أحمد بوعروة - المسرح الملكي الكبير… من يحمل النور لا يخاف ظلام الليل

تقديم

من الذي يعرف أن بعض الدعوات لا تُقرأ… بل تُعاش؟ من الذي يدرك أن الطريق قد يكون أطول من المسافة، لأنه يحمل انتظارًا يتراكم بصمت؟ كيف يمكن لليلة واحدة أن تُعيد ترتيب علاقتنا بالفن، وأن تضعنا فجأة أمام سؤال قديم بصيغة جديدة: هل ما زلنا نستحق الخشبة… أم الخشبة هي التي تنتظرنا؟ ومن الذي يملك الجرأة ليعترف أن هناك لحظات، إن لم نعشها بكل حواسنا، سنخونها؟

وصلتني دعوة تدشين المسرح الملكي الكبير، ولم أتعامل معها كموعد في مفكرة مزدحمة، بل كإشارة. شعرت أنني مدعو إلى لحظة اختبار، لا كصحافي فقط، بل كواحد من أبناء هذه المهنة التي تتنفس الفن وتتشكل به.

من الدار البيضاء إلى الرباط… الطريق الذي يكتب نفسه

انطلقت من الدار البيضاء رفقة أحمد الروداني دخوش، ولم نكن في حاجة إلى الكثير من الكلام. الطريق كان يتكفل بالباقي، يفتح مساحات للتأمل، ويترك داخلنا أسئلة معلقة. لم تكن الرحلة انتقالًا عادياً، كانت أشبه بتمهيد طويل للحظة نعرف أنها لن تشبه غيرها. كنا نسير نحو الرباط، لكن في العمق كنا نسير نحو فكرة: هل يمكن للفن أن يعود إلى مركز الصورة؟

مسرح محمد الخامس… القلب الذي يسبق النبض

داخل مسرح محمد الخامس، بدأ كل شيء يتشكل. هناك استقبلنا محمد بنحساين، رئيس مسرح محمد الخامس، صديق الفنانين، بابتسامته التي تختصر سنوات من القرب من هذا العالم. لم يكن واقفًا في موقع إداري جامد، بل كان يتحرك بين الفنانين كمن يعرف أن القلق جزء من هذه اللحظات، وأن الطمأنينة تُصنع بالكلمة قبل التنظيم.

كان يجيب عن الأسئلة، يوجه، ييسر، يتدخل دون أن يفرض حضوره، وكأنه ينسج خيطًا خفيًا يربط الجميع. حولنا، كان الفنانون يتوافدون، وجوه مألوفة وأخرى نلتقيها في الذاكرة أكثر مما نلتقيها في الواقع. التحايا تتقاطع، الضحكات ترتفع، والكل يحمل إحساسًا واحدًا: نحن أمام لحظة تخصنا جميعًا.

ذلك اللقاء لم يكن بروتوكولاً، بل كان استعادة لروح جماعية كادت تضيع في زحمة السنوات.

الحافلات… التخلي عن الضجيج والدخول في اللحظة

سجلنا أسماءنا، وتركنا هواتفنا، وكان هذا التفصيل كافيًا ليغير الإحساس بالكامل. أن تترك هاتفك يعني أن تترك العالم الخارجي، وأن تدخل اللحظة دون وسيط، دون صور تُلتقط على عجل، ودون رغبة في التوثيق السريع. كنا ندخل التجربة بوجوهنا فقط.

في الحافلة، ساد صمت غريب، ليس فراغًا، بل امتلاءً. كل واحد كان يراجع داخله شيئًا ما، وكأننا نتفق بصمت على أن ما ينتظرنا يحتاج إلى تركيز كامل.

المسرح الملكي الكبير… الصدمة التي لا تُقال

الوصول كان لحظة فاصلة. لم نحتج إلى كلمات. وقفنا أمام صرح لا يشبه ما اعتدناه، تحفة معمارية تُربك العين قبل أن تُدهشها. شعرت أن المكان لا يُعرض علينا، بل يختبرنا: هل أنتم جاهزون لما سنضعه فوق هذه الخشبة؟

المسرح الملكي الكبير لم يكن مجرد بناية، بل كان إعلانًا صريحًا بأن الفن يمكن أن يكون في مستوى الطموح، لا في حدود الممكن فقط.

انتظرنا قليلاً، والعيون تتحرك في كل اتجاه، تلتقط التفاصيل، تحاول أن تستوعب الحجم، العمق، الإضاءة، الصمت الذي يلف المكان.

اللحظة الرسمية… الفن في الواجهة

بوصول الأميرات لالة حسناء ولالة مريم ولالة خديجة، مرفوقات بزوجة الرئيس الفرنسي ماكرون، وبحضور رجال الدولة، ارتفعت اللحظة إلى مستوى آخر. لم نعد فقط أمام افتتاح، بل أمام رسالة. أن يُمنح الفن هذا الحضور، هذا الاهتمام، هذا الإطار، يعني أن هناك وعيًا يتشكل: الثقافة ليست ترفًا.

في تلك اللحظة، شعرت أن الخشبة لم تعد فقط مكانًا للعرض، بل فضاءً للسيادة الرمزية.

برنامج الحفل… بناء لا يقبل الخطأ

انطلق الحفل بإيقاع محسوب. فيلم تعريفي قصير وضعنا داخل روح المكان، ثم النشيد الوطني بأداء الأوركسترا والكورال، لحظة كان فيها الصوت مستقرًا، عميقًا، بلا مبالغة.

بعدها، دخلنا في منطقة أخرى.
تشايكوفسكي بعزف منفرد لمروان بن عبد الله، أداء يُبنى ببطء، يطلب منك الصبر، ويكافئك بالدهشة. لم يكن استعراضًا، بل حوارًا بين العازف والصمت.

ثم الأوبرا بصوت حليمة محمادي، في “كارمن” و”لا دونا إي موبيله”، صوت يعرف كيف يملأ الفراغ دون أن يصرخ، كيف يفرض حضوره دون أن يستعرض.

ثم جاءت اللحظة التي أعادت تعريف الإحساس كله:
“أدين بدين الحب” بصوت سميرة القادري.
لم تكن فقرة ضمن برنامج، بل كانت لحظة خروج عن الزمن. الصوت لم يكن يغني، بل كان يقودنا إلى مكان داخلي لا نصل إليه بسهولة. القاعة صمتت، ليس احترامًا، بل انجذابًا.

بعدها، إدريس الملومي في “Thinking of Time”، عمل يشبه التأمل، كأن الزمن توقف ليُعيد تعريف نفسه.

غياب الرقص لم يكن نقصًا، بل اختيارًا واعيًا. كل شيء كان يقول إن الصوت، إذا كان صادقًا، يكفي.

الخروج… التحول الذي لا يُشرح

حين خرجنا، لم نكن كما كنا. كان هناك شيء تغيّر، شيء خفيف لكنه عميق. لم نتبادل جملًا كبيرة، لأن ما عشناه كان أكبر من التعليق.

الناس انتظرت الحافلات نحو شالة، لكننا، أنا وأحمد دخوش، ومعنا كمال كاظمي، إدريس الروخ، أحمد شوقي، وحميد القصري، اخترنا شيئًا آخر.

ستة فرسان… يمشون كي لا تنتهي الليلة

قررنا أن نغادر راجلين. لم نفكر كثيرًا. كان القرار طبيعيًا، كأن أقدامنا سبقتنا إليه. كنا نضحك، نستعيد اللحظات، نعيد سماع المقاطع، نُكمل الحفل بطريقتنا.

في لحظة ما، التفتنا إلى بعضنا، وضحكنا أكثر، لأننا فهمنا دون أن نقول: نحن ستة فرسان، خرجوا من زمن جميل، ويمشون الآن داخل ليل لا يخيفهم.

لم نكن نريد أن تنتهي الليلة، فاخترنا أن نمددها بخطواتنا، بكلامنا، بضحكنا.

ما الذي بقي

بقي المسرح، لا كصورة، بل كوعد.
بقيت الأصوات، لا كفقرات، بل كأثر يسكننا.
وبقي ذلك الإحساس النادر: أن الفن، إذا وُضع في مكانه الصحيح، يعيد إلينا أنفسنا.

لافتة

من يحمل النور… لا يخاف ظلام الليل.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى