ما جدوى الحوار حين تتكلم الصواريخ جنوب لبنان تحت النار!!

في جنوب لبنان لا يبدو التفاوض اليوم طريقًا واضحًا نحو السلام بل أقرب إلى ممرّ ضيق محفوف بالنيران، حيث تُرفع أوراق الدبلوماسية بيد، بينما تُشهر آلة الحرب باليد الأخرى. وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: ما جدوى التفاوض مع إسرائيل، وهي تفاوض على الطاولة وتضرب في الميدان في الوقت ذاته؟
التاريخ السياسي مع إسرائيل لا يقدم كثيرًا من الطمأنينة. فمنذ عقود، ارتبطت المفاوضات معها بمنهج ثابت يقوم على كسب الوقت، وإعادة ترتيب الوقائع على الأرض، وفرض معادلات جديدة بالقوة قبل تثبيتها لاحقًا عبر الاتفاقات. إنها لا تدخل التفاوض دائمًا بحثًا عن تسوية عادلة، بل غالبًا بحثًا عن تسوية تخدم ميزان القوة الذي تصنعه بنفسها
في جنوب لبنان، تبدو الصورة أكثر وضوحًا وقسوة. القرى المدمرة، المدنيون النازحون، والخوف الذي يسكن الحدود، كلها شواهد على أن الميدان لا ينتظر نتائج الاجتماعات السياسية. بينما يتحدث الوسطاء عن التهدئة، تستمر الغارات، وكأن الرسالة الإسرائيلية تقول بوضوح: تفاوضوا كما شئتم، لكن القرار النهائي يُكتب بالنار لا بالحبر
هذا النمط لا يضعف فقط الثقة في أي مسار تفاوضي، بل يجعل التفاوض نفسه أداة ضغط نفسي وسياسي. فحين يشعر الطرف الآخر أن الحوار لا يوقف العدوان، بل يمنحه غطاءً مؤقتًا، يصبح التفاوض أقرب إلى إدارة الأزمة لا حلّها، وإلى شراء الوقت لا صناعة السلام.
لكن، رغم ذلك، لا يمكن إنكار أن غياب التفاوض الكامل يعني الانزلاق نحو حرب مفتوحة، وهي كارثة لا يحتملها لبنان أصلًا، بلدٌ يئن اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا تحت أثقال لا تُحتمل. لذلك، يبقى التفاوض ضرورة، لكن ليس بوصفه وهمًا أخلاقيًا، بل كأداة سياسية مشروطة بالقوة والضمانات والوضوح.
التفاوض بلا أوراق قوة هو مجرد استدعاء للهزيمة بصيغة دبلوماسية. أما التفاوض الحقيقي، فهو الذي يُدار من موقع الندية لا الاستجداء، ومن منطق الحقوق لا منطق الخوف. جنوب لبنان لا يحتاج إلى بيانات شجب جديدة، بل إلى موقف دولي صادق يُلزم إسرائيل بما ترفض الالتزام به دائمًا: احترام السيادة، ووقف العدوان، والاعتراف بأن الأمن لا يُبنى على أنقاض الآخرين.
المشكلة ليست في مبدأ التفاوض نفسه، بل في اختلال ميزانه. حين يكون طرفٌ محميًا دوليًا مهما فعل، وطرفٌ آخر يُطالب بضبط النفس حتى وهو يُقصف، فإن الحديث عن سلام عادل يصبح نوعًا من الترف السياسي.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس هل نتفاوض؟ بل كيف نتفاوض، ومع من وبأي ضمانات؟
لأن التفاوض مع من يعتبر القوة وحدها لغة مفهومة، يحتاج أولًا إلى إعادة تعريف معنى الردع، ومعنى السيادة، ومعنى أن يكون للدم العربي وزنٌ في ميزان العالم
جنوب لبنان اليوم لا يطلب معجزة، بل عدالة. والعدالة لا تأتي من طاولة مفاوضات صامتة أمام القصف، بل من إرادة سياسية تعرف أن السلام الحقيقي لا يُفرض بالصواريخ، ولا يُوقّع تحت التهديد !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى