محمد بشكار - في الحاجة لقناة ثقافية مغربية حتى نرى أنفسنا..!

ما زالت ذكريات الطفولة تطفر ببعض حليبها دون حاجة لارتجاج في الرأس، فتحضر اليوم لذهني، تلكم الجارة الوحيدة العجوز، التي كانت تشاطرنا في بعض الليالي ببيتنا القديم، فرجة التلفاز، فلا تستنكف عن لعب دور المترجم من اللغة الدارجة الى الدَّارجة،
للمسلسلات والبرامج وكرة القدم أيضا، حتى لتكاد تصمُّ آذاننا بثرثرتها الأطول من كل لسان؛ وحين يبدأ جفناها في الانسدال، تنهض ضاربة العكاز يمينا وشمالا، وهي تصيح بمكر من قضى حاجته ولعن جارته؛ انهضوا لتناموا، هم (...) في التلفزيون يأكلونها باردة، ونحن نحترق بفواتير الكهرباء في آخر الشهر !؛ وتختم على قولها الذي لاتهزُّ حجته الدامغة، الريح من فوق أو تحت، بالشمع الأحمر الذي يقطُر سبابا: كروش الحرام...!

قد يكون وعي المرأة العجوز، وطيئاً لا يتجاوز سقف الجمجمة، لكن هذا الطرح الفطري الذي لايُؤْكِلُ خُبزاً ولو أطفأنا مع التلفزيون حتى عقولنا، ليس توفيرا للكهرباء فقط، بل حتى للقلق الفكري، لايخلو من صحَّة بادية للعميان، لأننا ندفع فعلا ثمن فرجة تلفزيوننا الذي أصبح مكسيكيا على مدار الأربع وعشرين ساعة، مع الضريبة المدسوسة في فاتورة الضوء؛ ولست أحمد الله على هم هذه العجوز الذي كان يستدر أعيننا بالدموع من فرط الضحك، إلا على أن الحصَّة الثقافية في تلفزيوننا الذي أصبح مكسيكيا اليوم بجرة انقلاب جغرافية في الأذهان، التي احتكرت القطاع البصري، لم ينلها من نقد المرأة، عكاز أو حذاء، بسبب أنها كانت ولاتزال عديمة، فقيرة، وأوطأ من حضيض؛ وكانت حتماً ستظلم المثقف المغربي، الذي لا يملك من الإعتبار المادي والرمزي في بلدنا، إلا كرشه المنفوخة في كثير من الأحيان، بمضاعفات الإكتئاب والغازات..!

لن نبسط أقلامنا أكثر، تحت رحمة آلة نجارة المعاني، فقد أعيتها سرداً وجرداً، من فرط ما كررنا الحديث عن العماء الذي تعيشه ثقافتنا المغربية المحرومة من أعين التلفزيون؛ فلا نأسف إلا لغياب قناة ثقافية في بلدنا، تصل الناس بالمنتوج الإبداعي الذي يبقى عديم التأثير والجدوى، رغم ما يعرفه في أيام كثيرة، من طفرات قوية في حقول الفنون والآداب والعلوم الإنسانية وعالم النشر؛ إنها حقا طاقة بشرية مهدورة، أحوج إلى آلة صرف بصرية وتنموية تليق بتحديات فكرية يمليها التغيير الذي يشهده العالم العربي اليوم؛ إن رهاننا على الثقافي سيبقى حتما أعمى، دون قناة متخصصة في شؤون المعرفة، تجعلنا نرى أنفسنا بأنفسنا، لا كما يرانا الآخرون؛ ومازلنا منذ انبثاق الدستور المغربي الجديد يوم الجمعة 29 يوليوز 2011، ننتظر أن تلمس أرض التفعيل الواقعي والملموس، الكثير من التنزيلات التي بات لاينقصها إلا الحبل، لتغدو دلواً معلقاً بين السماء والماء...!

27/1/2013
محمد بشكار

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى