبة لهذا النمط؛ فالرجل الذي يفتقر إلى الحزم والحدود يصبح **هدفاً سهلاً** لأي شخصية متحكمة. إذن، يمكننا القول إن تسلط المرأة المفرط هو **تشوه** ناتج عن خلل في المعادلة، تماماً كما أن ذكورية الرجل المفرطة هي تشوه.
لغة الأرقام والمعاناة المتبادلة
كشفت دراسة جامعة ميشيغان أن أنماط الظلم هذه موجودة في كل مكان وليست حكراً على ثقافة شرقية أو غربية. فقد تصدرت قائمة الدول الأعلى في سمات حب الذات المرضي كل من ألمانيا والعراق والصين ونيبال وكوريا الجنوبية، بينما جاءت في المراتب الأقل صربيا وأيرلندا والمملكة المتحدة وهولندا والدنمارك. وهذا يعني أن حب الذات المرضي ظاهرة عالمية، وأن الرجال يسجلون نسباً أعلى من النساء في جميع الدول تقريباً، مما يشير إلى أن الفروق البيولوجية والتربوية تلعب دوراً عابراً للثقافات. كما أن الشباب أكثر عرضة من كبار السن لهذه السمات، مما يعني أن النضج والتجارب الحياتية قد تخفف من هذه الأنماط.
نحن لا ندين طرفاً على حساب آخر، لكن لابد أن نعترف بقوائم مختلفة من المعاناة:
معاناة المرأة: في العلاقات التي يسودها النمط الذكوري المتصلب، تُربى على أنها ناقصة، وتُحمل وحدها مسؤولية الفشل العاطفي، وتُحرم من القرار بحجة القوامة، وتُتهم عندما تعبر عن ألمها.
معاناة الرجل: في العلاقات التي يسودها التسلط الأنثوي، يُربى على أنه آلة صامدة لا تبكي، ويُحرم من حق الضعف، ويُحمل مسؤولية مالية كاملة فوق طاقته، ويُجرد من حقوقه الأبوية كأوراق ضغط.
من المهم ملاحظة أن هاتين القائمتين لا تلغي إحداهما الأخرى؛ فالرجل يمكن أن يكون ضحية للاستنزاف المالي وفي نفس الوقت ظالماً لزوجته بمنعها من حقها في المشاركة، وكذلك المرأة. نحن نتعامل مع بشر يجمعون التناقضات.
### مستويات الحل
هناك بعض الحلول العملية المقترحة تبدأ من ثلاثة مستويات:
1. الاعتراف المتبادل بالألم: فلا يمكن حل مشكلة يرفض أحد الطرفين الاعتراف بوجودها. يحتاج الطرفان إلى تعلم مهارة "وضع الحدود"، واللجوء إلى معالج نفسي أو مستشار أسري بدل التحول فوراً إلى المحاكم.
2. مستوى التربية: وهو الأهم، لأن أنماط حب الذات والظلم **تُورث** وتُتعلم في **الطفولة**. يجب تربية الأبناء على التعاطف، وأن القوة تكمن في التوازن لا السيطرة، وتعليم البنات التعبير عن احتياجاتهن بوضوح دون استخدام الدموع كلاح **للابتزاز**.
3. المجتمع والقوانين: لابد من مراجعة القوانين المجحفة بحق أي من الطرفين، سواء في الحضانة والطلاق للمرأة، أو في النفقة والرؤية والاتهامات الكيدية للرجل، ودعم ثقافة "الوساطة الأسرية".
خاتمة:
المظلموم الحقيقي هو الإنسان الذي حوصر في قالب جنسي جامد، والظالم هو النمط السلوكي والتربية الخاطئة. لن ينتهي الظلم إلا عندما نتوقف عن اعتبار العلاقة حلبة مصارعة. العلاقة السوية ليست ساحة حرب، بل مشروع بناء يحتاج إلى كلي الطرفين.


مصدر دراسة جامعة ميشيغان:
https://msutoday.msu.edu/.../narcissism-affects-the-world...

كتبتها/ فاتن صبحي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى