أزمة الوعي حين يتراجع العقل أمام الولاء الضيّق
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
ليست خطورة العصبيّة القبلية أو العائلية أو المناطقية في وجودها الاجتماعي بوصفها امتدادًا لتراث تاريخي أو روابط أهلية طبيعية، وإنما تكمن الخطورة الحقيقية حين تجد من يشرعنها، ويمنحها الغطاء الفكري والسياسي والإعلامي. وعندما يحدث ذلك، فإن الخلل لا يعود خللًا اجتماعيًا عابرًا، بل يتحول إلى أزمة وعي عميقة تضرب بنية الدولة والمجتمع معًا.
في الأوقات الدقيقة، تُقاس قيمة النُّخب بدورها في حماية العقل الجمعي من الانقسام، وفي ترسيخ قيم المواطنة والعدالة وسيادة القانون. فالمثقف الحقيقي لا يُستدعى ليصفق للجماعة، بل ليقول كلمة الحق حين يصمت الآخرون. والأكاديمي لا تُمنحه مكانته ليكون شاهد زور على انحرافات المجتمع، بل ليُعيد النقاش إلى قواعد العلم والمنطق. والإعلامي لا يُنتظر منه أن يكون بوقًا، بل منصة للحقيقة والتوازن.
لكن المؤسف أن بعض النخب، بدلًا من أداء هذا الدور، اختارت الهبوط من فضاء الفكرة إلى ضيق العصبية، ومن سعة الوطن إلى حدود الانتماء الصغير. عندها يصبح صاحب الشهادة أسيرًا للقرابة، وصاحب المنبر رهينة للفئة، وصاحب الموقع العام تابعًا لمعادلات النفوذ والمجاملة.
وحين تنحاز النخبة، فإنها لا تنحاز بصمت، بل تمنح الانحياز لغة راقية ومبررات مقنعة. وهنا يكمن الخطر؛ إذ تكتسب العصبية وجهًا محترمًا، ويتحول الباطل إلى رأي قابل للنقاش، ويُقدَّم الانقسام بوصفه دفاعًا عن الحقوق، وتُستبدل الحقيقة بمعايير الولاء.
في هذه اللحظة، يتبدّل دور المثقف من مساءلة إلى تسويغ، ويتحوّل الأكاديمي من تحليل موضوعي إلى مرافعة منحازة، ويغدو الإعلامي ناقلًا انتقائيًا للوقائع. فلا تُشوَّه الحقائق فقط، بل يُعاد ترتيبها وصياغتها لتخدم سردية ضيقة، حتى يصبح الصدق وجهة نظر، ويغدو العدل خاضعًا للهوية والانتماء.
ومن منظور قانوني ودستوري، فإن هذا المسار يُشكّل تهديدًا مباشرًا لفكرة الدولة الحديثة. فالدولة لا تقوم على الدم، ولا على العائلة، ولا على الامتيازات الموروثة، بل على مبدأ المساواة أمام القانون، وتكافؤ الفرص، والحقوق المتساوية للمواطنين دون تمييز. وكل خطاب يعيد المجتمع إلى مربعات العصبية إنما يطعن أسس السلم الأهلي ويُضعف الثقة بالمؤسسات العامة.
كما أن أخطر ما تُنتجه العصبيات حين تتبناها النخب، هو تقويض الكفاءة. إذ تُستبدل الجدارة بالمحسوبية، والخبرة بالمجاملة، والاستحقاق بالولاء، فتُغلق الأبواب أمام أصحاب الكفاءة، ويُفتح المجال أمام الرداءة المنظمة. وهنا يبدأ التراجع الحقيقي للدول والمؤسسات.
المؤلم في المشهد ليس أن يقع بعض العامة في هذا الفخ، فذلك يمكن تفسيره بضغوط الواقع وضعف الثقافة العامة، وإنما المؤلم أن يسقط فيه من يُفترض أنهم حراس الوعي ورواد الإصلاح. فهؤلاء كان ينبغي أن يكونوا الجسر نحو المستقبل، فإذا ببعضهم يتحول إلى حارس للماضي وأسير لمصالحه الضيقة.
ومع ذلك، فإن المجتمعات الحية تملك دائمًا فرصة التصحيح. فالنخب التي أخطأت تستطيع مراجعة ذاتها، إذا امتلكت شجاعة الاعتراف، وقدّمت المصلحة الوطنية على الحسابات الشخصية، وارتفعت فوق الانتماءات الصغرى نحو الانتماء الأكبر: الوطن.
إن المرحلة الراهنة تحتاج إلى نخب شجاعة لا تخشى قول الحقيقة، ونخب مستقلة لا تُستدرج إلى الاصطفافات، ونخب تؤمن أن هيبتها لا تُستمد من قربها من الجماعة، بل من قدرتها على نقدها حين تخطئ.
فحين تسقط النخب في فخ العصبية، يتيه المجتمع وتضطرب البوصلة. أما حين تستعيد النخب رسالتها، فإنها تفتح الطريق أمام دولة القانون، ومجتمع المواطنة، ومستقبل أكثر عدلًا واستقرارًا.
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
ليست خطورة العصبيّة القبلية أو العائلية أو المناطقية في وجودها الاجتماعي بوصفها امتدادًا لتراث تاريخي أو روابط أهلية طبيعية، وإنما تكمن الخطورة الحقيقية حين تجد من يشرعنها، ويمنحها الغطاء الفكري والسياسي والإعلامي. وعندما يحدث ذلك، فإن الخلل لا يعود خللًا اجتماعيًا عابرًا، بل يتحول إلى أزمة وعي عميقة تضرب بنية الدولة والمجتمع معًا.
في الأوقات الدقيقة، تُقاس قيمة النُّخب بدورها في حماية العقل الجمعي من الانقسام، وفي ترسيخ قيم المواطنة والعدالة وسيادة القانون. فالمثقف الحقيقي لا يُستدعى ليصفق للجماعة، بل ليقول كلمة الحق حين يصمت الآخرون. والأكاديمي لا تُمنحه مكانته ليكون شاهد زور على انحرافات المجتمع، بل ليُعيد النقاش إلى قواعد العلم والمنطق. والإعلامي لا يُنتظر منه أن يكون بوقًا، بل منصة للحقيقة والتوازن.
لكن المؤسف أن بعض النخب، بدلًا من أداء هذا الدور، اختارت الهبوط من فضاء الفكرة إلى ضيق العصبية، ومن سعة الوطن إلى حدود الانتماء الصغير. عندها يصبح صاحب الشهادة أسيرًا للقرابة، وصاحب المنبر رهينة للفئة، وصاحب الموقع العام تابعًا لمعادلات النفوذ والمجاملة.
وحين تنحاز النخبة، فإنها لا تنحاز بصمت، بل تمنح الانحياز لغة راقية ومبررات مقنعة. وهنا يكمن الخطر؛ إذ تكتسب العصبية وجهًا محترمًا، ويتحول الباطل إلى رأي قابل للنقاش، ويُقدَّم الانقسام بوصفه دفاعًا عن الحقوق، وتُستبدل الحقيقة بمعايير الولاء.
في هذه اللحظة، يتبدّل دور المثقف من مساءلة إلى تسويغ، ويتحوّل الأكاديمي من تحليل موضوعي إلى مرافعة منحازة، ويغدو الإعلامي ناقلًا انتقائيًا للوقائع. فلا تُشوَّه الحقائق فقط، بل يُعاد ترتيبها وصياغتها لتخدم سردية ضيقة، حتى يصبح الصدق وجهة نظر، ويغدو العدل خاضعًا للهوية والانتماء.
ومن منظور قانوني ودستوري، فإن هذا المسار يُشكّل تهديدًا مباشرًا لفكرة الدولة الحديثة. فالدولة لا تقوم على الدم، ولا على العائلة، ولا على الامتيازات الموروثة، بل على مبدأ المساواة أمام القانون، وتكافؤ الفرص، والحقوق المتساوية للمواطنين دون تمييز. وكل خطاب يعيد المجتمع إلى مربعات العصبية إنما يطعن أسس السلم الأهلي ويُضعف الثقة بالمؤسسات العامة.
كما أن أخطر ما تُنتجه العصبيات حين تتبناها النخب، هو تقويض الكفاءة. إذ تُستبدل الجدارة بالمحسوبية، والخبرة بالمجاملة، والاستحقاق بالولاء، فتُغلق الأبواب أمام أصحاب الكفاءة، ويُفتح المجال أمام الرداءة المنظمة. وهنا يبدأ التراجع الحقيقي للدول والمؤسسات.
المؤلم في المشهد ليس أن يقع بعض العامة في هذا الفخ، فذلك يمكن تفسيره بضغوط الواقع وضعف الثقافة العامة، وإنما المؤلم أن يسقط فيه من يُفترض أنهم حراس الوعي ورواد الإصلاح. فهؤلاء كان ينبغي أن يكونوا الجسر نحو المستقبل، فإذا ببعضهم يتحول إلى حارس للماضي وأسير لمصالحه الضيقة.
ومع ذلك، فإن المجتمعات الحية تملك دائمًا فرصة التصحيح. فالنخب التي أخطأت تستطيع مراجعة ذاتها، إذا امتلكت شجاعة الاعتراف، وقدّمت المصلحة الوطنية على الحسابات الشخصية، وارتفعت فوق الانتماءات الصغرى نحو الانتماء الأكبر: الوطن.
إن المرحلة الراهنة تحتاج إلى نخب شجاعة لا تخشى قول الحقيقة، ونخب مستقلة لا تُستدرج إلى الاصطفافات، ونخب تؤمن أن هيبتها لا تُستمد من قربها من الجماعة، بل من قدرتها على نقدها حين تخطئ.
فحين تسقط النخب في فخ العصبية، يتيه المجتمع وتضطرب البوصلة. أما حين تستعيد النخب رسالتها، فإنها تفتح الطريق أمام دولة القانون، ومجتمع المواطنة، ومستقبل أكثر عدلًا واستقرارًا.