١
السيد العميد / جامعة المريخ :
تحية طيبة وبعد
أمس كنت أصحح أوراق الامتحانات للطلبة فتذكرت كتابك لنا بضرورة أن تكون أسئلة الامتحان مطبوعة . هل تعرف من تذكرت أيضا ؟
لقد تذكرت المرحوم ابراهيم طوقان وقصيدته الشهيرة في معارضة الشاعر أحمد شوقي :
" شوقي يقول وما درى بمصيبتي
قم للمعلم وفه التبجيلا "
إلى قوله :
" فأرى حمارا بعد ذلك كله
رفع المضاف إليه والمفعولا " .
أنا ألتفت إلى الأخطاء النحوية وحاسبت الطلاب عليها ، ولكني لم أغضب ، كثيرا ، للأمر ؛ لأن الأساتذة في زمننا هذا يخطئون في النحو ، بمن فيهم أساتذة النحو وحملة الدكتوراه في الأدب العربي .
ما قهرني أيها السيد العميد هو طلبك منا أن تكون الأسئلة مطبوعة ، ترى ماذا ستقول لأستاذ يجيبك بالآتي :
- وأنا أريد إجابات الطلاب أيضا مطبوعة .
أمس كنت اقرأ خطوطا تحتاج إلى قاريء مخطوطات بارع ، وأعتقد أن بعض خطوط الطلبة سوف يعجز عن قراءتها .
نريد الأسئلة مطبوعة فلماذا لا يسلمنا الطلاب أيضا إجاباتهم مطبوعة ؟
وشتان بين خطي وخطهم . خطي الجميل وخط بعضهم القبيح جدا والذي لا يقرأ !
السيد العميد أمس ترحمت على ابراهيم طوقان الذي قال :
" يا من يريد الانتحار وجدته
إن المعلم لا يعيش طويلا " .
أنا شخصيا فرح بوظيفتي أستاذا جامعيا وما يزعجني هو تصحيح بعض الأوراق التي تحتاج حقا إلى قاريء مخطوطات بارع جدا .
أمس قرأت ما لا يقل عن 200 صفحة من إجابات الطلاب . هل أقول كان الله في عوني ؟
" ويكاد يفلقني الأمير بقوله
كاد المعلم أن يكون رسولا
لو جرب التعليم - عفوا التصحيح - شوقي مرة
لقضى الحياة شقاوة وخمولا / تعاسة واكتئابا "
السيد العميد في جامعة المريخ ، المرة القادمة ، أريد إجابات الطلبة مطبوعة .
تحياتي لك ولسكان المريخ جميعا / لإدارة جامعة المريخ /لرئيسها / لعمدائها /لأهل مدينتها .
واسلم المخلص - بدون تشديد اللام - العبد الفقير ابن كوكب المشتري
٢٠١٢
٢
اشتراكي حتى الموت و شارون وقانون الديك :
لا رغبة في الكتابة هذا الصباح . هكذا قررت ألا أكتب ، فالقراء نيام ، والذين يتابعون الفيس قلة قليلة ، فلماذا أكتب ؟
تصفحت ما أدرجه د . عبد الرحمن البرقاوي وما أورده من أسماء رشحتها فتح وحماس لوزارتنا القادمة ، وتوقفت أمام صديق لي كان ينتمي للجبهة الديمقراطية ، يوم كنت صديقا للرفاق ومقربا منهم . كان صديقي يعدني رفيقا ، على رأي المقولة " رفيق الرفيق رفيق " و " سابع جار لبيت الرفيق رفيق " .
صديقي ، رفيق الجبهة الديمقراطية مرشح الآن من حماس لتولي وزارة في تخصصه ، ولا اعتراض على كفاءته في تخصصه .
كنت منذ فترة أصغي إلى أخبار عنه . إنه الآن لا يغادر الجامع ، وغدا منظرا كبيرا لحماس ، وهو ملتح ، و ... و ..
هل كنت أعقب ؟
لما عدت من ألمانيا ، في199 1 سألت عما ألم بالرفاق بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ، وقيل لي إنهم في الجامع ، وقد دونت هذا في نص " ليل الضفة الطويل " . مر على كتابة النص ثلاث وعشرون سنة ، وما زلت قلقا غير مستقر على قرار ، وقد هدى الله أكثر الرفاق ، ومن لم يهده فقد جعله من المطبعين بامتياز ، و .. و .. وهذا الصباح استمعت من أجيال لأول مرة عن قانون الديك . يا لي من جاهل ومكابر !
ما هو قانون الديك الذي سنه شارون لمصادرة الأراضي ؟
كل أرض في الضفة لا يسمع فيها صياح الديك تصادر وتصبح أرض دولة ، لأنها غير مسكونة ، وصبحكم الله بالخير .
خربشات
( التقيت بصديقي وقال لي إنهم يخلطون بينه وبين أخيه ، مع أن ابن اختي أصر على أنه لا أخوه ) .
٢٠١٤
٣
حسب رأي إميل حبيبي فإن الشتيمة تعبر عن صفات الشاتم ولهدا ألجأ إلى الصمت وأكتفي بالكتابة المنهحية الصرف .
اللهم امنحني برودة الإنجليز في الكتابة مع أن راشد حسين كتب بأن الثورة تحتاج لحظات غضب .
٢٠١٦
٤
أدباء شهداء ... أديبات شهيدات 5 :
هبة محمد المدهون
ولدت هبة في العام ١٩٨٠ ودرست الهندسة المعمارية . كتبت الرواية والشعر والقصة القصيرة ولها كتابان ؛ رواية عنوانها " فإذا هم خامدون " وديوان شعر عنوانه " كوني عنقاء " وارتقت مع ابنيها حميد وعبد الرحمن بعد تسعة أيام من بداية الحرب .
وكما يرى عاطف ابوسيف فإنها عرفت بقوة التحدي ، وهو ما يبدو في عنواني كتابها .
"كتبت هبة في الحرب السابقة :
هل الموت مؤلم ؟
أظنه كذلك "
وتصف تركها وغيرها حاراتهم دون أن يغلقوا البيت " لأننا لا نعلم هل سنحيا لندخلها ثانية أو لا " .
كما تصف لحظات الخروج وركضها من الموت شرقا ، مع علمها أنه يحيط بالناس من كل جانب .
ولأنها ارتقت في بداية الحرب ، فلم تكنب الكثير . كتبت في 7 أكتوبر وكتبت في 13 اكتوبر ، وبدت في اليوم الأول متفائلة ، فالحفيد يقول للجدة انه وقت العودة .
في كتابتها في المرة الثانية أتت على الإشاعات التي أسهمت في الخروج الأول في ١٩٤٨ ، ورأت أن الأسلوب نفسه يتكرر ، ولهذا خاطبت الناس :
لا تخرجوا
لا تخرجوا ، فالخروج نكبة جديدة ومجازر جديدة " أكثر مما نتخيل " . كأنها كانت صاحبة نبوءة .
" يا الله قديش تخيلت هالحرب قبل هيك . تخيلت أن غزة هي الأضحية التي تقدم في سبيل صحوة الأمة " لكنها بحياتها لم تتخيل أن " الأضحية تنذبح والأمة ما تصحى " وأكثر من ذلك أنها بحياتها " ما تخيلت أنه ما في أمة أصلا " .
وقد تنبأت برحيلها في الثالث عشر من أكتوبر ، فحين سمعت ان وزير الاتصالات الإسرائيلي قرر وقف الإنترنت عن شركات غزة أبدت قلقها من أن كتابتها ونقلها الصورة قد يكون الأخير ، ولذا خاطبت قراءها :
" تذكروا ، انقلوا عنا للأجيال القادمة القصة الحقيقية " وطلبت منا أن ندعو لهم .
هل نقول ، ونحن نشاهد ما يجري في غزة في هذه الأيام ، إنها نجت مبكرا .
في الأيام الثلاثة الأخيرة جنت الدولة الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط ، ولم يحرك أحد سابقا ، وحتى الذين خاطبوا السماء يئسوا !
غزة تجوع . غزة تباد . غزة تسوى مبانيها بالأرض . غزة تنزح للمرة العشرين وربما أكثر !!
١٧ / ٥ / ٢٠٢٥
٥
شوارع نابلس اليوم :
العيد يبدو واضحا في نابلس . عطلة الإسراء والمعراج ، والجامعة مغلقة ، والناس قليلون ." الكثرة نتن " يقول الناس .
غير أن اللافت أن البسطات قلت وتراجع حيزها ، واصحابها غاضبون من السيد رئيس البلدية ، ولو كنت صاحب بسطة لربما لعنت سنسفيل المسؤول . التجار اصحاب المحلات مسرورون لأنهم سيبيعون وسيربحون ، وزبائن البسطات غاضبون ، فالأسعار سترتفع .
ما علينا !
قلت :
- حسنا فعل رئيس البلدية ، فقد غدا المرء يسير في الشوارع دون مضايقات ، علما ان نابلس ليست طوكيو أو نيويورك .
تذكرت مخيمات اللاجئين ودافعت عن قرار رئيس البلدية .أحيانا أكون برجوازيا لا بروليتاريا ، وأصحاب البسطات قد يشتمونني لهذا ، وقد يطلبون مني ايجاد فرص عمل لأصحاب البسطات . في المخيم أنت ، اليوم ، لا تستطيع أن تسير في زقاقه بيسهولة . الزقاق أشبه بأنبوب مجاري ؛ضيق جدا ، والسبب ؟
أهالي المخيم تكاثروا ما بين 1948 و 2000 وحتى الآن ، وبدأت الحكاية بالتوسع من هذا المواطن أو ذاك ، وكل يريد غرفة جديدة للعريس ، فالعائلة تكبر والأرض تضيق و...
إلام آلت المخيمات ؟زوروها وانظروا أحوالها ، والمدينة ببسطات أصحابها الكثر يحولون المدينة إلى مخيم يصعب التنقل بين شوارعه .
هل نقطع ارزاق الناس ؟ ومع من أنت ؟ هل أنت مع رئيس البلدية في قراره أم مع أصحاب البسطات والمحلات التي كانت لها بسطات ؟
المهم شوارع نابلس اليوم كانت تبعث على الراحة ، وكان الله في عون الفقراء والعاطلين عن العمل ، والأمور مربكة ومعقدة وليست سهلة .
٢٠١٥
٦
الرد على الشتيمة بشتيمة :
سألني زميلي عن الروائي يحيى يخلف من يكون ؟
وللأمانة فقد كنت أدرس قصته " تلك المرأة الوردة " لسنوات ، وكنت اسأل الطلاب إن كانوا قرؤوا له شيئا ، وكانوا لا يعرفونه إطلاقا ، حتى عندما غدا وزيرا ، وكنت أعرف الطلاب به وبنتاجه .
وطلب مني زميلي أن أرد عليه فالله تعالى قال ( لايحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ، وكان الله سميعا عليما ) وزميلي متدين .
قلت له :
- إنما أرد عليه بمقالات نقدية فقط .
وسألني زميلي :
- لا تريد أن ترد عن عجز؟
فأجبته :
- لا ، وذكرته بشخص عين بالواسطة وشتمني أيضا ولم أرد .
وقلت لزميلي :
- كان اميل حبيبي يقول إن الشتيمة تعبر عن غيرة أو هي صفات الشاتم ، ولن أنجر إلى معركة شتائم .
على صفحات الفيس بوك قرأت ردودا على كلام الروائي من زكي درويش وبشير عباسي وعز الدين التميمي ، وأما أنا فتذكرت ما قاله يحيى ، ذات يوم ، عن د.فيصل دراج ، وتدكرت ما كتبه عن رشاد أبو شاور ورد الأخير عليه .
أنا أكتب نقدا واتكيء على مناهج نقدية في كتابتي ، و أكتفي بهذا ، وحين أتحدث عن شخص الكاتب فبمقدار ما تجيزه المناهج النقدية ، ولست بجاهل بها .
17 / 5 / 2016
٧
د.فيصل دراج ويحيى يخلف 11 :
كم في سارد يحيى يخلف من يحيى يخلف؟
ليس في " راكب الريح "ما يقول إن السارد هو غير المؤلف ؟ والسارد هنا هو المؤلف الضمني ، وكما ذكرت فإن هناك ما هو مشترك بين البطل يوسف والسارد وبالتالي يحيى . الثلاثة يريدون تجميل العالم وتزيينه .
يوسف من خلال حرفته والسارد ، ومن ورائه يحيى ، من خلال اللغة والبناء الفني . كأنما يريد كل واحد من هؤلاء تجميل العالم من خلال الفن ليس أكثر ، ولهذا يعجب يوسف بالحكيم ولا يعترض على مشروعه ، وإن اضطر إلى محاربة نابليون قرب قلقيلية وتم الانتصار عليه .
يشبه بطل الرواية بطل رواية " تفاح المجانين " وكان د.دراج لفت نظرنا إلى سمات ذلك البطل الخارقة . إنه بطل عملاق يريد تحطيم الجدران ، فهل اختلف يوسف عنه؟
ثمة قرين يسكن يوسف . إنه الجني الملازم له منذ طفولته المبكرة ، وهو في يافا ، ووحده ، بضربة ، وحده من هزم جنود الانكشارية وتصدى لهم ، وحين عاد ليحارب الفرنسيين عاد وهو يملك قوة عجيبة ، ففعل ما فعل وانتصر . إنه بطل أسطوري حقا .
والسؤال الذي أسأله للدكتور دراج هو
- أليست مهمة الروائي عقلنة العالم ؟ أليست مهمته مواجهة الواقع بالعقل ؟ هل حرر بطل تفاح المجانين جزءا من فلسطين فعاد يحيى إليه ، ام أن يحيى عاد وفق اتفاقات أوسلو ؟
حقا أين ذهبت البطولة الخارقة لبطل " تفاح المجانين "؟ وكيف قادنا يوسف إلى ما نحن عليه ؟
إن وظيفة الفنان هي عقلنة العالم ، ولهذا غالبا ما كنا نسخر من بطل جبرا وليد مسعود . إنه بطل من ورق ولا يمت إلى الواقع بصلة . وحين قال كنفاني للدكتور عباس إنه يكتب الواقع الفلسطيني كما هو ، فإنه كان أكثر اقناعا من جبرا ، ومثله اميل في متشائله . أبطال كنفاني وحبيبي أكثر اقناعا من أبطال جبرا ويخلف ، ولعل د.دراج يتفق معي في هذا .
ومرة أخرى أذكر د.دراج بعنوان دراسته عن رسائل درويش والقاسم " البلاغة المنتصرة في الواقع المهزوم " .
17/5/2016
٨
طلاب الدراسات العليا :
طلاب الدراسات العليا في قسم اللغة العربية يعانون من ضعف لغوي . طبعا ليس جميعهم ، فهناك طلاب جيدون .
كانت الدراسات العليا في قسم اللغة العربية في الجامعات العربية تقبل من هم برتبة جيد جدا فأعلى ، ولذلك كان التدريس معقولا ومقبولا .
في أيامنا هذه تقبل الجامعات من هم بتقدير مقبول ، وفي جامعات مثل الجامعة الأردنية هناك التعليم الموازي و......
كثير من هؤلاء الطلاب يدفعون أقساطا هي لهم مرتفعة .
ماذا سيفعل الأستاذ الذي يرى أن 70 0/0 من هؤلاء الطلاب مستواهم متدن ؟
مشكلة الطلاب متعددة ومنها عدم التفرغ وعدم المطالعة الخارجية وعدم إتقان الكتابة ، وهكذا تتجمع لديهم العجلة والتسرع وعدم التأني والافتقار إلى روح الباحث وعدم إتقان حرفة الكتابة .
ستسألونني السؤال الآتي :
- هل ولدت مكتملا؟
لقد كنت متفرغا في مرحلتي الماجستير والدكتوراه وكان تقديري في البكالوريوس جيد جدا وقرأت عشرات الكتب الخارجية يوم كنت طالب بكالوريوس وأنفقت أربع سنوات ، قبل الالتحاق بالماجستير أقرأ وأكتب وأنشر ، ومشكلتي الوحيدة في ألمانيا كانت في أنني درست بلغة تعلمتها على كبر ، ومع ذلك تحدثت في امتحاني ( بامبرغ ) و ( بون ) بلغة أفصحت فيها عن أفكاري ولا أزعم أنني ، لغة ألمانية ، كنت مثل (غوتة ) .
17 /5 /2017
٩
50 عاما على حرب حزيران:
في الدوحة في قطر مؤتمر يفتتحه المفكر العربي عزمي بشارة بمحاضرة ، والمناسبة 50 عاما على حرب حزيران.
تذكرت رواية غسان كنفاني " أم سعد" وما قالته للراوي: " بدأت الحرب يا ابن العم بالاذاعة وانتهت بالإذاعة ".
هذه المرة فإن بث أخبار الإذاعة من قطر لا من صوت العرب ، والمذيع هو المفكر العربي لا أحمد سعيد.
أصبحت العودة إلى يافا قريبة.
2017 /5 /17
١٠
في حيفا 6 :
في حيفا تتذكر أول كتاب قرأته عن معارك 1948 بين سكانها الفلسطينيين والعصابات الصهيونية التي انتصرت فطردت الأولين .
في حيفا تتذكر المحامي توفيق معمر الذي يعد من أوائل كتاب حيفا بعد 1948. وكان معمر أصدر مجموعة قصصية تحفل بأحكام صهيونية قراقوشية عنوانها "المتسلل وقصص أخرى " 1957 ، ورواية (؟) عنوانها "حيفا في المعركة:أو مذكرات لاجيء ".
هل تأثر الكاتب وهو يكتب روايته بالأجواء السائدة في حينه؟
يكتب معمر عن ضابط انجليزي أثار الفتنة بين الفلسطينيين واليهود ،فقد كان يؤلب هذا الطرف على ذاك ويمد ذاك بمعلومات عن الآخر وهذه الفكرة راجت لدى بعض كتاب فلسطين الباقين.
وفي حيفا تتذكر كتاب (ايلان بابيه )" التطهير العرقي " وما ورد فيه عمن بقي من سكان المدينة فيها.
رغب (بن غوريون )في طرد العرب كلهم ولكن ضابطه أوضح له تبعات ذلك :"إن طردناهم فلن نجد من ينظف ويخبز ويقوم بالأعمال الحقيرة (؟)". وتتذكر ما ورد عن العمال العرب في رواية اميل حبيبي "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس.." والأعمال التي قاموا بها.
وستعرف أن كتابي معمر أعيد إصدارهما وتتمنى لو تحصل على نسخة منهما لا لقيمتهما الأدبية ،فهذه غير متوفرة ،ولكن لقيمتهما التاريخية.
في حيفا تتذكر مكاتب "الاتحاد "و"الجديد" وفرح الحصول عليهما ؛الفرح المشوب بالخوف من الاعتقال ودفع الغرامة.
و أنت، في حيفا ، مثل سارد "اخطية" ، يلم بك حنين إلى حيفا في حيفا .
17/ 5 /2018
١١
هل النقد الأدبي يحتضر ؟
هل النقد الأدبي يساعد على تسويق النتاج الأدبي ؟
ماذا تقول تجربتي الشخصية في هذا الشأن ؟
وهل السؤال الذي يثار أحيانا صحيح :
- هل النقد ضرورة ؟
- لماذا تهدى الإصدارات للنقاد؟
- لماذا تواصل دور النشر نشر الدراسات النقدية ؟
- لماذا تنفد من الأسواق بعض طبعات الكتب النقدية؟
- هل يمكن وضع الكتابات النقدية كلها في سلة واحدة ؟
إنني أفكر في إجابات من تجربتي لهذه الأسئلة وأسئلة أخرى غيرها .
17 آيار 2019
١٢
الرغيف الطاهر والعرق الزاكي والنكبة التي لا تنتهي
عادل الاسطة
صباح الأربعاء الماضي ركبت الحافلة مع " أبو صقر " ، و " أبو صقر " شاب من سالم إحدى قرى نابلس عرفته منذ سنوات وأنا أصعد معه بين فترة وأخرى في سيارته العمومي ، وغالبا ما يدور حديث بيننا ينتهي بوصولي إلى المدينة أو مساء بوصولي إلى بيتي .
لم أكن أعرف من " أبو صقر " الكثير عن حياته ، فجل ما أعرفه لا يزيد عن حبه متابعة المباريات الرياضية بين " ريال مدريد " و " برشلونة " ، ومرة حدثني عن أبنائه وعن طفله المنغولي تقريبا .
صباح الأربعاء كان فاتحة الحديث بيننا الأطفال الذين يسيرون في الشارع ويتنطنطون أمام الحافلات ، ما جعل " أبو صقر " يتذكر طفولته ليقارن بين جيل اليوم وجيل الأمس .
عرفت من " أبو صقر " أنه ابن شهيد وأخ شهيد ، وسرعان ما خطر ببالي سطر شعري لمحمود درويش ورد في ديوانه " حالة حصار " 2003 نصه :
"الشهيدة بنت الشهيدة بنت الشهيد وأخت الشهيد وأخت الشهيدة كنة أم الشهيد حفيدة جد شهيد وجارة عم الشهيد ( الخ..الخ ) .." وقلت : لعل الشاعر عرف بقصة " أبو صقر " .
عرفت من " أبو صقر " أن أباه استشهد في الانتفاضة الأولى في العام 1991 ، وأن أخاه استشهد في الانتفاضة الثانية . حدثني كيف استشهد والده وأخوه . وقص علي أنه وإخوته درسوا في مدارس الأيتام في القدس .
روى لي أن أباه كان سائقا في بلدية نابلس ، وأنه ذهب ضحية جنديين طلب كل واحد منهما منه طلبا يختلف عن طلب الآخر ، فاحتار أبوه طلب من منهما ينفذ ؛ أطاع جنديا وعصى آخر فأطلق الثاني النار عليه وأرداه قتيلا ، وأما أخوه ابن السادسة والعشرين ربيعا فكان في طريقه إلى العمل في فلسطين 1948 ، وكان يدخل إليها دون تصريح عمل ، وغالبا ما كان هو وزملاؤه يطاردون في الطرق ، ومرة أطلق الجنود عليه النار فأردوه قتيلا .
حكاية " أبو صقر " ظلت عالقة في ذهني وأثارت في ذهني تداعيات عن مأساة العمال الذاهبين إلى الداخل ؛ عمال مخيم عسكر القديم ، والعمال الذين قرأت عنهم في نصوصنا الأدبية وظلت حكاياتهم عالقة في ذاكرتي .
لا أملك إحصائية لعدد عمال مخيم عسكر في فلسطين 1948 ، ولا أملك أيضا إحصائية ثانية لعدد الذين ماتوا منهم في أثناء عملهم أو في أثناء طريقهم إلى أماكن عملهم ، غير أنني أتذكر جيدا صدى شيوع خبر عن موت عامل أو أكثر هناك أو في أثناء طريقه إلى هناك تحديدا . أجواء مأساوية وحزن عميق يلف المخيم وسكانه ، وجنازات ذات حضور غفير وبيوت عزاء تشهد أن الأمر فاجع ومفجع . ولعل دراسة لظاهرة موت العمال الفلسطينيين في فلسطين تستحق أن تنجز ، إن لم تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة ، فعلى الأقل في بيئة مكانية محددة ، ويكفي أن أشير إلى أن قتل ثمانية عمال من غزة في عيون قارة هو ما فجر انتفاضة العام 1987 .
والآن ماذا عن العمال في النصوص الأدبية الفلسطينية ؟
قبل العام 1948 اقترب الشاعر عبد الرحيم محمود من التيار اليساري الفلسطيني وتأثر بافكاره فكتب قصائد يمدح فيها الطبقة العاملة ويصور معاناتها وغربتها وقسوة حياتها ، وتعد قصيدة " الحمال الميت " التي أتى فيها على مأساة حمال في مدينة حيفا ملقى على قارعة الطريق دون أن يلتفت إليه أحد من أفضل ما كتب . يقول الشاعر :
" قد عشت في الناس غريبا /
وها قد مت بين الناس موت الغريب /
والناس - مذ كانوا - ذوو قسوة /
وليس للبائس فيهم نصيب/
رغيفك الطاهر قد غمسته/
من عرق زاك ودمع صبيب
"
بعد العام 1948 كتب المحامي توفيق معمر قصصا قصيرة عن العمال العرب الفلاحين الذين كان أصحاب العمل اليهود يستغلونهم ويسلبونهم حقوقهم .
مثل معمر الشاعر توفيق زياد الذي كتب قصائد وقف في قسم منها مع العمال العرب واليهود المضربين في مصنع " آتا " وفي قسم مع العمال العرب الذين تفرض عليهم ممارسة المهن الحقيرة لعلهم يتركون أرضهم ويرحلون ، وهذا ما يبدو في قصيدته "هنا باقون " .
تصوير معاناة العمال بدا في رواية اميل حبيبي " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " 1974 يدحض الكاتب المزاعم الصهيونية التي تقوم على أساس أن فلسطين كانت تحت العرب صحراء قاحلة وأن إصلاحها قام به اليهود .
يرى حبيبي أن الزراعة وشق الطرق وقيام المباني إنما أنجزه العمال الفلسطينيون من فلسطين 1948 وغزة والضفة الغربية ، هؤلاء الذين يعملون في ظروف قاسية جدا " ورأيتهم في المغيب ،يحشرون في سيارات النقل العتيقة ، كما حشروا ، في يومهم ، صناديق البطاطا ، وكوموا الشمندر في سيارات أحدث من السيارات التي ينقلون فيها ، عائدين إلى مدنهم وقراهم ، إلا الذين غض السيد المقاول الطرف عنهم ليبيتوا ليلتهم في بناء لم يتمموا بناءه ، يتسترون بالطوب من الطارقين : برد ما قبل الفجر ، ودهمة الشرطة ما قبل الفجر " .
معاناة العمال ظلت موضوعا يخوض فيه الكتاب ، فإثر حرب حزيران 1967 احتاجت المصانع الإسرائيلية أيدي عاملة ، فبحثت عنها في الضفة الغربية أولا ثم في قطاع غزة ثانيا ، ولم يستسغ بعض الفلسطينيين أن يعمل العمال في مصانع المحتلين ، ولم يقتصر الأمر على المجادلة ، فقد تصدى الرافضون للفكرة للعمال وعملوا على إعاقتهم ولو بالقوة ، وهذا ما صورته سحر خليفة في روايتيها "الصبار " و "عباد الشمس " وغريب عسقلاني في قصته " الجوع " ،ولسوف يواصل كتاب آخرون الكتابة في الموضوع نفسه .
في أثناء الانتفاضتين الأولى والثانية 87 و2000 أصبح دخول فلسطين 1948 صعبا ومعقدا بسبب الإجراءات الإسرائيلية ، ما جعل عمالا كثيرين يغامرون ويدخلون إلى الداخل الفلسطيني بلا تصاريح إسرائيلية ، ما عرضهم للملاحقة والسجن والرصاص ، هذه المعاناة دفعت بالكاتبة سعاد العامري إلى المغامرة والقيام بالتسلل مع العمال إلى أماكن عملهم لتنجز كتابها " مراد " الذي يصف رحلة البحث عن عمل لا من خلال الإصغاء إلى العمال وحسب ، بل من خلال عيش التجربة التي قد تكلفها حياتها .
هل غطيت في هذه المقالة كل ما كتب في الموضوع ؟
هناك أشعار لسميح القاسم أشاد فيها بالأول من آيار ، وقصص قصيرة لأكرم هنية صور فيها معاناة عمال القدس ، وهناك شهادات لأحمد رفيق عوض عن تجربته الشخصية في المطاعم الإسرائيلية ، وهناك عامل من جنين يقيم في حيفا هو محمد عارف مساد وقد كتب نصا طريفا على صفحته يصور فيها عمله مع الإسرائيليين و..و.. و أعتقد أن الموضوع يستحق ان يتابع .
لعله من المجدي أن أكرر بيت عبد الرحيم محمود :
"رغيفك الطاهر قد غمسته /
من عرق زاك ودمع صبيب " .
وإن أنس فلا أنسى تجربة أبي سائقا في باصات شركة ( ايغد ) الإسرائيلية وعمله ليلا حتى يعيد العمال في الثانية فجرا من مصانع تعليب البرتقال في العفولة ، ولقد عشت شخصيا معه هذه التجربة .
.
الجمعة 17 والسبت 18 آيار 2019
١٣
الست كورونا : " وقفة عز ، ووقفة نذالة " ٨٦ :
الحياة بدأت تقريبا تعود إلى طبيعتها ، ولولا أن السائق غير مجرى سيره وشرح لي السبب لما شاهدت اليوم في المدينة ما يذكر بالست كورونا والحجر الصحي .
لم يختر السائق اليسار وواصل السير بالطريق المستقيم ، وهكذا لم نمر بمقر البنك الوطني ، وقد أعفاني السائق من السؤال حين برر سلوكه متحدثا عن الأزمة وسببها .
أكثر من خمسمائة مواطن كانوا يقفون ، أمام البنك وفي الشارع العام ، ينتظرون دورهم للحصول على مساعدة من صندوق " وقفة عز " الذي أسس لدعم من تضرروا من العمال بسبب الحجر الصحي ، ولم يكن الأمر مختلفا أمام مبنى بنك فلسطين .
السائق قال لي إنه فحص عن اسمه الكترونيا فلم يعثر عليه ، ولما كنت أعرف أنه موظف فقد أخبرته عن السبب :
- ما دمت موظفا وتأخذ راتبا شهريا فلن تحصل على مساعدة من الصندوق .
الخبر المتداول اليوم ، في الضفة الغربية ، على ألسنة المواطنين ، وفي وسائل التواصل الاجتماعي ، كان محوره كلام الوزير عن طبيب راتبه سبعة آلاف شيكل تقدم للحصول على مساعدة من صندوق " وقفة عز " - رحم الله أبي فقد طلب مني ، وأنا أستاذ جامعي ، أن أسجل ، في نهاية الانتفاضة الأولى ، اسمي للحصول على مبلغ رمزي من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ، فابتسمت وأعطيته " كرت المؤن " الخاص بي وقلت له :
- إن حصلت على المبلغ فهو لك ، وأنا لا أريد . ولا أعرف ما ألم بكرت المؤن وأغلب الظن أنه سرق من شقتي - .
نحن ، الفلسطينيين ، فينا من الأمراض الاجتماعية والنفسية ما فينا ، ففي العام ١٩٤٨ سجل كثيرون ، من سكان مدن الضفة الغربية وقراها ، أنفسهم مع اللاجئين ليحصلوا على معونات من وكالة الغوث ، ف " اللي ببلاش كثر منه " و " مكسب من العرصات " و" شعره من طيز خنزير بركة " و " الكل سجل فلماذا لا أسجل " و " إن لم تأخذه يأخذه غيرك " و " المساعدات للكل " و ...
وفي رواية عارف الحسيني " كافر سبت " ظلت عبارة " والحقيقة أن النذالة لا دين لها .... " تلح على ذهني ، فالنذالة قد تجد في ظروف مثل ظروف الكورونا مرتعا خصبا حيث الاستغلال واقتناص الفرص وموت الضمير والجشع وارتفاع أسعار المواد المعقمة والكمامات وإلى آخره إلى آخره .
واليوم كنا ننتظر ما سيعلنه رئيس الوزراء عما ستقرره الوزارة في الأسبوع الأخير من رمضان بخصوص الحجر الصحي .
العيد على الأبواب وأطرف شريط فيديو شاهدته كان لعضو كنيست إسرائيلي يرد فيه على أسئلة صحافي عربي حول الكورونا ، وكان يتحدث بالعربية ، ووجهة نظره أن الكورونا في إسرائيل لعبة سياسية بين رئيس الوزراء والسيد ( غانس؟) لتشكيل الحكومة ، فالكورونا مثل " الايبولا " موجودة في بلدان محددة وهي غير موجودة في اليونان وإسرائيل ومصر . إنها كذبة ويجب ألا تتعطل الحياة في الدولة ، تماما كما لم تتعطل الحياة عندما كان " الايبولا " منتشرا في افريقيا .
اليوم انشغلت بقصتين قرأتهما في كتاب معين بسيسو " دفاتر فلسطينية " هما
- تحول من تحسن إليه إلى جاسوس ومخبر يتعقب أخبارك .
- اختطاف القوات الإسرائيلية الشيوعي علي عاشور من غزة في إحدى غاراتها على القطاع وإعادته إلى حيفا ، وفي حيفا أطلق سراحه وصار كاتبا في جريدة الحزب الشيوعي الإسرائيلي ( راكاح ) .
في أزمنة الاحتلال والكورونا والفقر والجهل والهزيمة تتراجع القيم الأخلاقية وتصبح الفضيلة الأولى هي أن نبقى على قيد الحياة حتى لو تجسسنا على بعضنا .
يكتب معين بسيسو إن العائلة اللاجئة التي وقف هو وأسرته إلى جانبها ، فأطعموها وأووها ، كان ربها قد تحول إلى مخبر قاد قوات المباحث إلى بيت معين لاعتقاله .
" والحقيقة أن النذالة لا دين لها " ، وما حدث مع معين يحدث الآن أيضا .
١٧ / ٥ / ٢٠٢٠ .
١٤
معين بسيسو والمخبرين :
عن المخبرين ممن تحسن إليهم :
من " دفاتر فلسطينية " :
" إلى جوار بيتنا في الرمال ، صحونا ذات يوم ، وكانت عائلة قد لجأت إلى شجرة توت ، كانوا جيرانا بيتهم شجرة . وأقمت لهم بيتا من البطاطين . اكتفت أمي بلحاف واحد لنا وقدمت كل البطاطين وبعض الطناجر والصحون ، وقسمت بيديها كل ما كنا نملك من التموين بيننا وبين تلك العائلة المهاجرة - عائلة أبو نحل - كانت عائلة أبو نحل تتألف من أخوين متزوجين وأولادهما .
وأصبحنا عائلة واحدة ، وقبيل انتفاضة مارس بأيام ، كان - أبو نحل - قد كلف بمراقبتي ، فلقد أصبح شرطيا في المباحث ... ؟
أريد أن أقول إنه حينما يتحول أحدهم إلى شرطي مباحث أو مخابرات فهو على استعداد لكي يحلب ثدي أمه ويقدم حليبه كأس عرق "
ورفضت أم معين أن تقدم القهوة للذين جاؤوا ليعتقلوا أولادها ونظرت إلى " أبو نحل شرطي المباحث الذي كان يريد أن يختبيء من عينيها وراء أي شيء وصاحت :
- جئت تعتقله .. لماذا ؟؟ لقد كان يدافع عن أطفالك .. لم يبق إلا أن يسلخ جلده ويقدمه لك لحافا " .
في زمن الكورونا إن تم اللقاح فلا حاجة ل أبو نحل ولا لأحد من العرصات ، فالشريحة التي بحجم حبة الأرز التي سنلقح بها ستجعل كثيرين ممن يعملون في أجهزة المخابرات كلابا يجب أن يتخلص منها ، وأعتقد أن المخابرات لن تتخلص من الكلاب العادية فهي بحاجة إليها لتخيف الأفراد ، ولكن الكلاب البشرية ستصبح عالة عليها .
٢٠٢٠
١٥
ذاكرة أمس ٦٢ :
الصورة في كل مكان
أمس كان اليوم الرابع والأخير من أيام عيد الفطر ، وكنا نسميه ونحن صغار " حمار العيد " ، ولا أعرف سبب التسمية . هل كنا نحتال على أنفسنا ونمدد الأيام التي كنا نحزن لانقضاء كل يوم من أيامها ؟
كان للعيد بهجة حقيقية ، ما أظن أن جيل هذه الأيام يشعر بها . كان العيد يعني الذهاب إلى المدينة ومشاهدة أفلام السينما والذهاب إلى المراجيح وركوب الدراجات الهوائية والعودة مساء إلى البيت بفرح ممزوج بالأسى ؛ فرح لما أنفقنا اليوم فيه وأسى بحزن شفيف لانتهاء يوم علينا أن ننتظر عاما من أجل أن يعود .
لقد اختفت دور السينما واختفت المراجيح وفقدت الدراجات الهوائية بهجتها والشعور بمتعة ركوبها و ... .
في الأيام الثلاثة الأولى للعيد لم أغادر شقتي إلا مرة واحدة بناء على إصرار أبناء أخي أن آخذهم مشوارا لأشتري لهم الكوكتيل أو البوظة ، وفي اليوم الرابع ؛ في حمار العيد ، ذهبت إلى المدينة التي بدت الحركة فيها ظهرا ومغربا باهتة خفيفة ، فالحزن يخيم والأنظار والعقول نحو غزة وأهلها .
كانت صور أطفال غزة أمس ؛ الجرحى والشهداء والناجين وفاقدي البيوت والأهل والألعاب والمراجيح والدراجات الهوائية ، كانت صورهم تلازمنا في وسائل التواصل الاجتماعي وعلى شاشات الفضائيات ، وما أكثرها !
الصور في كل مكان ، وفي كل مكان صور القتلة والمستوطنين أيضا وصور بنايات غزة التي سويت بالأرض . صحيح أن ثمة صورا بدت أيضا لتل أبيب غايرت صورها المألوفة قبل بداية الحرب ، ولكن الدمار فيها لا يذكر قياسا لدمار غزة .
هل هذا هو ما حلم به الأب المؤسس للصهيونية ( ثيودور هرتسل ) ؟
بدأت الحكاية في الشيخ جراح وفي اقتحام الأقصى . يريدون بناء هيكلهم مكان المسجد ويريدون إخراج سكان الحي من بيوتهم ، بحجة وجود هيكلهم وحجة شراء البيوت في الحي .
أمس عقبت على مقال للكاتبة العراقية Wardia Shamass قائلا إن ٩٥ بالمائة من اللاجئين الفلسطينيين في العام ١٩٤٨ طردوا من مدنهم وقراهم طردا وما زالت كواشين بيوتهم معهم . وأمس أرسل إلي الصديق الدكتور Abdallah Abu Eid Abdallah شريط فيديو قديم عما يعلمه اليهود المتدينون الصهيونيون لأطفالهم ، عن القدس والأقصى والعرب والهيكل ، في مدارسهم .
يعلم اليهود المتدينون الصهيونيون أطفالهم بأن الأقصى يجب أن يهدم ليقام الهيكل مكانه ، ويعلمونهم أن العرب يجب أن يذبحوا أو أن يكونوا عبيدا لليهود و ... .
كانت صور الدمار أمس ، وصور الأطفال الناجين الفاقدين عائلاتهم أو الأطفال الموتى ، كانت تملأ الشاشات ، وكانت صور " أبو يائير " ؛ غاضبا وحزينا وقلقا ، وعلى الجبهة ينظر إلى ما فعلته طائراته بالمدينة ، كانت صوره أيضا في كل مكان .
هل تذكرت الشاعر الروسي ( ماياكوفسكي ) :
" الصورة في كل مكان
وأما الفلاحة فقد استلقت في الوحل " .
أمس وأنا أشاهد ما آلت إليه غزة تذكرت ما آلت إليه مدينة ( درسدن ) الألمانية في نهاية الحرب العالمية الثانية .
١٧ أيار ٢٠٢١ .
١٦
القاهر والظافر اللذان تأخرا ٥٤ عاما :
في أيار من العام ١٩٦٧ كانت أنظار العرب تتطلع إلى صواريخ جمال عبد الناصر المسماة بالظافر والقاهر والناصر ، وكانت أنظار اللاجئين تتطلع إلى العودة إلى ديارهم ، وعندما خسرنا الحرب صارت الصواريخ والقيادة المصرية موضع سخرية وتندر من أطراف كثيرة منها " العم حمدان " اليهودي المصري صاحب برنامج " العم حمدان " الذي كان يبدأ حديثه بعبارة " إخواني يا ولد مصر الطيبين ، عمكم حمدان عاوز يحدثكم .. " الخ .
ما كنا نظنه واقعا صرنا بعد الهزيمة مباشرة ولسنوات نراه خيالا ، وما قبع في ذاكرتنا على أنه خيال صار حقيقة .
" الواقعي هو الخيالي الأكيد والخيالي هو الواقعي " .
هل تخيل سكان تل أبيب ذات يوم ما عاشوه في الأسبوع الأخير ؟
من يدري فقد يعود أحفادنا ذات يوم إلى يافا وحيفا وعكا و ... وقد يتحقق حلم ياسر عرفات المتمثل بأن ترفع زهرة فلسطينية العلم الفلسطيني على أسوار القدس والأقصى والصخرة . قد ... .
المهم ألا تختلف فتح وحماس على العلم ؛ شكله ولونه ، والمهم ألا تنسب بعض الفصائل التي لم يبق منها سوى هياكل عملية التحرير لها .
١٧
إميل حبيبي ...ثالثة ورابعة : إشكالية الفهم ... إشكالية الترجمة
مرت في هذا الشهر ذكرى وفاة إميل حبيبي فحضر في ذهني غير مرة ، وأسهمت كتاباتي في الفيس بوك ،وتذكيره لي بها ، في الاستحضار ، ففي أيار من أعوام سابقة كنت خربشت طالبا من المهتمين بالكاتب والملمين بالعبرية أن يعلموني كيف ترجم انطون شماس عبارة إميل في " المتشائل " :" كنت أحسبك حمارا فإذا أنت أحمر " ، ولما لم يجبني أحد كتبت إلى الشاعرة سهام داوود أطلب منها المساعدة فلم تتوان في تقديمها ، وأنفقت وقتا تبحث فيه حتى عثرت على المطلوب وأرسلته إلي .
كان شماس ، حسب فهم سهام مع أنها قالت إن هناك دقة في الكتابة قد تخفى على من عبريته " على قده " ، كان ترجم العبارة كالآتي " كنت أحسبك حمارا فإذا أنت أشد حمرنة " ، وهي تختلف عن الترجمة الإنجليزية " فإذا أنت شيوعي " والترجمة الألمانية التي جمعت بين الترجمتين ؛ ترجمة شماس وترجمة سلمى الخضراءالجيوسي . ( حول ذلك أنظر كتابي " في مرآة الآخر : استقبال الأدب الفلسطيني في ألمانية " : إميل حبيبي ، صعوبة الترجمة ٢٠٠٠ ) .
تتنافى ترجمة انطون ، حسب الفهم السابق ، وروح شخصية بطل الرواية الذي يتغابى ويتظاهر بالجهل ، وتتنافى وقواعد شروط اشتقاق اسم التفضيل في علم الصرف العربي التي منها قابلية الاسم للتفاوت . وهناك فرق بين الغبي والمتغابي والمريض والمتمارض والذكي والمتذاكي والفصيح والمتفاصح والجاهل والمتظاهر بالجهل والأبله والمتباله ، وقد أعادني ذلك إلى سلسلة مقالات أنجزتها في الترجمة يخص جزء منها " المتشائل " والعبارة المذكورة . ولما فضلت أن أعرف من قراء عرب آخرين يعرفون العبرية معنى عبارة " أدوم حمور " التي استخدمها شماس فقد سألت آخرين ، فقال لي قسم مثل المحامي حسن عبادي ، إن المقصود هو " أشد حمرنة " - أي أحمر من حمار ، وقال آخرون ، مثل سهيل كيوان و د . نبيل طنوس و د.فياض هيبي ، إن المقصود هو " أحمر صعب خطير " . وإن كان المعنى الثاني ما فهمه شماس وقصده فلم يخطيء الترجمة ، وزاد الطين بلة أن كلمة " حمور " بالعبرية تعني حمار وتعني خطير وصعب ، حسب وضع النقطة فيها وهو ما شرحه لي د . طنوس . وهكذا لا يختلف القاريء العبري للعبارة عن القاريء العربي . هناك قراءتان ؛ الأولى أحمر من حمار أو أكبر حمار ، والثانية أحمر صعب أو احمر/ شيوعي لئيم ، ولا يلتفت إلى القراءة الثانية إلا قلة متخصصة ، في حين يذهب ذهن الكثرة إلى القراءة الأولى .
كنت مرة توقفت أمام مقال غسان كنفاني في كتاب " فارس فارس " عن المترجمين العرب " القدس بين ٣ مصائب: الاحتلال والتأليف والترجمة " وفيه أتى على مصيبة المترجمين العرب الذين ترجموا " جريكو " إلى " جرش " و " النقب " إلى " النجف " ، وكنت اقتبست من روايات حبيبي نفسه تحديه أن يترجم له شماس بعض العبارات العربية إلى العبرية ، فكتبت تحت عنوان " إميل حبيبي وصعوبة الترجمة " وأوردت تحدي حبيبي لشماس في " خرافية سرايا بنت الغول " :
" أجبته ما عدا إلا هذا الذي بدا . وما لم يبد ما عدا ولن يعود . وأتحدى انطون شماس أن يترجم هذا الطباق والجناس إلى لغة قريبة أو بعيدة وعلى رأسها لغة أكلوني البراغيث التي تغندرت بها لغتنا الصحفية " ( حبيبي ، سرايا ، ص ١٥١ ) .
ليس سبب الكتابة السابقة الرغبة في التكرار أبدا ، ففي العام الماضي قدمت عرضا لكتاب بشير أبو منة الذي ترجمه من الإنجليزية إلى العربية مصعب حتايلي وتوقفت أمام فقرة لم يفهمها المؤلف فهما صحيحا ، فنقلها إلى الإنجليزية بناء على فهمه الخاطيء ، لا حسب المعنى الذي تقوله الرواية . هذا كله ذكرني بعبارة ناقد عن " المتشائل " وصعوبة ترجمتها إلى اللغات الأخرى ، ذيلت بها منشورات صلاح الدين في القدس طبعتها في ١٩٧٤ ونص العبارة :
" إذا ما ترجم هذا الكتاب إلى لغة أخرى ( لو كان من الممكن أن تستوعبه لغة أخرى ) كان تحديا صعبا أمام الدعاية الإسرائيلية " .
في هامش ٣٠ من كتاب أبو منة ، في الفصل الخاص بحبيبي ( ص ١٩٤ من الترجمة العربية ) تبدو عدم دقة المؤلف في فهم فقرة من الفقرات ترد في الرواية في رسالة ( الدرس الأول في اللغة العبرية ) . يقول المؤلف فيها :
" ترى إشارة إلى قمع وكبت فلسطينيي ال ٤٨ في تلاعب إميل حبيبي باسم عمة سعيد في بداية الرواية ؛ فاسم عمته هو محصية ، لكن الجنود اليهود يلفظون اسمها مخصية ، فبعد تشريد سنة ١٩٤٨ وضمن جهود الدولة الإسرائيلية لمنع عودة اللاجئين ، قامت إسرائيل بإحصاء للسكان الفلسطينيين ، وكأن حبيبي يلمح إلى أن من تم إحصاؤه تم إخصاؤه . " وليس لسعيد عمة اسمها محصية ولا مخصية . سعيد هنا يزور أم سعد التي كانت تعمل في الكنيسة فلم تعرفه وظنت أنه من المخابرات الإسرائيلية يظنها متسللة ، فأرادت أن تثبت له أنها ليست كذلك وأنها محصية ولديها شهادة بذلك ، وكان هو يخاطبها بلفظ " يا خالة " .
مرة كتبت عما فعله الكاتب سلمان ناطور حين ترجم مقالة عن العبرية ورد فيها فقرة من " المتشائل " ولم يعد المترجم إلى الرواية لينقل منها النص بلغته الأصلية . لقد ترجم المترجم . لقد قرأت ترجمة لا تمت للمتشائل لغة وأسلوبا بصلة . إنها ترجمة الترجمة وفيها يغدو النص عالما آخر مختلفا وقد شغلني هذا غير مرة .
لكي نفهم " المتشائل " لا بد من أن نقرأ ما ورد في الشعر العربي :
" ليس الغبي بسيد في قومه
لكن سيد قومه المتغابي "
وما قاله المعري :
" ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا
تجاهلت حتى قيل إني جاهل
فواعجبا كم يدعي الفضل ناقص
وواعجبا كم يظهر النقص فاضل " .
كان أبو الفضل الاسكندري في المقامات يتعامى وما هو بأعمى ويتظاهر بالحمق وما هو بأحمق، ولا أتردد لحظة في القول إن سعيد المتشائل خرج من معطف التراث .
١٧ أيار ٢٠٢٢ .
١٨
فضول :
صرت متشوقا لقراءة رواية المحامي الأمريكي DEAN DILLEY " فتاة نابلس " Nablus Girl , التي أعلمني عنها الصديق Jameel Dababat جميل ضبابات .
من خلال الأسطر القليلة عن الرواية فإنها تأتي على فتاة من البلدة القديمة من نابلس تقيم في أبو ظبي تتسم بالذكاء جندت لصالح المخابرات في الحرب الأمريكية - الإيرانية ، وكان لها دور في اغتيال أحد عشر عالما إيرانيا .
أتمنى ممن قرأ الرواية أن يقدم لها ملخصا .
الرواية صدرت في العام الماضي .
١٩
غزة ( ٢٢٤ ) :
من تل الزعتر إلى جباليا ، ومن قبل ومن بعد
أنفقنا عمرنا نتابع نشرات الأخبار وآخر أخبار المعارك في جبهات القتال ، وأنفق الإسرائيليون أعمارهم في الدبابات والطائرات والخنادق وأقبية السجون أيضا يحققون مع الفلسطينيين يلاحقونهم ويقصون أثرهم ويفتخرون بإنجازات تشبه إنجازات من لاحقوهم في ألمانيا وفي معسكرات الإبادة وفي .. .
انتهت فترة الحكم النازي ولم تدم أكثر من ثلاثة عشر عاما وطالت فترة الاحتلال الإسرائيلي لستة وسبعين عاما ولما تنته و ... .
ببساطة فلقد لاحقنا الملاحقون قبلنا سبعة أضعاف ملاحقة النازيين لهم ولما ييأسوا .
ما زالت المعارك في غزة في عنفوانها ، وأمس وصباح اليوم وجدتني أردد مقاطع من قصيدة محمود درويش " أحمد الزعتر " :
" ... وله انحناءات الخريف
له وصايا البرتقال
له القصائد في النزيف
له تجاعيد الجبال
له الهتاف
له الزفاف
له المجلات الملونة
المراثي المطمئنة
ملصقات الحائط
العلم
التقدم
فرقة الإنشاد
مرسوم الحداد
وكل شيء كل شيء كل شيء
حين يعلن وجهه للذاهبين إلى ملامح وجهه
يا أحمد المجهول !
كيف سكنتنا عشرين عاما واختفيت
وظل وجهك غامضا مثل الظهيرة
يا أحمد السري مثل النار والغابات
أشهر وجهك الشعبي فينا
واقرأ وصيتك الأخيرة ؟ "
والسؤال نفسه :
هل قال شاعرنا الوطني قصيدته في مخيم تل الزعتر أم في مخيم جباليا وقطاع غزة ؟
أغلب الظن أن الإسرائيليين يزدادون حماقة والفلسطينيين يزدادون شراسة في الدفاع عن حقهم .
ما أراني أكتب إلا معادا مكرورا وأعدل في متون الآخرين وأضيف هامشا في سرد الحكاية .
صارت الحكاية مملة وكذلك الكتابة .
١٧ / ٥ / ٢٠٢٤
٢٠
١٧ أيار ٢٠٢٦
السيد العميد / جامعة المريخ :
تحية طيبة وبعد
أمس كنت أصحح أوراق الامتحانات للطلبة فتذكرت كتابك لنا بضرورة أن تكون أسئلة الامتحان مطبوعة . هل تعرف من تذكرت أيضا ؟
لقد تذكرت المرحوم ابراهيم طوقان وقصيدته الشهيرة في معارضة الشاعر أحمد شوقي :
" شوقي يقول وما درى بمصيبتي
قم للمعلم وفه التبجيلا "
إلى قوله :
" فأرى حمارا بعد ذلك كله
رفع المضاف إليه والمفعولا " .
أنا ألتفت إلى الأخطاء النحوية وحاسبت الطلاب عليها ، ولكني لم أغضب ، كثيرا ، للأمر ؛ لأن الأساتذة في زمننا هذا يخطئون في النحو ، بمن فيهم أساتذة النحو وحملة الدكتوراه في الأدب العربي .
ما قهرني أيها السيد العميد هو طلبك منا أن تكون الأسئلة مطبوعة ، ترى ماذا ستقول لأستاذ يجيبك بالآتي :
- وأنا أريد إجابات الطلاب أيضا مطبوعة .
أمس كنت اقرأ خطوطا تحتاج إلى قاريء مخطوطات بارع ، وأعتقد أن بعض خطوط الطلبة سوف يعجز عن قراءتها .
نريد الأسئلة مطبوعة فلماذا لا يسلمنا الطلاب أيضا إجاباتهم مطبوعة ؟
وشتان بين خطي وخطهم . خطي الجميل وخط بعضهم القبيح جدا والذي لا يقرأ !
السيد العميد أمس ترحمت على ابراهيم طوقان الذي قال :
" يا من يريد الانتحار وجدته
إن المعلم لا يعيش طويلا " .
أنا شخصيا فرح بوظيفتي أستاذا جامعيا وما يزعجني هو تصحيح بعض الأوراق التي تحتاج حقا إلى قاريء مخطوطات بارع جدا .
أمس قرأت ما لا يقل عن 200 صفحة من إجابات الطلاب . هل أقول كان الله في عوني ؟
" ويكاد يفلقني الأمير بقوله
كاد المعلم أن يكون رسولا
لو جرب التعليم - عفوا التصحيح - شوقي مرة
لقضى الحياة شقاوة وخمولا / تعاسة واكتئابا "
السيد العميد في جامعة المريخ ، المرة القادمة ، أريد إجابات الطلبة مطبوعة .
تحياتي لك ولسكان المريخ جميعا / لإدارة جامعة المريخ /لرئيسها / لعمدائها /لأهل مدينتها .
واسلم المخلص - بدون تشديد اللام - العبد الفقير ابن كوكب المشتري
٢٠١٢
٢
اشتراكي حتى الموت و شارون وقانون الديك :
لا رغبة في الكتابة هذا الصباح . هكذا قررت ألا أكتب ، فالقراء نيام ، والذين يتابعون الفيس قلة قليلة ، فلماذا أكتب ؟
تصفحت ما أدرجه د . عبد الرحمن البرقاوي وما أورده من أسماء رشحتها فتح وحماس لوزارتنا القادمة ، وتوقفت أمام صديق لي كان ينتمي للجبهة الديمقراطية ، يوم كنت صديقا للرفاق ومقربا منهم . كان صديقي يعدني رفيقا ، على رأي المقولة " رفيق الرفيق رفيق " و " سابع جار لبيت الرفيق رفيق " .
صديقي ، رفيق الجبهة الديمقراطية مرشح الآن من حماس لتولي وزارة في تخصصه ، ولا اعتراض على كفاءته في تخصصه .
كنت منذ فترة أصغي إلى أخبار عنه . إنه الآن لا يغادر الجامع ، وغدا منظرا كبيرا لحماس ، وهو ملتح ، و ... و ..
هل كنت أعقب ؟
لما عدت من ألمانيا ، في199 1 سألت عما ألم بالرفاق بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ، وقيل لي إنهم في الجامع ، وقد دونت هذا في نص " ليل الضفة الطويل " . مر على كتابة النص ثلاث وعشرون سنة ، وما زلت قلقا غير مستقر على قرار ، وقد هدى الله أكثر الرفاق ، ومن لم يهده فقد جعله من المطبعين بامتياز ، و .. و .. وهذا الصباح استمعت من أجيال لأول مرة عن قانون الديك . يا لي من جاهل ومكابر !
ما هو قانون الديك الذي سنه شارون لمصادرة الأراضي ؟
كل أرض في الضفة لا يسمع فيها صياح الديك تصادر وتصبح أرض دولة ، لأنها غير مسكونة ، وصبحكم الله بالخير .
خربشات
( التقيت بصديقي وقال لي إنهم يخلطون بينه وبين أخيه ، مع أن ابن اختي أصر على أنه لا أخوه ) .
٢٠١٤
٣
حسب رأي إميل حبيبي فإن الشتيمة تعبر عن صفات الشاتم ولهدا ألجأ إلى الصمت وأكتفي بالكتابة المنهحية الصرف .
اللهم امنحني برودة الإنجليز في الكتابة مع أن راشد حسين كتب بأن الثورة تحتاج لحظات غضب .
٢٠١٦
٤
أدباء شهداء ... أديبات شهيدات 5 :
هبة محمد المدهون
ولدت هبة في العام ١٩٨٠ ودرست الهندسة المعمارية . كتبت الرواية والشعر والقصة القصيرة ولها كتابان ؛ رواية عنوانها " فإذا هم خامدون " وديوان شعر عنوانه " كوني عنقاء " وارتقت مع ابنيها حميد وعبد الرحمن بعد تسعة أيام من بداية الحرب .
وكما يرى عاطف ابوسيف فإنها عرفت بقوة التحدي ، وهو ما يبدو في عنواني كتابها .
"كتبت هبة في الحرب السابقة :
هل الموت مؤلم ؟
أظنه كذلك "
وتصف تركها وغيرها حاراتهم دون أن يغلقوا البيت " لأننا لا نعلم هل سنحيا لندخلها ثانية أو لا " .
كما تصف لحظات الخروج وركضها من الموت شرقا ، مع علمها أنه يحيط بالناس من كل جانب .
ولأنها ارتقت في بداية الحرب ، فلم تكنب الكثير . كتبت في 7 أكتوبر وكتبت في 13 اكتوبر ، وبدت في اليوم الأول متفائلة ، فالحفيد يقول للجدة انه وقت العودة .
في كتابتها في المرة الثانية أتت على الإشاعات التي أسهمت في الخروج الأول في ١٩٤٨ ، ورأت أن الأسلوب نفسه يتكرر ، ولهذا خاطبت الناس :
لا تخرجوا
لا تخرجوا ، فالخروج نكبة جديدة ومجازر جديدة " أكثر مما نتخيل " . كأنها كانت صاحبة نبوءة .
" يا الله قديش تخيلت هالحرب قبل هيك . تخيلت أن غزة هي الأضحية التي تقدم في سبيل صحوة الأمة " لكنها بحياتها لم تتخيل أن " الأضحية تنذبح والأمة ما تصحى " وأكثر من ذلك أنها بحياتها " ما تخيلت أنه ما في أمة أصلا " .
وقد تنبأت برحيلها في الثالث عشر من أكتوبر ، فحين سمعت ان وزير الاتصالات الإسرائيلي قرر وقف الإنترنت عن شركات غزة أبدت قلقها من أن كتابتها ونقلها الصورة قد يكون الأخير ، ولذا خاطبت قراءها :
" تذكروا ، انقلوا عنا للأجيال القادمة القصة الحقيقية " وطلبت منا أن ندعو لهم .
هل نقول ، ونحن نشاهد ما يجري في غزة في هذه الأيام ، إنها نجت مبكرا .
في الأيام الثلاثة الأخيرة جنت الدولة الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط ، ولم يحرك أحد سابقا ، وحتى الذين خاطبوا السماء يئسوا !
غزة تجوع . غزة تباد . غزة تسوى مبانيها بالأرض . غزة تنزح للمرة العشرين وربما أكثر !!
١٧ / ٥ / ٢٠٢٥
٥
شوارع نابلس اليوم :
العيد يبدو واضحا في نابلس . عطلة الإسراء والمعراج ، والجامعة مغلقة ، والناس قليلون ." الكثرة نتن " يقول الناس .
غير أن اللافت أن البسطات قلت وتراجع حيزها ، واصحابها غاضبون من السيد رئيس البلدية ، ولو كنت صاحب بسطة لربما لعنت سنسفيل المسؤول . التجار اصحاب المحلات مسرورون لأنهم سيبيعون وسيربحون ، وزبائن البسطات غاضبون ، فالأسعار سترتفع .
ما علينا !
قلت :
- حسنا فعل رئيس البلدية ، فقد غدا المرء يسير في الشوارع دون مضايقات ، علما ان نابلس ليست طوكيو أو نيويورك .
تذكرت مخيمات اللاجئين ودافعت عن قرار رئيس البلدية .أحيانا أكون برجوازيا لا بروليتاريا ، وأصحاب البسطات قد يشتمونني لهذا ، وقد يطلبون مني ايجاد فرص عمل لأصحاب البسطات . في المخيم أنت ، اليوم ، لا تستطيع أن تسير في زقاقه بيسهولة . الزقاق أشبه بأنبوب مجاري ؛ضيق جدا ، والسبب ؟
أهالي المخيم تكاثروا ما بين 1948 و 2000 وحتى الآن ، وبدأت الحكاية بالتوسع من هذا المواطن أو ذاك ، وكل يريد غرفة جديدة للعريس ، فالعائلة تكبر والأرض تضيق و...
إلام آلت المخيمات ؟زوروها وانظروا أحوالها ، والمدينة ببسطات أصحابها الكثر يحولون المدينة إلى مخيم يصعب التنقل بين شوارعه .
هل نقطع ارزاق الناس ؟ ومع من أنت ؟ هل أنت مع رئيس البلدية في قراره أم مع أصحاب البسطات والمحلات التي كانت لها بسطات ؟
المهم شوارع نابلس اليوم كانت تبعث على الراحة ، وكان الله في عون الفقراء والعاطلين عن العمل ، والأمور مربكة ومعقدة وليست سهلة .
٢٠١٥
٦
الرد على الشتيمة بشتيمة :
سألني زميلي عن الروائي يحيى يخلف من يكون ؟
وللأمانة فقد كنت أدرس قصته " تلك المرأة الوردة " لسنوات ، وكنت اسأل الطلاب إن كانوا قرؤوا له شيئا ، وكانوا لا يعرفونه إطلاقا ، حتى عندما غدا وزيرا ، وكنت أعرف الطلاب به وبنتاجه .
وطلب مني زميلي أن أرد عليه فالله تعالى قال ( لايحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ، وكان الله سميعا عليما ) وزميلي متدين .
قلت له :
- إنما أرد عليه بمقالات نقدية فقط .
وسألني زميلي :
- لا تريد أن ترد عن عجز؟
فأجبته :
- لا ، وذكرته بشخص عين بالواسطة وشتمني أيضا ولم أرد .
وقلت لزميلي :
- كان اميل حبيبي يقول إن الشتيمة تعبر عن غيرة أو هي صفات الشاتم ، ولن أنجر إلى معركة شتائم .
على صفحات الفيس بوك قرأت ردودا على كلام الروائي من زكي درويش وبشير عباسي وعز الدين التميمي ، وأما أنا فتذكرت ما قاله يحيى ، ذات يوم ، عن د.فيصل دراج ، وتدكرت ما كتبه عن رشاد أبو شاور ورد الأخير عليه .
أنا أكتب نقدا واتكيء على مناهج نقدية في كتابتي ، و أكتفي بهذا ، وحين أتحدث عن شخص الكاتب فبمقدار ما تجيزه المناهج النقدية ، ولست بجاهل بها .
17 / 5 / 2016
٧
د.فيصل دراج ويحيى يخلف 11 :
كم في سارد يحيى يخلف من يحيى يخلف؟
ليس في " راكب الريح "ما يقول إن السارد هو غير المؤلف ؟ والسارد هنا هو المؤلف الضمني ، وكما ذكرت فإن هناك ما هو مشترك بين البطل يوسف والسارد وبالتالي يحيى . الثلاثة يريدون تجميل العالم وتزيينه .
يوسف من خلال حرفته والسارد ، ومن ورائه يحيى ، من خلال اللغة والبناء الفني . كأنما يريد كل واحد من هؤلاء تجميل العالم من خلال الفن ليس أكثر ، ولهذا يعجب يوسف بالحكيم ولا يعترض على مشروعه ، وإن اضطر إلى محاربة نابليون قرب قلقيلية وتم الانتصار عليه .
يشبه بطل الرواية بطل رواية " تفاح المجانين " وكان د.دراج لفت نظرنا إلى سمات ذلك البطل الخارقة . إنه بطل عملاق يريد تحطيم الجدران ، فهل اختلف يوسف عنه؟
ثمة قرين يسكن يوسف . إنه الجني الملازم له منذ طفولته المبكرة ، وهو في يافا ، ووحده ، بضربة ، وحده من هزم جنود الانكشارية وتصدى لهم ، وحين عاد ليحارب الفرنسيين عاد وهو يملك قوة عجيبة ، ففعل ما فعل وانتصر . إنه بطل أسطوري حقا .
والسؤال الذي أسأله للدكتور دراج هو
- أليست مهمة الروائي عقلنة العالم ؟ أليست مهمته مواجهة الواقع بالعقل ؟ هل حرر بطل تفاح المجانين جزءا من فلسطين فعاد يحيى إليه ، ام أن يحيى عاد وفق اتفاقات أوسلو ؟
حقا أين ذهبت البطولة الخارقة لبطل " تفاح المجانين "؟ وكيف قادنا يوسف إلى ما نحن عليه ؟
إن وظيفة الفنان هي عقلنة العالم ، ولهذا غالبا ما كنا نسخر من بطل جبرا وليد مسعود . إنه بطل من ورق ولا يمت إلى الواقع بصلة . وحين قال كنفاني للدكتور عباس إنه يكتب الواقع الفلسطيني كما هو ، فإنه كان أكثر اقناعا من جبرا ، ومثله اميل في متشائله . أبطال كنفاني وحبيبي أكثر اقناعا من أبطال جبرا ويخلف ، ولعل د.دراج يتفق معي في هذا .
ومرة أخرى أذكر د.دراج بعنوان دراسته عن رسائل درويش والقاسم " البلاغة المنتصرة في الواقع المهزوم " .
17/5/2016
٨
طلاب الدراسات العليا :
طلاب الدراسات العليا في قسم اللغة العربية يعانون من ضعف لغوي . طبعا ليس جميعهم ، فهناك طلاب جيدون .
كانت الدراسات العليا في قسم اللغة العربية في الجامعات العربية تقبل من هم برتبة جيد جدا فأعلى ، ولذلك كان التدريس معقولا ومقبولا .
في أيامنا هذه تقبل الجامعات من هم بتقدير مقبول ، وفي جامعات مثل الجامعة الأردنية هناك التعليم الموازي و......
كثير من هؤلاء الطلاب يدفعون أقساطا هي لهم مرتفعة .
ماذا سيفعل الأستاذ الذي يرى أن 70 0/0 من هؤلاء الطلاب مستواهم متدن ؟
مشكلة الطلاب متعددة ومنها عدم التفرغ وعدم المطالعة الخارجية وعدم إتقان الكتابة ، وهكذا تتجمع لديهم العجلة والتسرع وعدم التأني والافتقار إلى روح الباحث وعدم إتقان حرفة الكتابة .
ستسألونني السؤال الآتي :
- هل ولدت مكتملا؟
لقد كنت متفرغا في مرحلتي الماجستير والدكتوراه وكان تقديري في البكالوريوس جيد جدا وقرأت عشرات الكتب الخارجية يوم كنت طالب بكالوريوس وأنفقت أربع سنوات ، قبل الالتحاق بالماجستير أقرأ وأكتب وأنشر ، ومشكلتي الوحيدة في ألمانيا كانت في أنني درست بلغة تعلمتها على كبر ، ومع ذلك تحدثت في امتحاني ( بامبرغ ) و ( بون ) بلغة أفصحت فيها عن أفكاري ولا أزعم أنني ، لغة ألمانية ، كنت مثل (غوتة ) .
17 /5 /2017
٩
50 عاما على حرب حزيران:
في الدوحة في قطر مؤتمر يفتتحه المفكر العربي عزمي بشارة بمحاضرة ، والمناسبة 50 عاما على حرب حزيران.
تذكرت رواية غسان كنفاني " أم سعد" وما قالته للراوي: " بدأت الحرب يا ابن العم بالاذاعة وانتهت بالإذاعة ".
هذه المرة فإن بث أخبار الإذاعة من قطر لا من صوت العرب ، والمذيع هو المفكر العربي لا أحمد سعيد.
أصبحت العودة إلى يافا قريبة.
2017 /5 /17
١٠
في حيفا 6 :
في حيفا تتذكر أول كتاب قرأته عن معارك 1948 بين سكانها الفلسطينيين والعصابات الصهيونية التي انتصرت فطردت الأولين .
في حيفا تتذكر المحامي توفيق معمر الذي يعد من أوائل كتاب حيفا بعد 1948. وكان معمر أصدر مجموعة قصصية تحفل بأحكام صهيونية قراقوشية عنوانها "المتسلل وقصص أخرى " 1957 ، ورواية (؟) عنوانها "حيفا في المعركة:أو مذكرات لاجيء ".
هل تأثر الكاتب وهو يكتب روايته بالأجواء السائدة في حينه؟
يكتب معمر عن ضابط انجليزي أثار الفتنة بين الفلسطينيين واليهود ،فقد كان يؤلب هذا الطرف على ذاك ويمد ذاك بمعلومات عن الآخر وهذه الفكرة راجت لدى بعض كتاب فلسطين الباقين.
وفي حيفا تتذكر كتاب (ايلان بابيه )" التطهير العرقي " وما ورد فيه عمن بقي من سكان المدينة فيها.
رغب (بن غوريون )في طرد العرب كلهم ولكن ضابطه أوضح له تبعات ذلك :"إن طردناهم فلن نجد من ينظف ويخبز ويقوم بالأعمال الحقيرة (؟)". وتتذكر ما ورد عن العمال العرب في رواية اميل حبيبي "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس.." والأعمال التي قاموا بها.
وستعرف أن كتابي معمر أعيد إصدارهما وتتمنى لو تحصل على نسخة منهما لا لقيمتهما الأدبية ،فهذه غير متوفرة ،ولكن لقيمتهما التاريخية.
في حيفا تتذكر مكاتب "الاتحاد "و"الجديد" وفرح الحصول عليهما ؛الفرح المشوب بالخوف من الاعتقال ودفع الغرامة.
و أنت، في حيفا ، مثل سارد "اخطية" ، يلم بك حنين إلى حيفا في حيفا .
17/ 5 /2018
١١
هل النقد الأدبي يحتضر ؟
هل النقد الأدبي يساعد على تسويق النتاج الأدبي ؟
ماذا تقول تجربتي الشخصية في هذا الشأن ؟
وهل السؤال الذي يثار أحيانا صحيح :
- هل النقد ضرورة ؟
- لماذا تهدى الإصدارات للنقاد؟
- لماذا تواصل دور النشر نشر الدراسات النقدية ؟
- لماذا تنفد من الأسواق بعض طبعات الكتب النقدية؟
- هل يمكن وضع الكتابات النقدية كلها في سلة واحدة ؟
إنني أفكر في إجابات من تجربتي لهذه الأسئلة وأسئلة أخرى غيرها .
17 آيار 2019
١٢
الرغيف الطاهر والعرق الزاكي والنكبة التي لا تنتهي
عادل الاسطة
صباح الأربعاء الماضي ركبت الحافلة مع " أبو صقر " ، و " أبو صقر " شاب من سالم إحدى قرى نابلس عرفته منذ سنوات وأنا أصعد معه بين فترة وأخرى في سيارته العمومي ، وغالبا ما يدور حديث بيننا ينتهي بوصولي إلى المدينة أو مساء بوصولي إلى بيتي .
لم أكن أعرف من " أبو صقر " الكثير عن حياته ، فجل ما أعرفه لا يزيد عن حبه متابعة المباريات الرياضية بين " ريال مدريد " و " برشلونة " ، ومرة حدثني عن أبنائه وعن طفله المنغولي تقريبا .
صباح الأربعاء كان فاتحة الحديث بيننا الأطفال الذين يسيرون في الشارع ويتنطنطون أمام الحافلات ، ما جعل " أبو صقر " يتذكر طفولته ليقارن بين جيل اليوم وجيل الأمس .
عرفت من " أبو صقر " أنه ابن شهيد وأخ شهيد ، وسرعان ما خطر ببالي سطر شعري لمحمود درويش ورد في ديوانه " حالة حصار " 2003 نصه :
"الشهيدة بنت الشهيدة بنت الشهيد وأخت الشهيد وأخت الشهيدة كنة أم الشهيد حفيدة جد شهيد وجارة عم الشهيد ( الخ..الخ ) .." وقلت : لعل الشاعر عرف بقصة " أبو صقر " .
عرفت من " أبو صقر " أن أباه استشهد في الانتفاضة الأولى في العام 1991 ، وأن أخاه استشهد في الانتفاضة الثانية . حدثني كيف استشهد والده وأخوه . وقص علي أنه وإخوته درسوا في مدارس الأيتام في القدس .
روى لي أن أباه كان سائقا في بلدية نابلس ، وأنه ذهب ضحية جنديين طلب كل واحد منهما منه طلبا يختلف عن طلب الآخر ، فاحتار أبوه طلب من منهما ينفذ ؛ أطاع جنديا وعصى آخر فأطلق الثاني النار عليه وأرداه قتيلا ، وأما أخوه ابن السادسة والعشرين ربيعا فكان في طريقه إلى العمل في فلسطين 1948 ، وكان يدخل إليها دون تصريح عمل ، وغالبا ما كان هو وزملاؤه يطاردون في الطرق ، ومرة أطلق الجنود عليه النار فأردوه قتيلا .
حكاية " أبو صقر " ظلت عالقة في ذهني وأثارت في ذهني تداعيات عن مأساة العمال الذاهبين إلى الداخل ؛ عمال مخيم عسكر القديم ، والعمال الذين قرأت عنهم في نصوصنا الأدبية وظلت حكاياتهم عالقة في ذاكرتي .
لا أملك إحصائية لعدد عمال مخيم عسكر في فلسطين 1948 ، ولا أملك أيضا إحصائية ثانية لعدد الذين ماتوا منهم في أثناء عملهم أو في أثناء طريقهم إلى أماكن عملهم ، غير أنني أتذكر جيدا صدى شيوع خبر عن موت عامل أو أكثر هناك أو في أثناء طريقه إلى هناك تحديدا . أجواء مأساوية وحزن عميق يلف المخيم وسكانه ، وجنازات ذات حضور غفير وبيوت عزاء تشهد أن الأمر فاجع ومفجع . ولعل دراسة لظاهرة موت العمال الفلسطينيين في فلسطين تستحق أن تنجز ، إن لم تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة ، فعلى الأقل في بيئة مكانية محددة ، ويكفي أن أشير إلى أن قتل ثمانية عمال من غزة في عيون قارة هو ما فجر انتفاضة العام 1987 .
والآن ماذا عن العمال في النصوص الأدبية الفلسطينية ؟
قبل العام 1948 اقترب الشاعر عبد الرحيم محمود من التيار اليساري الفلسطيني وتأثر بافكاره فكتب قصائد يمدح فيها الطبقة العاملة ويصور معاناتها وغربتها وقسوة حياتها ، وتعد قصيدة " الحمال الميت " التي أتى فيها على مأساة حمال في مدينة حيفا ملقى على قارعة الطريق دون أن يلتفت إليه أحد من أفضل ما كتب . يقول الشاعر :
" قد عشت في الناس غريبا /
وها قد مت بين الناس موت الغريب /
والناس - مذ كانوا - ذوو قسوة /
وليس للبائس فيهم نصيب/
رغيفك الطاهر قد غمسته/
من عرق زاك ودمع صبيب
"
بعد العام 1948 كتب المحامي توفيق معمر قصصا قصيرة عن العمال العرب الفلاحين الذين كان أصحاب العمل اليهود يستغلونهم ويسلبونهم حقوقهم .
مثل معمر الشاعر توفيق زياد الذي كتب قصائد وقف في قسم منها مع العمال العرب واليهود المضربين في مصنع " آتا " وفي قسم مع العمال العرب الذين تفرض عليهم ممارسة المهن الحقيرة لعلهم يتركون أرضهم ويرحلون ، وهذا ما يبدو في قصيدته "هنا باقون " .
تصوير معاناة العمال بدا في رواية اميل حبيبي " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " 1974 يدحض الكاتب المزاعم الصهيونية التي تقوم على أساس أن فلسطين كانت تحت العرب صحراء قاحلة وأن إصلاحها قام به اليهود .
يرى حبيبي أن الزراعة وشق الطرق وقيام المباني إنما أنجزه العمال الفلسطينيون من فلسطين 1948 وغزة والضفة الغربية ، هؤلاء الذين يعملون في ظروف قاسية جدا " ورأيتهم في المغيب ،يحشرون في سيارات النقل العتيقة ، كما حشروا ، في يومهم ، صناديق البطاطا ، وكوموا الشمندر في سيارات أحدث من السيارات التي ينقلون فيها ، عائدين إلى مدنهم وقراهم ، إلا الذين غض السيد المقاول الطرف عنهم ليبيتوا ليلتهم في بناء لم يتمموا بناءه ، يتسترون بالطوب من الطارقين : برد ما قبل الفجر ، ودهمة الشرطة ما قبل الفجر " .
معاناة العمال ظلت موضوعا يخوض فيه الكتاب ، فإثر حرب حزيران 1967 احتاجت المصانع الإسرائيلية أيدي عاملة ، فبحثت عنها في الضفة الغربية أولا ثم في قطاع غزة ثانيا ، ولم يستسغ بعض الفلسطينيين أن يعمل العمال في مصانع المحتلين ، ولم يقتصر الأمر على المجادلة ، فقد تصدى الرافضون للفكرة للعمال وعملوا على إعاقتهم ولو بالقوة ، وهذا ما صورته سحر خليفة في روايتيها "الصبار " و "عباد الشمس " وغريب عسقلاني في قصته " الجوع " ،ولسوف يواصل كتاب آخرون الكتابة في الموضوع نفسه .
في أثناء الانتفاضتين الأولى والثانية 87 و2000 أصبح دخول فلسطين 1948 صعبا ومعقدا بسبب الإجراءات الإسرائيلية ، ما جعل عمالا كثيرين يغامرون ويدخلون إلى الداخل الفلسطيني بلا تصاريح إسرائيلية ، ما عرضهم للملاحقة والسجن والرصاص ، هذه المعاناة دفعت بالكاتبة سعاد العامري إلى المغامرة والقيام بالتسلل مع العمال إلى أماكن عملهم لتنجز كتابها " مراد " الذي يصف رحلة البحث عن عمل لا من خلال الإصغاء إلى العمال وحسب ، بل من خلال عيش التجربة التي قد تكلفها حياتها .
هل غطيت في هذه المقالة كل ما كتب في الموضوع ؟
هناك أشعار لسميح القاسم أشاد فيها بالأول من آيار ، وقصص قصيرة لأكرم هنية صور فيها معاناة عمال القدس ، وهناك شهادات لأحمد رفيق عوض عن تجربته الشخصية في المطاعم الإسرائيلية ، وهناك عامل من جنين يقيم في حيفا هو محمد عارف مساد وقد كتب نصا طريفا على صفحته يصور فيها عمله مع الإسرائيليين و..و.. و أعتقد أن الموضوع يستحق ان يتابع .
لعله من المجدي أن أكرر بيت عبد الرحيم محمود :
"رغيفك الطاهر قد غمسته /
من عرق زاك ودمع صبيب " .
وإن أنس فلا أنسى تجربة أبي سائقا في باصات شركة ( ايغد ) الإسرائيلية وعمله ليلا حتى يعيد العمال في الثانية فجرا من مصانع تعليب البرتقال في العفولة ، ولقد عشت شخصيا معه هذه التجربة .
.
الجمعة 17 والسبت 18 آيار 2019
١٣
الست كورونا : " وقفة عز ، ووقفة نذالة " ٨٦ :
الحياة بدأت تقريبا تعود إلى طبيعتها ، ولولا أن السائق غير مجرى سيره وشرح لي السبب لما شاهدت اليوم في المدينة ما يذكر بالست كورونا والحجر الصحي .
لم يختر السائق اليسار وواصل السير بالطريق المستقيم ، وهكذا لم نمر بمقر البنك الوطني ، وقد أعفاني السائق من السؤال حين برر سلوكه متحدثا عن الأزمة وسببها .
أكثر من خمسمائة مواطن كانوا يقفون ، أمام البنك وفي الشارع العام ، ينتظرون دورهم للحصول على مساعدة من صندوق " وقفة عز " الذي أسس لدعم من تضرروا من العمال بسبب الحجر الصحي ، ولم يكن الأمر مختلفا أمام مبنى بنك فلسطين .
السائق قال لي إنه فحص عن اسمه الكترونيا فلم يعثر عليه ، ولما كنت أعرف أنه موظف فقد أخبرته عن السبب :
- ما دمت موظفا وتأخذ راتبا شهريا فلن تحصل على مساعدة من الصندوق .
الخبر المتداول اليوم ، في الضفة الغربية ، على ألسنة المواطنين ، وفي وسائل التواصل الاجتماعي ، كان محوره كلام الوزير عن طبيب راتبه سبعة آلاف شيكل تقدم للحصول على مساعدة من صندوق " وقفة عز " - رحم الله أبي فقد طلب مني ، وأنا أستاذ جامعي ، أن أسجل ، في نهاية الانتفاضة الأولى ، اسمي للحصول على مبلغ رمزي من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ، فابتسمت وأعطيته " كرت المؤن " الخاص بي وقلت له :
- إن حصلت على المبلغ فهو لك ، وأنا لا أريد . ولا أعرف ما ألم بكرت المؤن وأغلب الظن أنه سرق من شقتي - .
نحن ، الفلسطينيين ، فينا من الأمراض الاجتماعية والنفسية ما فينا ، ففي العام ١٩٤٨ سجل كثيرون ، من سكان مدن الضفة الغربية وقراها ، أنفسهم مع اللاجئين ليحصلوا على معونات من وكالة الغوث ، ف " اللي ببلاش كثر منه " و " مكسب من العرصات " و" شعره من طيز خنزير بركة " و " الكل سجل فلماذا لا أسجل " و " إن لم تأخذه يأخذه غيرك " و " المساعدات للكل " و ...
وفي رواية عارف الحسيني " كافر سبت " ظلت عبارة " والحقيقة أن النذالة لا دين لها .... " تلح على ذهني ، فالنذالة قد تجد في ظروف مثل ظروف الكورونا مرتعا خصبا حيث الاستغلال واقتناص الفرص وموت الضمير والجشع وارتفاع أسعار المواد المعقمة والكمامات وإلى آخره إلى آخره .
واليوم كنا ننتظر ما سيعلنه رئيس الوزراء عما ستقرره الوزارة في الأسبوع الأخير من رمضان بخصوص الحجر الصحي .
العيد على الأبواب وأطرف شريط فيديو شاهدته كان لعضو كنيست إسرائيلي يرد فيه على أسئلة صحافي عربي حول الكورونا ، وكان يتحدث بالعربية ، ووجهة نظره أن الكورونا في إسرائيل لعبة سياسية بين رئيس الوزراء والسيد ( غانس؟) لتشكيل الحكومة ، فالكورونا مثل " الايبولا " موجودة في بلدان محددة وهي غير موجودة في اليونان وإسرائيل ومصر . إنها كذبة ويجب ألا تتعطل الحياة في الدولة ، تماما كما لم تتعطل الحياة عندما كان " الايبولا " منتشرا في افريقيا .
اليوم انشغلت بقصتين قرأتهما في كتاب معين بسيسو " دفاتر فلسطينية " هما
- تحول من تحسن إليه إلى جاسوس ومخبر يتعقب أخبارك .
- اختطاف القوات الإسرائيلية الشيوعي علي عاشور من غزة في إحدى غاراتها على القطاع وإعادته إلى حيفا ، وفي حيفا أطلق سراحه وصار كاتبا في جريدة الحزب الشيوعي الإسرائيلي ( راكاح ) .
في أزمنة الاحتلال والكورونا والفقر والجهل والهزيمة تتراجع القيم الأخلاقية وتصبح الفضيلة الأولى هي أن نبقى على قيد الحياة حتى لو تجسسنا على بعضنا .
يكتب معين بسيسو إن العائلة اللاجئة التي وقف هو وأسرته إلى جانبها ، فأطعموها وأووها ، كان ربها قد تحول إلى مخبر قاد قوات المباحث إلى بيت معين لاعتقاله .
" والحقيقة أن النذالة لا دين لها " ، وما حدث مع معين يحدث الآن أيضا .
١٧ / ٥ / ٢٠٢٠ .
١٤
معين بسيسو والمخبرين :
عن المخبرين ممن تحسن إليهم :
من " دفاتر فلسطينية " :
" إلى جوار بيتنا في الرمال ، صحونا ذات يوم ، وكانت عائلة قد لجأت إلى شجرة توت ، كانوا جيرانا بيتهم شجرة . وأقمت لهم بيتا من البطاطين . اكتفت أمي بلحاف واحد لنا وقدمت كل البطاطين وبعض الطناجر والصحون ، وقسمت بيديها كل ما كنا نملك من التموين بيننا وبين تلك العائلة المهاجرة - عائلة أبو نحل - كانت عائلة أبو نحل تتألف من أخوين متزوجين وأولادهما .
وأصبحنا عائلة واحدة ، وقبيل انتفاضة مارس بأيام ، كان - أبو نحل - قد كلف بمراقبتي ، فلقد أصبح شرطيا في المباحث ... ؟
أريد أن أقول إنه حينما يتحول أحدهم إلى شرطي مباحث أو مخابرات فهو على استعداد لكي يحلب ثدي أمه ويقدم حليبه كأس عرق "
ورفضت أم معين أن تقدم القهوة للذين جاؤوا ليعتقلوا أولادها ونظرت إلى " أبو نحل شرطي المباحث الذي كان يريد أن يختبيء من عينيها وراء أي شيء وصاحت :
- جئت تعتقله .. لماذا ؟؟ لقد كان يدافع عن أطفالك .. لم يبق إلا أن يسلخ جلده ويقدمه لك لحافا " .
في زمن الكورونا إن تم اللقاح فلا حاجة ل أبو نحل ولا لأحد من العرصات ، فالشريحة التي بحجم حبة الأرز التي سنلقح بها ستجعل كثيرين ممن يعملون في أجهزة المخابرات كلابا يجب أن يتخلص منها ، وأعتقد أن المخابرات لن تتخلص من الكلاب العادية فهي بحاجة إليها لتخيف الأفراد ، ولكن الكلاب البشرية ستصبح عالة عليها .
٢٠٢٠
١٥
ذاكرة أمس ٦٢ :
الصورة في كل مكان
أمس كان اليوم الرابع والأخير من أيام عيد الفطر ، وكنا نسميه ونحن صغار " حمار العيد " ، ولا أعرف سبب التسمية . هل كنا نحتال على أنفسنا ونمدد الأيام التي كنا نحزن لانقضاء كل يوم من أيامها ؟
كان للعيد بهجة حقيقية ، ما أظن أن جيل هذه الأيام يشعر بها . كان العيد يعني الذهاب إلى المدينة ومشاهدة أفلام السينما والذهاب إلى المراجيح وركوب الدراجات الهوائية والعودة مساء إلى البيت بفرح ممزوج بالأسى ؛ فرح لما أنفقنا اليوم فيه وأسى بحزن شفيف لانتهاء يوم علينا أن ننتظر عاما من أجل أن يعود .
لقد اختفت دور السينما واختفت المراجيح وفقدت الدراجات الهوائية بهجتها والشعور بمتعة ركوبها و ... .
في الأيام الثلاثة الأولى للعيد لم أغادر شقتي إلا مرة واحدة بناء على إصرار أبناء أخي أن آخذهم مشوارا لأشتري لهم الكوكتيل أو البوظة ، وفي اليوم الرابع ؛ في حمار العيد ، ذهبت إلى المدينة التي بدت الحركة فيها ظهرا ومغربا باهتة خفيفة ، فالحزن يخيم والأنظار والعقول نحو غزة وأهلها .
كانت صور أطفال غزة أمس ؛ الجرحى والشهداء والناجين وفاقدي البيوت والأهل والألعاب والمراجيح والدراجات الهوائية ، كانت صورهم تلازمنا في وسائل التواصل الاجتماعي وعلى شاشات الفضائيات ، وما أكثرها !
الصور في كل مكان ، وفي كل مكان صور القتلة والمستوطنين أيضا وصور بنايات غزة التي سويت بالأرض . صحيح أن ثمة صورا بدت أيضا لتل أبيب غايرت صورها المألوفة قبل بداية الحرب ، ولكن الدمار فيها لا يذكر قياسا لدمار غزة .
هل هذا هو ما حلم به الأب المؤسس للصهيونية ( ثيودور هرتسل ) ؟
بدأت الحكاية في الشيخ جراح وفي اقتحام الأقصى . يريدون بناء هيكلهم مكان المسجد ويريدون إخراج سكان الحي من بيوتهم ، بحجة وجود هيكلهم وحجة شراء البيوت في الحي .
أمس عقبت على مقال للكاتبة العراقية Wardia Shamass قائلا إن ٩٥ بالمائة من اللاجئين الفلسطينيين في العام ١٩٤٨ طردوا من مدنهم وقراهم طردا وما زالت كواشين بيوتهم معهم . وأمس أرسل إلي الصديق الدكتور Abdallah Abu Eid Abdallah شريط فيديو قديم عما يعلمه اليهود المتدينون الصهيونيون لأطفالهم ، عن القدس والأقصى والعرب والهيكل ، في مدارسهم .
يعلم اليهود المتدينون الصهيونيون أطفالهم بأن الأقصى يجب أن يهدم ليقام الهيكل مكانه ، ويعلمونهم أن العرب يجب أن يذبحوا أو أن يكونوا عبيدا لليهود و ... .
كانت صور الدمار أمس ، وصور الأطفال الناجين الفاقدين عائلاتهم أو الأطفال الموتى ، كانت تملأ الشاشات ، وكانت صور " أبو يائير " ؛ غاضبا وحزينا وقلقا ، وعلى الجبهة ينظر إلى ما فعلته طائراته بالمدينة ، كانت صوره أيضا في كل مكان .
هل تذكرت الشاعر الروسي ( ماياكوفسكي ) :
" الصورة في كل مكان
وأما الفلاحة فقد استلقت في الوحل " .
أمس وأنا أشاهد ما آلت إليه غزة تذكرت ما آلت إليه مدينة ( درسدن ) الألمانية في نهاية الحرب العالمية الثانية .
١٧ أيار ٢٠٢١ .
١٦
القاهر والظافر اللذان تأخرا ٥٤ عاما :
في أيار من العام ١٩٦٧ كانت أنظار العرب تتطلع إلى صواريخ جمال عبد الناصر المسماة بالظافر والقاهر والناصر ، وكانت أنظار اللاجئين تتطلع إلى العودة إلى ديارهم ، وعندما خسرنا الحرب صارت الصواريخ والقيادة المصرية موضع سخرية وتندر من أطراف كثيرة منها " العم حمدان " اليهودي المصري صاحب برنامج " العم حمدان " الذي كان يبدأ حديثه بعبارة " إخواني يا ولد مصر الطيبين ، عمكم حمدان عاوز يحدثكم .. " الخ .
ما كنا نظنه واقعا صرنا بعد الهزيمة مباشرة ولسنوات نراه خيالا ، وما قبع في ذاكرتنا على أنه خيال صار حقيقة .
" الواقعي هو الخيالي الأكيد والخيالي هو الواقعي " .
هل تخيل سكان تل أبيب ذات يوم ما عاشوه في الأسبوع الأخير ؟
من يدري فقد يعود أحفادنا ذات يوم إلى يافا وحيفا وعكا و ... وقد يتحقق حلم ياسر عرفات المتمثل بأن ترفع زهرة فلسطينية العلم الفلسطيني على أسوار القدس والأقصى والصخرة . قد ... .
المهم ألا تختلف فتح وحماس على العلم ؛ شكله ولونه ، والمهم ألا تنسب بعض الفصائل التي لم يبق منها سوى هياكل عملية التحرير لها .
١٧
إميل حبيبي ...ثالثة ورابعة : إشكالية الفهم ... إشكالية الترجمة
مرت في هذا الشهر ذكرى وفاة إميل حبيبي فحضر في ذهني غير مرة ، وأسهمت كتاباتي في الفيس بوك ،وتذكيره لي بها ، في الاستحضار ، ففي أيار من أعوام سابقة كنت خربشت طالبا من المهتمين بالكاتب والملمين بالعبرية أن يعلموني كيف ترجم انطون شماس عبارة إميل في " المتشائل " :" كنت أحسبك حمارا فإذا أنت أحمر " ، ولما لم يجبني أحد كتبت إلى الشاعرة سهام داوود أطلب منها المساعدة فلم تتوان في تقديمها ، وأنفقت وقتا تبحث فيه حتى عثرت على المطلوب وأرسلته إلي .
كان شماس ، حسب فهم سهام مع أنها قالت إن هناك دقة في الكتابة قد تخفى على من عبريته " على قده " ، كان ترجم العبارة كالآتي " كنت أحسبك حمارا فإذا أنت أشد حمرنة " ، وهي تختلف عن الترجمة الإنجليزية " فإذا أنت شيوعي " والترجمة الألمانية التي جمعت بين الترجمتين ؛ ترجمة شماس وترجمة سلمى الخضراءالجيوسي . ( حول ذلك أنظر كتابي " في مرآة الآخر : استقبال الأدب الفلسطيني في ألمانية " : إميل حبيبي ، صعوبة الترجمة ٢٠٠٠ ) .
تتنافى ترجمة انطون ، حسب الفهم السابق ، وروح شخصية بطل الرواية الذي يتغابى ويتظاهر بالجهل ، وتتنافى وقواعد شروط اشتقاق اسم التفضيل في علم الصرف العربي التي منها قابلية الاسم للتفاوت . وهناك فرق بين الغبي والمتغابي والمريض والمتمارض والذكي والمتذاكي والفصيح والمتفاصح والجاهل والمتظاهر بالجهل والأبله والمتباله ، وقد أعادني ذلك إلى سلسلة مقالات أنجزتها في الترجمة يخص جزء منها " المتشائل " والعبارة المذكورة . ولما فضلت أن أعرف من قراء عرب آخرين يعرفون العبرية معنى عبارة " أدوم حمور " التي استخدمها شماس فقد سألت آخرين ، فقال لي قسم مثل المحامي حسن عبادي ، إن المقصود هو " أشد حمرنة " - أي أحمر من حمار ، وقال آخرون ، مثل سهيل كيوان و د . نبيل طنوس و د.فياض هيبي ، إن المقصود هو " أحمر صعب خطير " . وإن كان المعنى الثاني ما فهمه شماس وقصده فلم يخطيء الترجمة ، وزاد الطين بلة أن كلمة " حمور " بالعبرية تعني حمار وتعني خطير وصعب ، حسب وضع النقطة فيها وهو ما شرحه لي د . طنوس . وهكذا لا يختلف القاريء العبري للعبارة عن القاريء العربي . هناك قراءتان ؛ الأولى أحمر من حمار أو أكبر حمار ، والثانية أحمر صعب أو احمر/ شيوعي لئيم ، ولا يلتفت إلى القراءة الثانية إلا قلة متخصصة ، في حين يذهب ذهن الكثرة إلى القراءة الأولى .
كنت مرة توقفت أمام مقال غسان كنفاني في كتاب " فارس فارس " عن المترجمين العرب " القدس بين ٣ مصائب: الاحتلال والتأليف والترجمة " وفيه أتى على مصيبة المترجمين العرب الذين ترجموا " جريكو " إلى " جرش " و " النقب " إلى " النجف " ، وكنت اقتبست من روايات حبيبي نفسه تحديه أن يترجم له شماس بعض العبارات العربية إلى العبرية ، فكتبت تحت عنوان " إميل حبيبي وصعوبة الترجمة " وأوردت تحدي حبيبي لشماس في " خرافية سرايا بنت الغول " :
" أجبته ما عدا إلا هذا الذي بدا . وما لم يبد ما عدا ولن يعود . وأتحدى انطون شماس أن يترجم هذا الطباق والجناس إلى لغة قريبة أو بعيدة وعلى رأسها لغة أكلوني البراغيث التي تغندرت بها لغتنا الصحفية " ( حبيبي ، سرايا ، ص ١٥١ ) .
ليس سبب الكتابة السابقة الرغبة في التكرار أبدا ، ففي العام الماضي قدمت عرضا لكتاب بشير أبو منة الذي ترجمه من الإنجليزية إلى العربية مصعب حتايلي وتوقفت أمام فقرة لم يفهمها المؤلف فهما صحيحا ، فنقلها إلى الإنجليزية بناء على فهمه الخاطيء ، لا حسب المعنى الذي تقوله الرواية . هذا كله ذكرني بعبارة ناقد عن " المتشائل " وصعوبة ترجمتها إلى اللغات الأخرى ، ذيلت بها منشورات صلاح الدين في القدس طبعتها في ١٩٧٤ ونص العبارة :
" إذا ما ترجم هذا الكتاب إلى لغة أخرى ( لو كان من الممكن أن تستوعبه لغة أخرى ) كان تحديا صعبا أمام الدعاية الإسرائيلية " .
في هامش ٣٠ من كتاب أبو منة ، في الفصل الخاص بحبيبي ( ص ١٩٤ من الترجمة العربية ) تبدو عدم دقة المؤلف في فهم فقرة من الفقرات ترد في الرواية في رسالة ( الدرس الأول في اللغة العبرية ) . يقول المؤلف فيها :
" ترى إشارة إلى قمع وكبت فلسطينيي ال ٤٨ في تلاعب إميل حبيبي باسم عمة سعيد في بداية الرواية ؛ فاسم عمته هو محصية ، لكن الجنود اليهود يلفظون اسمها مخصية ، فبعد تشريد سنة ١٩٤٨ وضمن جهود الدولة الإسرائيلية لمنع عودة اللاجئين ، قامت إسرائيل بإحصاء للسكان الفلسطينيين ، وكأن حبيبي يلمح إلى أن من تم إحصاؤه تم إخصاؤه . " وليس لسعيد عمة اسمها محصية ولا مخصية . سعيد هنا يزور أم سعد التي كانت تعمل في الكنيسة فلم تعرفه وظنت أنه من المخابرات الإسرائيلية يظنها متسللة ، فأرادت أن تثبت له أنها ليست كذلك وأنها محصية ولديها شهادة بذلك ، وكان هو يخاطبها بلفظ " يا خالة " .
مرة كتبت عما فعله الكاتب سلمان ناطور حين ترجم مقالة عن العبرية ورد فيها فقرة من " المتشائل " ولم يعد المترجم إلى الرواية لينقل منها النص بلغته الأصلية . لقد ترجم المترجم . لقد قرأت ترجمة لا تمت للمتشائل لغة وأسلوبا بصلة . إنها ترجمة الترجمة وفيها يغدو النص عالما آخر مختلفا وقد شغلني هذا غير مرة .
لكي نفهم " المتشائل " لا بد من أن نقرأ ما ورد في الشعر العربي :
" ليس الغبي بسيد في قومه
لكن سيد قومه المتغابي "
وما قاله المعري :
" ولما رأيت الجهل في الناس فاشيا
تجاهلت حتى قيل إني جاهل
فواعجبا كم يدعي الفضل ناقص
وواعجبا كم يظهر النقص فاضل " .
كان أبو الفضل الاسكندري في المقامات يتعامى وما هو بأعمى ويتظاهر بالحمق وما هو بأحمق، ولا أتردد لحظة في القول إن سعيد المتشائل خرج من معطف التراث .
١٧ أيار ٢٠٢٢ .
١٨
فضول :
صرت متشوقا لقراءة رواية المحامي الأمريكي DEAN DILLEY " فتاة نابلس " Nablus Girl , التي أعلمني عنها الصديق Jameel Dababat جميل ضبابات .
من خلال الأسطر القليلة عن الرواية فإنها تأتي على فتاة من البلدة القديمة من نابلس تقيم في أبو ظبي تتسم بالذكاء جندت لصالح المخابرات في الحرب الأمريكية - الإيرانية ، وكان لها دور في اغتيال أحد عشر عالما إيرانيا .
أتمنى ممن قرأ الرواية أن يقدم لها ملخصا .
الرواية صدرت في العام الماضي .
١٩
غزة ( ٢٢٤ ) :
من تل الزعتر إلى جباليا ، ومن قبل ومن بعد
أنفقنا عمرنا نتابع نشرات الأخبار وآخر أخبار المعارك في جبهات القتال ، وأنفق الإسرائيليون أعمارهم في الدبابات والطائرات والخنادق وأقبية السجون أيضا يحققون مع الفلسطينيين يلاحقونهم ويقصون أثرهم ويفتخرون بإنجازات تشبه إنجازات من لاحقوهم في ألمانيا وفي معسكرات الإبادة وفي .. .
انتهت فترة الحكم النازي ولم تدم أكثر من ثلاثة عشر عاما وطالت فترة الاحتلال الإسرائيلي لستة وسبعين عاما ولما تنته و ... .
ببساطة فلقد لاحقنا الملاحقون قبلنا سبعة أضعاف ملاحقة النازيين لهم ولما ييأسوا .
ما زالت المعارك في غزة في عنفوانها ، وأمس وصباح اليوم وجدتني أردد مقاطع من قصيدة محمود درويش " أحمد الزعتر " :
" ... وله انحناءات الخريف
له وصايا البرتقال
له القصائد في النزيف
له تجاعيد الجبال
له الهتاف
له الزفاف
له المجلات الملونة
المراثي المطمئنة
ملصقات الحائط
العلم
التقدم
فرقة الإنشاد
مرسوم الحداد
وكل شيء كل شيء كل شيء
حين يعلن وجهه للذاهبين إلى ملامح وجهه
يا أحمد المجهول !
كيف سكنتنا عشرين عاما واختفيت
وظل وجهك غامضا مثل الظهيرة
يا أحمد السري مثل النار والغابات
أشهر وجهك الشعبي فينا
واقرأ وصيتك الأخيرة ؟ "
والسؤال نفسه :
هل قال شاعرنا الوطني قصيدته في مخيم تل الزعتر أم في مخيم جباليا وقطاع غزة ؟
أغلب الظن أن الإسرائيليين يزدادون حماقة والفلسطينيين يزدادون شراسة في الدفاع عن حقهم .
ما أراني أكتب إلا معادا مكرورا وأعدل في متون الآخرين وأضيف هامشا في سرد الحكاية .
صارت الحكاية مملة وكذلك الكتابة .
١٧ / ٥ / ٢٠٢٤
٢٠
١٧ أيار ٢٠٢٦