إبراهيم محمود - منذ متى كان العقل هو الإمام؟

إلى حبيب عبدالرب سروري ، في كتابه: لا إمام سوى العقل "

1777615689618.png



1
أعلمُ جيداً يا صديقي المعرفي حبيب عبدالرب سروري،، يا المزكّي العقَلَ إماماً استثنائياً في كتابك " لا إمام سوى العقل " والمنشور قبل قرابة اثنتي عشرة سنة، عن دار " الريس- بيروت " والذي اطَّلعتُ عليه مؤخراً، وأنا هنا لاجىء أو مغترب أو هارب بروحي وروح عائلتي اضطراراً، ككثيرين جداً،في مدينة " دهوك " بعيداً عن مسقط رأسي" قامشلي " لأننا كنا، ولازلنا، وكما كان هناك آخرون مثلنا، قبلنا، ولازالوا في أمكنة أخرى ضحايا هذا الذي أسندتَ إليه مكانة واعتباراً بحسن نيّة، وهو يعنيني مثلك تماماً،، كما تلمستُ دفء كلماتك،والوجع الكامن في كل منها وفي كتب أخرى: ثقافية وروائية، وتقديرَ عقل، وهو العقل نفسه الذي يشهد هو نفسه، لك ولي ولآخرين، وفي أيامنا على وجه التحديد، كما أريقت دماء كثيرين باسمه، وهو مبايَع من قبل متحمسين له، لكن زيدَ في وصفه مناقبية زاد اضطراباً.
لهذا، لهذا" وما أكثر تفرعات و" متاهات " لهذا "، أحاول الدخول معك في حوار، حول ما إذا كان الذي جعلته عنواناً لكتابك الجميل والمقاوم ، وأنت في مجتمع منح للعقل الكثير مما يستحق، وباعترافك أن، وتستدعي المعري، شاعر المعرة الضرير " البصير " بما قاله شعراً، وفي شعره التوصيف المقاوم وليس الشّعر:
كذب الظن لا إمام سوى العقل مشيراً في صبحه والمساء..
أقولها حواراً، وهو في الأصل حوار، إن تجاوبنا مع هيدغر في إشارته إلى أن اللغة حوار!
لأن مجرد النظر في العقل من الزاوية الشعرية، حيث التخييل محدود، إنما التقرير هو الموجود، يضعنا في مواجهة نوعية المرسَل انتكاسةَ، وضرورته لمن يهمه أمره على وجه السرعة، ليسهل حفظه، وهو أشبه ببيان صريح وتخطئة للمخالف.
لأتساءل معك: منذ متى كان الاحتفال/ الاحتفاء بالعقل إماماً، ليعاد النظر فيه، والدفع به مجدداً؟ أليس تاريخ الثقافة العربية- الإسلامية، تاريخ الحضارة العربية- الإسلامية، تاريخ الفكر العربي- الإسلامي، وليس " العربي " وحده، لأنك بذلك تمارس نوعاً من الجناية على تاريخ " وليد ثقافات وحضارات "، تاريخ فكر التقى فيه الديني بالدنيوي، وبالعربية، دون اختفاء " رنين اللغات الأخرى داخلاً، ومن ينتسبون إليها أصلاً، وما كان للسيستام الديني كسقف يعلو ولا يُعلى عليه من اعتبار موجّه، أليس ما أشيرَ إليه، شهد نزالات دامية ومرعبة، لا تزال " كدماتها، وعاهاتها، وأورامها الداخلية وتبعاتها الآلمة المؤلمة " قائمة، حيث عاشت الفلسفة" العربية- الإسلامية " غربتها في بيئة لم ترحَّب، أو عقل، باختصار، لم يسنَح له لأن يكون العقل الذي كان وراء ذيوع صيتك هناك، في " الغرب" أو في فرنسا تحديداً، وباعترافك أنت أخي سروري( أعترف منذ البدء: لا يوجد رقيب داخلي يهيمن علي عند الكتابة.. ليس بفضل شجاعة استثنائية إطلاقاً، لكن، ربما، بسبب عشق الحرية الذي سكنني منذ الصبا، ودفعتُ ثمنه، دون ندم، أكثر من مرة في حياتي.. وبسبب تواجدي بعيداً عن عوالم القمع والرقابة في بلد ثقافة الحرية: فرنسا.) وفي كتابك ذي الطابع السيري :
الرواية مدرسة الحياة، دار المحيط، الفجيرة، الإمارات العربية المتحدة، ط1، ص 2023.ص188 .
الكتاب الموجز والرشيق الذي تعرضت له بقراءة لها صلة بكل من الرواية والحياة وتفاعلاتهما، في :
الحياة مدرسة الرواية... قراءة في كتاب حبيب عبدالرب سروري: الرواية مدرسة الحياة، موقع الأنطولوجيا، 31 آذار 2025 .
كنتَ موهوباً كمعرّيك، الذي ينتظرنا اثنينا، كما أقدّر، للدخول في حوار من نوع آخر، ولو لم تمض إلى فرنسا"ك"، أو لم تكن محظوظاً بالذهاب إلى هناك، مؤكد أنك ما أصبحت ما أنت عليه، وأكثر من معرّيك مسكوناً بالتشاؤم، حيث اللغة لا تقول كل ما تصرّح به، أو تظهر عليه، وإنما ما جعلها هكذا.. حال الجاري.

2
وأعلم جيداً، وبعيداً عن حسابات تخص المسافة بيني وبينك، مسافة الإصغاء، مسافة التقدير لمفهوم المسافة الأكثر من كونها جغرافية، إنما يجلوها الثقافي والمجتمعي في الصميم، أعلم جيداً، أي نعي ، هو داخلك، أي حداد أنت مسكون به، على فجيعتك ببلد لم يشبْ عن طوق القائم، للعقل الذي تنادي به أو تلح عليه، لا هو والمنطقة الشاسعة التي تقدّرها " خريطة الفكر العربي " الذي اعتمدته في حديثك المصاغ بطرق شتى عمن يمكن تنوير الجاري بحلكته، بأنواريات رموز ماتوا ولا تزال أفكارهم تتقد: المعري، ابن رشد، ابن عربي..إلخ، وللمعري مقامه اللافت، وما في ذلك من رغبة ملحاحة ، رغبة رغبية تتعدى العقل ومعطياته الزمكانية.
أصارحك القول أن الحافز الذي دفع بك، كما يدفع بكل من يعيش هاجس مجتمع بكامله وسلامته، هاجس ما يشغله فكرياً، إزاء ما هو إنساني، وانطلاقاً مما تعلَّم وعاش، أو رأى واستدرك حقيقة ما رأى وتبعاته، لا يخفي خوفاً على الآتي بناء على رعب الحاضر، ومآسي الماضي، وضمناً ما كان في الماضي هذا من استنهاضات قوى ذات وشائج قربى بما تفكّر وتقدّر فيه ما يمنحك حضوراً له، واعتداداً مطلوباً للبقاء. ليأتي " لا إمام سوى العقل " تفنيداً لمن يلغي جدوى العقل، وأهليته لأن يحل في نفسه ما تعانيه نفسه، ويجدد في نفسه، ما تطرب له نفسه، جهة قابلية العقل على التوسّع والتعمق والتجدد وتنوير عالمه ومحيطه. إنما كيف يمكن الرهان على عقل سجين قواه ذاتها، وليس كحال " رهين المحبسين " الذي تمكن، وعلى مدى عقود زمنية، من أن يوجد عالماً بكامله، هو مجتمعه الذي توخاه تخيلياً، وببصيريته، وليجد ما أفلح في إطلاق سراحه نثراً وشعراً من حيث تكون ذاكرته وحافظته، خارجاً، ليصلنا في الكثير منه، إنما على وقع أصدائه المجتباة خارجاً: أوربا!

3
بناء على أي محكّ تاريخي، أو مأمول مجتمعي، تتقدم بلغة كاتب، ينظر إلى الأمام وفي راحتيه جمر المكان، وهول الزمان العائد إليه، وأنت تشير إلى المهدد دانياً وعالياً لهذا العقل المدفوع به إماماً لا سواه( التأمل في لغة الطغاة العرب، موضوع عميق شيق، ومؤلم في الوقت نفسه، ليس فقط لأنه يكشف عورات هؤلاء الطغاة وخارطاتهم النفسية، بل لأنه يسمح لنا بمعرفة ذواتنا في جوانبها الأكثر قصوراً واستسلاماً.ص243.؟
أليس بناءً على " فلتة " تاريخية يمكن الخروج من النفق المظلم وكوابيسه، وبمعية العقل الذي لا يمكنه أن ينير، إن لم يجر شحنه بالقوة الدافعة عملياً؟ أليست روايتك ذات الصيت " ابنة سوسلوف La fille de Souslov " من خلالك، وبخيالك، وما يعطي خيالك من رأسمال روحك الفعلية الكثير لجعل المباح سرداً متاحاً طرداً، إن جاز التعبير؟ أليس" عمران " شخصيتك المتخيلة" وامضة بالكثير مما يعنيك يشحمك ولحمك، وانشغالك العالي بما يجري في حدود بلدك ومحيط بلدك، كما يجب، حين نتحدث عن" ربيع اليمن الضال ":
كان اندلاع "الربيع العربي printemps arabes "، ولا سيما ربيع اليمن في آذار 2011، بمثابة نفخة جديدة في روح عمران. في ميدان التحرير بصنعاء، "عاصمة الثورة"، احتشدت الجماهير.
"انتابتني حمى ثورية. كنت أعيش أخيرًا اللحظة التاريخية التي طال انتظارها. ربما لن أشهد أفول الرأسمالية، تلك اللحظة التي تمنيتها مع نجاة، لكنني على الأقل سأختبر، بشكل مباشر، سقوط الديكتاتورية وبزوغ فجر عالم عربي جديد" (ص 135).
كان عمران متفائلًا، لكنه تساءل أيضًا عن مستقبل الثورة. لاحظ أنها تُقاد من قِبل "السلفيين، والقبليين، والأميين أو شبه الأميين، والفقراء المعدمين، وفي حالات أقل، العلمانيين، والمواطنين الناضجين، والمثقفين". لا تُشعر الخطب الدينية التي تُلقى كل جمعة في قلب مسيرة الاحتجاج عمران بالثقة، ولا الدور الإعلامي البارز الذي مُنح لـ"أمة الرحمن". فبعد الاشتراكية، يخشى عمران أن يُعرقل السلفيون مسيرة الربيع اليمني.
"لكن ما هذه الثورة بحق الجحيم quelle putain de révolution était-ce ؟ هل كان الهدف من التغيير هو التقدم أم التسرع نحو قندهار؟" (ص ١٤٩)
في نهاية المطاف، يُشكك عمران في المجتمع اليمني برمته. فالقبائل والسلفيون والجيش - جميعهم يبدون له كبيادق في يد النخب نفسها، تُعيد توزيع السلطة فيما بينها.
"من يحقق النصر باستغلال مناورات الآخرين يمتلك فنًا إلهيًا حقًا" (ص ١٨٤).
كما أن دعوة الإمام الهمداني إلى انقسام داخل الجيش تُعيد إلى ذهن عمران ذكرى "الانقلابات العسكرية التي اغتصبت اسم الثورة". وهكذا يبدو أنه يُنبئ بخيبة أمل الثورة اليمنية وعسكرتها. أما في فرنسا، فينظر إلى هذه الأحداث بنظرة خيبة أمل. يستحضر الراوي "مُجرد قناع الثورة اليمنية"، و"مُراوغاتها الخادعة"، وعصر الوحشية.
"لقد تغير كل شيء: انتقلنا من الثورة إلى جنون الحرب!" (ص 133).
ينظر
Aglaé Watrin-Herpin : Habib Abdulrab Sarori, La fille de Souslov
أغلاي واتران هيربان: حبيب عبد الرب ساروري، ابنة سوسلوف

تسميها " جنون الحرب" وأنا أسميها حصاد الواقع المعقلن على طريقة من يريدون للعقل أن يكون بمفهوم " بروكوستي "، العقل المخرَّج، المولَّف، المتداول، النسخة التي تقاوم ما عداها .
فأي متاح من العقل وفيه، بقادر على أن يجعل من الواقع آخر، كما تنشده أو تشدد عليه ؟
لكم أضناك البحث عن المعري وفيه شخصية معرفية متغذاة بصنوف معارف شتى، وأضنيته في آن. اسمح لي هنا صديقي سروري على توضيح مغزى قولي هذا، وهو أنك نشدتَ فيه ما تفتقده، وهذا ما حقك طبعاً، ولكنك سمّيت فيه ما يكون في وضع إسعافي، كما لو أن الطريق ممهد، وأن طوع " أمر " إشارتك، ليتجاوز بك ديستوبيا الجاري إلى يوتوبيا المنتظَر. وثمة الكثير مما شغلك تخيلياً ومعايشة فكرية، كما في " تقرير الهدهد. 2012 "، وما فيها من طبقات تجاوباً مع ما هو متعد للصوت الواحد" بوليفوني "، ليكون هناك المكان المنظور للمعري ، كما تقول في " الرواية مدرسة الحياة ": ( عن " تقرير الهدهد": بنية الرواية مشكَّلة من عدة طبقات متنوعة، بينها طبقة لسيرة أبي العلاء المعرّس، طبقة لسيرة تخييلية مكملة لها..ص74.).
وأنت الذي استرسلت هنا هناك، ما يسترعي انتباه قارئك، ومن له صلة بالعلاقة بدلالات هذا الانشغال/ الانهمام الفكري والنفسي، والروائي بعمق، حيث الكتابة لا تعدو أن تكون قول ما يتعذر قوله، والإشارة المباشرة إلى ما يستحيل النظر المباشر إليه، إنها في نفَسها الأول،وكما استدعيته منذ الصفحة الأولى من روايتك" تقرير الهدهد – دار الآداب، بيروت، 2012"، تعزيزاً لعلاقة استثنائية كهذه" ص 9 "، وأنت تتحدث بلسان راويتك، ساردك المتحمس عن( " ستة قتلة" كما يُسميهم سكان السماء 77 ) ، ومنهم معريك ، كما تصفه بلسان ذلك السارد ودلالة الوصف الخارق لمتن النص نفسه ( مفجّر الديناميت في أرض اللاعقل والأكاذيب الكبرى. ص 14)،، كما لو أن عبارة " اللاعقل " بقياس منك، لا تكفي لتهدئتك شعوراً، لأنها هي نفسها تفرز واحدة من هذه " السموم " المنتشرة " الأكاذيب الكبرى "، وما أفصحت عنه، تالياً أيضاً بلسان شخصيتك الروائية في المتبقي الأخير من روايتك، تعبيراً عما هو فكري ونقدي:
( أثمة مهمة أقدس من الفصل الكلّي بين هذا التاريخ الديني والتاريخ، بين هذه الفيزياء الدينية والفيزياء، وبين هذه البيولوجيا الدينية والبيولوجيا، بين " علم الكتاب" والعلم، بين مجتمع " الشرّع الذي يُعبَد"، ومجتمع " " القياس الذي يحرّر" بين مجتمع الحاكم الجلاد الذي يشرّع له الفقيه ومجتمع القانون والمؤسسات المدنية والحرية المفتوح على الحضارة والمستقبل. ص 394).
وأرضية كتابك " لا إمام سوى العقل " تشهد بحركية هذا الهاجس ومتضمناته من قلق وخوف، لتتنقل بين ما يكون تعبيراً مباشراً منك، وليس تخيلياً "، كما في هذا الكتاب، أو في كتب " لنتعلم كيف نتعلم-دار الريس، بيروت، 2017 "، والشعور بأهمية ذلك، وما يأتي تمثيلياً في شخصيات تتقاسم فيك المفتقَد إليه، شكواك ذات المرجعية الواقعية بعيداً عنك وقريباً منك، وأنت الذي قلت في كتابك آنف الذكر( الإبداع مقاومة والمقاومة إبداع. ص 137 )، إنما أي ساحة، ولو بمساحة يد، تسمح لك في أن تقول ذلك بأعلى صوتك حيث يكون بلدك ومحيطه الجغرافي، باعتبار ذلك دعوة لا تخفى إلى تسييد العقل الذي تقدّره، ودحراً لما يناقضه واقعاً بكلّيته؟
أليس في ذلك تقدم يصلنا بـ" طائر الخراب- صنعاء- 2005 " أيضاً، وهي روايتك المتكاملة مع شقيقتها السابقة، حيث السرد الروائي شاهد على هذا النزيف والعويل والسخط( ما أبشع طائر الخراب.ص158).
4
أعلم جيداً صديقي كم أنت موجوع ومأهول بمعاناة أورثتك " أزهار شر " من حولك ، وربما بالمقابل " أناشيد مالدورور " تجاه ما تتنفسه بحرقة، وأنت تبحث عن مؤاس وأكثر، عن منقذ ليس من السماء وإنما على الأرض، حيث يكون الناطق بصوتك ولغتك، وأنت مسكون بظله وصوته وقيافته تاريخياً، أعني: المعري.
دون ذلك، كيف يمكن وضع ما عبّرت به عن هذا العقل المطوّح به جانباً، والمطارد هنا وهناك، في ميزان ما تنشغل به، وتكابد من أجله هناك حيث يكون أمان ما، قابلية للتفكير بأريحية، متعة التخيل دون أن يداهم عليك بيتك أو غرفتك أو محل سكناك في وضح النهار، أو الهزيع الأخير من الليل بما لا يسرّك طبعاً.
وهأنذا أورد بعضاً مما يحمل دمغة مصابك الجلل روحياً، في " لا إمام سوى العقل ":
بالبرهان المنطقي والتحليل العقلاني ينسف أبو العلاء في " رواية الغفران " كل مسلّمات الظلاميين التي تمنع التفكير وتضمن لنا البقاء في عصور الانحطاط.ص17.
على صعيد واقعنا الثقافي، يتبوأ أبو العلاء موقع رأس الأركان في الحرب الروحية الأزلية الأبدية بين الظلمات والأنوار: فصاحب" لا إمام سوى العقل" لم يوارب يوماً في جدله مع الفكر الظلامي. أفكاره ديناميت ينسف مداميك ذلك الفكر بشكل لا نفاق فيه أو مساومة. ص 19.
لنقرأ ذلك تالياً في " الرواية مدرسة للحياة ":
( بالنسبة لي، تظل رؤية أبي العلاء هي التي نحتاجها اليوم، والأنسب لولوج العصر الحديث، وعلى نحو ضروري عاجل، خاصة وأن لدى الظلاميين خبرة بتقنين دور العقل وتشويه تعريفه، منذ قرون.ص205 ).
وما يجري الإلحاح عليه:
لنبدأ مشروعه الخالد: لا إمام سوى العقل!
ولنشيّد تماثيل لأبي العلاء في أدمغتنا أولاً، وفي أبواب الجامعات وفي أعلى الهضاب!
ثم لنصعد على كتفيه، كي نرى أبعد وأفضل، كي نشاهد ما وراء السياج، ما وراء الأفق!. ص 20.
هل اعتقدت، تعتقد أن تعابير " ديناميتية " تمتلك القدرة على استدعاء المعري، ومحق ظلامييك بيسر؟
ألا ترى معي أنك حمّلته ما لا يحتمل؟ أنك بالطريقة هذه والتي لا يُطعن فيها كحق مشروع للكاتب طبعاً، وإنما على صعيد المتوخى، والمسافة الزمنية الفاصلة ومتغيرات الحال في كل حالة، بالنسبة إليك وإليه؟

5
سأبدأ معك من نقطة لافتة من البداية:
في المقدمة ، تحيي المعري بما كتبه، لتقول تالياً:
هذا المشروع الذي أضاء " عصر الأنوار العربي" في نهاية الألفية الأولى وبداية الثانية، قبل انطفائه خلال عصر الانحطاط الذي دام كل الألفية الثانية تقريباً. ص14.
استوقفتني عبارة " عصر الأنوار العربي " كعبارة سالفة، وأنت الذي تعني بما هو رياضي، حيث لكل قول ما يفصح عن مبناه ومعناه في وضع كهذا، كيف يجاز قول كهذا، أو عبارة، كما لو أنك الآن؟ أليس في ذلك تعدّ على ما هو تاريخي بالذات؟ ألست بالطريقة هذه، تريد نسف خصوصية ما كان بطابعه العربي- الإسلامي، تجاوباً مع ما تريد تحقيقه، وإيحاء إلى أن اليوم موصول بأمس هو نظيره تماماً؟ وما في القياس عينه من مأساة التقابل، وعقلنة الشبه المقدَّم، حيث المنتظَر " أمامك " وليس " خلفك " وأنت تمدح رأس " أبي العلاء "، بما يستوقف القارىء، وأعنيني أولاً هنا:
( إذا كان الشاعر الإيطالي دانتي( 1265-1312)، صاحب القصيدة التاريخية: " الكوميديا الإلهية " ( التي استلهمها من بنية ومواضيع " رواية الغفران ": الجزء الأهم من " رسالة الغفران " هو الجسر الذي نقل أوروبا من فكر حضارة الإغريق نحو الحداثة:
من قصيدة دانتي انطلقت فنون عصر النهضة وآدابها، ( قبل دانتي: الإغريق ، وبعده : العصر الحديث"، على حد تعبير فيليب سلويرس في كتابه :" الكوميديا الإلهية )، فأبو العلاء أولى بامتياز بأن يكون جسرَ عبورنا نحو الحداثة والمستقبل. ص16. ).
بعيداً عن التنظير، ستان بين ما توقف عنده دانتي، وما جاء في إثره، وما كان عليه حال المعري، وما طرأ من تغير على واقعه مجتمعه، وحيث لا شيء يثبت حتى الآن بصلة قائمة بين عمل دانتي والمعري قبله.
رغم أنه ليس هناك من يمنع من " حدثنة " المعري، طالما يقبل ذلك، إنما هل يمكن ذلك دون حساب التحدي، دون مراعاة الواقع الخصم العنيد، لا بل واللدود لعالم محفوظ بين " جنبيّ" المعري؟
عبدالفتاح كيليطو هو من انشغل كثيراً، وبتوجه مختلف، بالمعري في كتابه " أبو العلاء المعري أو متاهات القول- 2000 "، وأشار إلى عدم وجود أي علاقة بينهما، سوى أن الربط بينهما كان غربياً، ليجري تسليط الضوء عليه جرّاء هذه العلاقة، وحيث يقول كيليطو في كتابه هذ ( لولا دانتي لما اهتم أحد برسالة الغفران..- الأعمال-4- ص111)، وما يعنيه بقوله" متاهات القول " ذات الدلالة على صعوبة الإقرار بحقيقة ثابتة بوصفها الصورة الدقيقة لما تفوه به صاحبها نثراً وشعراً( إن القراءة للمعري عبارة عن سير في متاهة، فلا خيط يهدينا في تقصّي أعماله المتعرّجة، المليئة دروباً مغلقة، وانعراجات مفاجئة، ومسارات مضللة. لا أبواب للخروج: فما إن نتوهم أننا اهتدينا إلى الطريق، حتى نجد أنفسنا في طريق أخرى تسير في اتجاه معاكس، وتؤدي بنا بعيدا. وهكذا، نظل ندور في حلقة مفرغة في مواجهة كثير من العراقيل. في بعض الأحيان، يخلف لدينا المعري الانطباع بأنه يضل هو أيضاً الطريق، على غرار القارئ”.)
( ينظر حول ذلك، مثال غادة الصنهاجي: في متاهة أبي العلاء، عن الانترنت،حيث تفتقد المراجع إلى الدقة في أكثر من واحد منها، لحظة المقارنة بينها، وما هو مسطور في الخاص بكيليطو .
بالطريقة هذه يكون الزمن، بالمفهوم الثقافي، الحضاري، العقلي تحديداً، يجد طريقه المعبّد ممتداً به إلى الأمام، إلى حيث نكون، إلى حيث تكون أنت صديقي سروري، بينما الزمن المتعلق بالمعري مجتمعياً، ثقافياً، وعقلياً، يعيش تخبطاً، وتردّي أحوال، كما نوَّهت أنت في أكثر من موضع .
أورد بعضاً مما يفيد في هذا المنحى، من كتابك " لا إمام ..":
محور التعليم
لغياب العقلية العلمية في مجتمعاتنا تجليات لا حصر لها. ص79.
نحتاج نحن أيضاً" مقابل الغرب" إلى أن يتحول تعليمنا العربي إلى تعليم عقلاني، منذ الطفولة..ص86.
البناء التحتي للتعليم العربي معاد للعلم..ص99.
سماؤهم وسماؤنا
سماؤنا سقف هائل أزرق مرفوع فوق كوكب الأرض" والسماء رفعناها بأيد "، " وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً"، يقول القرآن الكريم.
سماؤهم ليست كذلك: هي كل النجوم والكواكب المتناثرة التي تحيطك، حيثما تكون، من فوقك وتحتك، على يسارك ويمينك..ص105.
أو ما ورد في قسم " قراءات " وما يستدعي ذلك من النظر في " الآفات " إن جاز التعبير:
لأسمح لنفسي بالقول: لا يحق للإنسان الحديث ادعاء التحضر طالما سالت قطرة دم واحدة، لأي إنسان كان، في أي بلد كان، بأي سلاح كان، ولأي سبب كان!. ص204.
في ضوء ذلك، هل يمكنك تقدير نوعية الدماء المسفوكة، ومن همو أهلوها وأين وكيف، وبناء على أي حساب أو تقدير، بناء على أي جرم مرتكب، أو جريرة فعلية؟
ألا يعني ذلك أن الديني، كمفهوم مجرد من تاريخه، من ثقافته، من كونه جسداً حياً تتنفسه أجساد حية ومختلفة، لا يزال يتفعل وبشكل صادم ياضطراد هنا وهناك، وما في ذلك من " إصابات " العقل ومن تمسيخ له؟
أين موقع الإنسان الواحد- المختلف، بغضّ النظر عن لونه، صوته، شكله، لغته، ودينه، بالمفهوم العقلي؟
بتعبير دوبريه( ألسنا نحلم بمجتمع يكون فيه الإنسان للإنسان أخاً، وليس ذئباً؟ ألم نتعب بعدُ من القنبلة ومن السكين؟ ألسنا قلقين على هويتنا، خائفين من أن تسلب منا ؟ألم يكن حلمنا الأكثر إلحاحاً ، بعيداً عن كل نزعة مانوية، هو أن نرى البشرية موحدة- الجنس البشري، بأكمله في شعب واحد"؟..-ريجيس دوبريه: النار المقدسة" وظائف الديني"، تر: عبدالقادر كلوك، رؤية، القاهرة،2021، ص 31 ).
في ضوء ذلك، أليس العقل المقام بنا والمقيّم بمن يرون أنفسهم أولي أمره، يذكّرنا بذلك التعريف التوضيحي للعقل عربياً( العقل هو الربط)، في ( اعقلها وتوكّل )، أي، واقعاً: الجم من حولك، شدد عليهم بالربط، وعش كما تريد، بالنسبة لهؤلاء الذين فقهنوا ويفقهنون كل شيء في حياتنا، حتى أحلامنا وكوبيسنا، ليكون داعية العقل، محارَباً، على أكثر من صعيد، من هؤلاء الذين يكونون ضحايا وقرابين هذا العقل/ الربط، بوصفهم " قطيعاً/ رعية "، ليكون داعية العقل، كما أنت صديقي، وأنت تنيره بفوائده أو مزاياه، مطارَداً ممن تعمل لأجلهم، على وقع الجاري ضغوطاً وسياسات حديدية، للحيلولة دون ظهور أي صوت له صلة قرابة فعلية بالعقل، وهنا تكون الطامة الكبرى، جهة هذا الاستمراء لهذا" اللاعقل " المسنود والمعضود عقلاً " رسمياً "؟
أليس هذا الذي نعيشه هنا، تحت وطأة حرب مستحدثة، لا قبَل لنا بها في نوعيتها، حرباً فضائية- أرضية، بين أميركا- إسرائيل- إيران، بأبعادها وممزالقها وخطورة " كش ملك " الشطرنجية، أي " كش شعب " ليبقى الملك تعبيراً عن أنه لم يهزَم، وإن دمّرت بلاده، وإن هلك شعبه، وأن سمّم الهواء والماء والتراب من حوله، وفي محمية هذا النوع من العقل البراغماتي الأكثر نغولية، والأكثر غولية بطابعه الديني كذلك؟ وكأن هؤلاء الذين يعرفونك فيما تفكر وتعمل، يتركونك تشقى بعقلك، ويوحوا إليك بأنهم يمنحونك قيمة واعتباراً، إنما على طريقتك، وهي أنه يكفيك أنك تعيش، ولا تُقتَل، طبعاً، لتعيش مرارة العقل الذي تنوّه إليه أنى كنت ورحلت!

6
أعلم صديقي أن الذي بين جنبيك، وفي كامل عقلك المنفتح على الآخر، بوصفه " السر المحترم "، يتجاوزك في ذاتك الفردية، وفي لغتك الأم، واللغة التي عرِفتَ بها أكثر مما عرِفتَ بلغتك رغم مساحتها الديموغرافية، أن الذي يشغلك في مجمل ما كتبت وتكتب حرب لنفسك على نفسك، توسيعاً لحدودها، ترجمة إرادة مشدودة إلى تاريخ وجغرافية وثقافة يراد لها أن تكون حياتية في محتواها بامتياز..
يا لها من حرب ضروس، من عبور صحراء تفيض متاهات مهلكة، في ضوء المعاش.
ثمة من عاشوها ومن يعيشونها هنا وهناك، ويعيشون انتكاسات وخيبات، ومرارات بالمقابل.
ربما أكون من بين هؤلاء، إنما أين؟ حيث يكون العقل الذي تتحدث عنه، وحيث يكون " المعري " معك بشموخ بصيرته، مرصوداً، ومطعماً بما ثقفده قوته في النهوض والاستنهاض، في النور والتنوير والاستنارة.
وفي عديد معروف، كما أقدّر، من كتبي( الجنس في القرآن، 1994- جغرافية الملذات، 1997- الفتنة المقدسة، 1999-تقديس الشهوة، 2000-الحنين إلى الاستعمار، 2000-الضلع الأعوج، 2004-الإسلام: مدخل جنسي، 2013-الجسد البغيض للمرأة، 2013...إلخ .
وحين أعود إلى " إمامك " البائس، حيث لا أقل أقل من هؤلاء الذين" يصلّون " أو يقفون وراءه، وفي نفوسهم خوف، وفي رؤوسهم خوف، وفي تنفسهم خوف من " إمام " آخر منصوب بالقهر، حين أعود وأمعن النظر فيما أردت تسطيره ليكون حصاد الزغير الأخير وهو بسخونته الخاصة:
لا سبيل لنا إلا بفكر قوي منظم شعبي، ورفض عملي ثائر فعال، كما يقول آلان باديو.ص259
وما جاء في المحور السابع : حيّ على العلمانية
لعل أبرز ما حققه مفهوم العلمانية على الصعيد الحضاري هو إنهاء الصراعات والاضطهاد الطائفي والحروب الدينية في الدول التي ترسّخ فيها هذا المفهوم، بفضل مبدئه الثاني.ص273.
تستعين بباديو" الغربي/ الفرنسي"، وتستعين بما يكون محقَّقاً علمانياً ودون أي إساءة إلى الدين أو الديني، خلاف المزعوم والموهوم في بلادنا جهة وضع العلمانية إلغاء للديني أو الديني، أمد ببصري إلى البعيد البعيد سعياً إلى محاولة التقاط صدى صوتك هذا، وهو يرتد إليك مجروحاً، لأن المسطور، والمختَتَم به الكتاب لا أشبه منه مؤاساة للكتاب في عمومه، وللعقل : الإمام في خصوصه، بما أننا نعيش مناخات الكارثة/ الفجيعة المركَّبة والموجَّهة والمحمية بالعقل نفسه، عقل الإكراه، الذي يعتبر ما عداه خيانة للوطن، للدين، للمجتمع، للإنسان، والتاريخ " المجيد " وراعي البلاد والعباد ..
في الحالة / الظاهرة هذه، كما أقدّرها، ما الذي تمكن هؤلاء الذين نقرأ لهم بلغاتهم، أو ترجمة إلى العربية: فالتر بنيامين، هيدغر، ماكس فيبر، سارتر،بول ريكور،باشلار، باتي، بروديل، بارت، ، دوبريه،غادامير، موريس بلانشو، لاكان، كانغيلهيم، فوكو، دريدا،دولوز...إلخ من فعله في سرَيان فعل الحياة فينا ، ليكون في الممكن التوقف، والدخول في حسابات " الصادر والوارد" ونجاعة الثقافة العابرة للحدود؟
أتراني يا صديقي سروري، تفوّهت، من خلال ما أثرته، بما ينقض يمينك بـ" إمامك " أم قريباً- ربما- أكثر من إيمانك الدقيق بالمعري واقعاً وتفكيراً؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى