الضفة الغربية تحت الاجتياح السياسي: معركة حسم الصراع وتصفية القضية الفلسطينية

الضفة الغربية تحت الاجتياح السياسي: معركة حسم الصراع وتصفية القضية الفلسطينية

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

ما يجري اليوم في الضفة الغربية لم يعد مجرد عمليات عسكرية أو إجراءات أمنية عابرة كما تحاول حكومة الاحتلال الإسرائيلي تسويقه للعالم، بل هو اجتياح سياسي شامل يستهدف إعادة رسم الواقع الفلسطيني بالقوة، وفرض وقائع ميدانية جديدة تجعل من المشروع الاستيطاني الإسرائيلي أمراً نهائياً لا رجعة عنه. إنها مرحلة من أخطر مراحل الصراع، لأن الهدف لم يعد السيطرة الأمنية المؤقتة، بل حسم الصراع لصالح الرواية والمشروع الصهيوني عبر تقويض الوجود الفلسطيني سياسياً وجغرافياً وديموغرافياً.

في قلب هذا المخطط، تتعرض المخيمات الفلسطينية لهجمة غير مسبوقة، سواء عبر الاقتحامات العسكرية المتكررة، أو التدمير المنهجي للبنية التحتية، أو استهداف رمزية المخيم بوصفه شاهداً حياً على النكبة وحق العودة. فالمخيم الفلسطيني ليس مجرد تجمع سكاني، بل هو عنوان سياسي وقانوني لقضية اللاجئين، ولذلك فإن استهدافه يندرج ضمن محاولة محو الذاكرة الوطنية وتجفيف أحد أهم منابع الصمود الفلسطيني.

ويتكامل ذلك مع الهجمة المنظمة على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا، من خلال محاولات تجفيف مواردها المالية، والتشكيك بدورها، والسعي إلى إنهاء وجودها. إن تصفية الأونروا ليست مسألة إدارية أو مالية، بل تعني عملياً تصفية قضية اللاجئين وحق العودة، لأن الوكالة تمثل اعترافاً دولياً مستمراً بمسؤولية المجتمع الدولي عن مأساة اللاجئين الفلسطينيين إلى حين حل قضيتهم وفق قرارات الشرعية الدولية، وفي مقدمتها القرار 194.

إن ما يضاعف خطورة المشهد هو تصاعد الخطاب الإسرائيلي الرسمي الداعي إلى ضم الضفة الغربية، كلياً أو جزئياً، وفرض السيادة الإسرائيلية على المستوطنات والأغوار ومناطق واسعة من الأرض الفلسطينية المحتلة. وقد حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إلى جانب العديد من المنظمات الدولية، من أن أي خطوة من هذا النوع تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، وتقويضاً مباشراً لميثاق الأمم المتحدة، واتفاقيات جنيف، وقرارات مجلس الأمن، وعلى رأسها القرارين 242 و2334 اللذين يؤكدان عدم شرعية الاستيطان ورفض الاستيلاء على الأراضي بالقوة.

لكن الأخطر من التصريحات الإسرائيلية هو الصمت الدولي المتردد، والعجز عن ترجمة المواقف الرافضة إلى إجراءات رادعة. فإسرائيل اعتادت على إدارة الصراع تحت مظلة الإفلات من العقاب، مستفيدة من ازدواجية المعايير الدولية، ومن غياب إرادة سياسية حقيقية لدى القوى الكبرى لفرض احترام القانون الدولي. ولهذا فإن الاكتفاء ببيانات القلق والإدانة لم يعد كافياً أمام مشروع يتقدم يومياً على الأرض.

فلسطينياً، نحن أمام لحظة تاريخية فارقة تتطلب مراجعة شاملة وسريعة. المطلوب اليوم ليس فقط إصدار بيانات الاستنكار، بل بناء جبهة وطنية موحدة تضم المؤسسات الرسمية، والقوى السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والنقابات، والفعاليات الشعبية، لمواجهة مخاطر المرحلة. إن استمرار الانقسام الداخلي يمنح الاحتلال فرصة ذهبية لتمرير مشروعه، بينما الوحدة الوطنية تشكل السلاح الأهم في هذه المواجهة المصيرية.

كما أن دعم المواطنين لبعضهم البعض أصبح ضرورة وطنية وأخلاقية، في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الهائلة الناتجة عن الحصار، وإغلاق المدن، ومصادرة الأراضي، وتراجع فرص العمل، واحتجاز أموال المقاصة، وتقييد الحركة التجارية. إن تفكيك المجتمع الفلسطيني اقتصادياً واجتماعياً هو جزء لا يتجزأ من سياسة الاحتلال الرامية إلى إنهاك الناس ودفعهم نحو الهجرة أو الاستسلام.

إن استمرار هذه العمليات الإسرائيلية دون ردع سيقود إلى تداعيات خطيرة، ليس على الفلسطينيين وحدهم، بل على استقرار المنطقة بأسرها. فغياب الأفق السياسي، وتآكل حل الدولتين، وتصاعد الاستيطان والعنف، كلها عوامل تنذر بانفجار شامل لن يكون أحد بمنأى عن نتائجه.

إن المطلوب اليوم فلسطينياً وعربياً ودولياً هو الانتقال من مرحلة التحذير إلى مرحلة الفعل: فرض عقوبات على الاستيطان، حماية الأونروا، دعم صمود الفلسطينيين، والاعتراف العملي بحق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

فالضفة الغربية لا تواجه اجتياحاً أمنياً عابراً، بل اجتياحاً سياسياً يستهدف اقتلاع الجغرافيا والهوية والحقوق. وإذا لم يتم التصدي لهذا المشروع الآن، فإن كلفة التأخر ستكون باهظة على الجميع.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى