مقدمة
ربما لم يمرّ الفلسطينيون بلحظة يتداخل فيها هذا القدر من الألم والانكشاف والإمكان التاريخي معا كما يحدث اليوم.
فما يجري لم يعد مجرد جولة أخرى في صراع طويل، ولا أزمة سياسية عابرة يمكن احتواؤها بتسوية مؤقتة، أو إعادة ترتيب داخلية.
بل يبدو أقرب إلى لحظة تاريخية تنكشف فيها حدود مرحلة كاملة:
مرحلة الحركة الوطنية بصيغتها القديمة،
ومرحلة أوسلو بوصفها أفقا سياسيا،
ومرحلة السلطة بوصفها مركز النظام السياسي الفلسطيني،
وربما أيضا مرحلة التصورات التقليدية عن السياسة والتنظيم والتمثيل والتحرر نفسها.
يكمن أحد أخطر التحولات التي أصابت الحالة الفلسطينيةفي الانتقال غير المعلن من مشروع يسعى إلى تصويب اعوجاج التاريخ، إلى بنية منشغلة أساسا بتقليل الخسائر داخل تاريخ يصنعه الآخرون.
فالقضية اليوم ليست مجرد صراع مفتوح، بل اختبار لقدرة التاريخ نفسه على إعادة تعريف أدواته.
أولا: الانكشاف التاريخي ونهاية المرحلة القديمة
كشف “طوفان الأقصى” وما تلاه من موجة جديدة من الإبادة الجماعية التي ما تزال تتواصل للعام الثالث على التوالي في قطاع غزة ومخيمات الضفة الغربية، ليس فقط هشاشة المنظومة الإسرائيلية، وعموم منظومة الحداثة الغربية المادية وأزمتها البنيوية والأخلاقية، والعجز الاستراتيجي العربي.
بل أيضا الأعطاب الفلسطينية المؤجلة: أزمة التمثيل، تآكل المشروع الوطني، اتساع الفجوة بين المجتمع والبنى السياسية، وتحول أدوات العمل الوطني من أدوات تحرر إلى أدوات لإدارة أزمة ممتدة تحت الاحتلال.
تظهر التجارب التاريخية الكبرى أن الحركات الوطنية، مهما بلغت عظمتها، لا تعيش إلى الأبد بالأشكال نفسها التي وُلدت بها.
فالحركات التي تنشأ في لحظة تاريخية معينة، تحت شروطاجتماعية وسياسية وثقافية محددة، تصل غالبا إلى حدودها التاريخية.
بعضها ينهار دفعة واحدة،
وبعضها يتآكل ببطء،
وبعضها يتحول تدريجيا من مشروع تحرر إلى بنية تحاول الدفاع عن ذاتها وإدارة بقائها.
ما يتآكل هنا ليس تنظيما سياسيا فقط، بل شكل كامل من تصور السياسة بوصفها طريقا ثابتا للتحرر.
غير أن الشعوب الحية لا تبدأ من الصفر حين تنتهي المراحل الكبرى.
فالحركات الوطنية، حتى حين تفشل، أو تتصلب، أو تفقد قدرتها على التجدد الداخلي، تترك وراءها شيئا أعمق من التنظيم نفسه:
تترك ذاكرة، وخبرة، وأشكال وعي، وشبكات اجتماعية، وثقافة سياسية، وأسئلة جديدة أيضا.
ومن داخل هذا التراكم الطويل- بكل ما فيه من بطولات وخسارات وتناقضات -تبدأ عادة ولادة مرحلة جديدة لا تكون استمرارا بسيطا للماضي، ولا قطيعة كاملة معه.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الفلسطيني الحقيقي اليوم: هل تستطيع البنية السياسية الفلسطينية القائمة، وفي القلب منها حركة فتح، أن تعود كما كانت؟
بل: ماذا يمكن أن يولد من التجربة الفلسطينية الطويلة كلها؟
ثانيا: تحولات العالم وأزمة الأدوات الفلسطينية
يختلف العالم الذي يتشكل اليوم جذريا عن العالم الذي تأسست فيه الحركة الوطنية والفصائل الفلسطينية.
إنه عالم الشبكات المفتوحة، والفضاءات الرقمية، والفاعلين العابرين للدول والحدود، والتأثير الشعبي اللامركزي.
والصراعات الأخلاقية الكونية، وتراجع احتكار الدول للمعنى والتمثيل والرواية.
في السياسة المعاصرة، لم يعد السؤال هو من يملك القوة، بل من يملك القدرة على إعادة تعريف معنى الفعل السياسي نفسه.
لكن هذا التحول لا يخص العالم وحده.
زمن ما تزال فيه الأدوات القديمة حاضرة بقوة الذاكرة والشرعية التاريخية،
وزمن جديد تتغير فيه شروط السياسة والتحرر والعالم بسرعة هائلة.
ولهذا لم يعد السؤال فقط: كيف نحافظ على البنى القديمة؟
بل: هل تستطيع هذه البنى أن تنتج أفقا جديدا أصلا؟
لقد قامت الحركة الوطنية الفلسطينية الحديثة على تصورات كبرى تخص زمنها: مركزية التنظيم، والكفاح المسلح الكلاسيكي، والقيادة الهرمية، والتمثيل الموحد، والدولة الوطنية بوصفها الأفق النهائي للتحرر.
لكن العالم الذي يتشكل اليوم يختلف جذريا.
فالتحرر لا يتحقق فقط بعدالة القضية، بل بقدرة الشعوب أيضا على إعادة إنتاج نفسها تاريخيا.
أي: إعادة إنتاج أدواتها، وتمثيلها، ولغتها السياسية، وعلاقتها بالمجتمع، وبالعالم، وبفكرة الحرية نفسها.
أخطر ما يمكن أن يحدث لأي حركة تحرر ليس الهزيمة وحدها، بل أن تتحول ذاكرتها البطولية إلى عائق يمنعها من رؤية التحولات الجديدة.
وفي مثل هذه اللحظات، يزداد الميل إلى أحد اتجاهين متناقضين:
• إما التعلق المرضي بالماضي،
• أو الانجذاب إلى انفجارات غضب غير قادرة على التحول إلى مشروع تاريخي طويل النفس.
ولهذا فإن أي ولادة فلسطينية جديدة لن تنجح إذا بقيت محصورة داخل النخب التقليدية وحدها، أو داخل اللغة السياسية القديمة نفسها.
فالتحولات الكبرى في التاريخ لا يصنعها فقط “حراس المرحلة السابقة”، بل أجيال جديدة تدخل السياسة من زوايا مختلفة:
من المجتمع، ومن الجامعات، والنقابات، والشبكات الأهلية، ومن الثقافة، والتكنولوجيا، والاقتصاد، والفضاء العالمي، وحركات التضامن العابرة للحدود، ومن أشكال مقاومة لا تشبه دائما النماذج الكلاسيكية القديمة.
ثالثا: غزة والمفارقة الفلسطينية الجديدة
إحدى أهم نتائج الطوفان وحرب الإبادةالجماعية في قطاع غزة ومخيمات الضفة الغربية تظهر أن الفلسطيني عاد، رغم المأساة الهائلة، إلى إنتاج تأثير عالمي يتجاوز البنى الرسمية التقليدية.
ففي لحظة بدت فيها المؤسسات الفلسطينية الرسمية أكثر عجزا من أي وقت مضى، كانت فلسطين تعود إلى العالم عبر الناس، والصور، والرواية، والجامعات، والاحتجاجات العالمية، والفضاء الرقمي.
وهنا تظهر المفارقة الفلسطينية الأكثر قسوة:
فبينما يبدو الفلسطيني اليوم في واحدة من أكثر لحظاته ألما وانكشافا منذ النكبة،
تبدو إسرائيل نفسهافي الذكرى الثامنة والسبعين لإنشائهاأقل استقرارا ويقينا مما حاولت أن تظهر طوال عقود.
فالمشروع الصهيوني الذي بُني على فكرة: الملاذ الآمن لليهود، والجيش الذي لا يقهر، والتفوق، والديمقراطية،دخل بعد الطوفان في أزمة تتجاوز البعد الأمني المباشر.
لأن ما انكشف لم يكن فقط ثغرة عسكرية، بل حدود الفكرة نفسها.
المفارقة هنا ليست بين طرفين فقط، بل بين تاريخين يعملان في اتجاهين متعاكسين داخل اللحظة نفسها.
هل يمكن إنتاج استقرار دائم فوق اقتلاع شعب كامل؟
وهل تستطيع القوة العسكرية أن تحسم صراعا لم يُحل سياسيا وأخلاقيا وتاريخيا؟
فإسرائيل تبدو اليوم في حالة خوف وجودي متزايد: خوف ديمغرافي، وأخلاقي، وعزلة متصاعدة، وتآكل السردية المؤسسة نفسها.
وفي المقابل، يعيد الفلسطيني إنتاج حضوره عالميا خارج الأطر الرسمية، عبر الصور والرواية والاحتجاجات والفضاء الرقمي.
لكن هذا الحضور لا يعني امتلاك أدوات سياسية قادرة على تحويله إلى مشروع مستقر.
بل يفتح سؤالا جديدا: من يملك حق تعريف فلسطين القادمة؟
رابعا: السؤال الفلسطيني الجديد وما بعد المرحلة
في اللحظات التي يتراجع فيها العالم القديم، لا يكون المستقبل نتيجة طبيعية، بل خيارا تاريخيا محفوفا بالمخاطر.
الانتقال إلى أفق فلسطيني جديد لن يحدث تلقائيا.
فالمراحل التاريخية لا تنتهي لأن الناس قرروا ذلك، بل حين تصبح البنى القديمة عاجزة عن تفسير الواقع.
وهذا ما يجعل اللحظة الفلسطينية الحالية شديدة التعقيد:
القديم يتآكل، والجديد لم يولد بعد.
وفي مثل هذه اللحظات، يزداد الميل إلىالتشبث بالماضي، أو إلى الانفجار غير المنظم.
لكن المؤكد أن الفلسطينيين يقتربون من لحظة لا يمكن فيها تأجيل الأسئلة.
فإما أن تتحول الذاكرة إلى طاقة تأسيس، أو تتحول إلى حنين دائم.
وإما أن يصبح الألم بداية وعي جديد، أو نزيفا متكررا.
ولهذا تصبح المهمة ليست فقط استعادة المشروع الوطني، بل إعادة بنائه.
غير أن التاريخ لا يضمن النتائج.
فكما أن إسرائيل تعيش أزمة وجودية،
فإن الفلسطينيين يواجهون أيضا خطرا وجوديا: أن تتحول التضحيات إلى دائرة مغلقة من الألم دون تحول تاريخي.
ولهذا فإن السؤال المركزي اليوم ليس فقط: ماذا يعني التحرر في القرن الواحد والعشرين؟
بل: كيف يصبح التحرر مشروع حياة؟
• تفكيك الكيانالصهيونيالاستيطانيالإحلاليالعنصري؟
• عودة اللاجئين؟
• مساواة؟
• سيادة؟
• دولة؟
• أم إعادة بناء الإنسان الفلسطيني نفسه؟
لكن المؤكد أن الفلسطينيين يقتربون من لحظة لن يعود فيها ممكنا تأجيل هذه الأسئلة.
إن الإجابة لا تكمن في اختيار أحدها دون الآخر، بل في صياغة مشروع وطني مركب في أدواته،يبدأ أولا بإعادة بناء الإنسان الفلسطيني القادر، عبر تعزيز المناعة الجماعية الاقتصاديةوالاجتماعية، ومأسسة الحراك الشعبي، والشبكات الرقمية العالمية، وتحويلها من منصات للاحتجاج إلى أدوات للضغط السياسي والفكري.
وتمر هذه الإجابة حتما عبر تجاوز ثنائية (الدولة أو التحرر)، نحو طرح نموذج تحرري إنساني يتجاوز الحدود التقليدية، ويعيد تعريف "السيادة" ليس كحدود جغرافية محاصرة، بل كقدرة على الفعل والابتكار الاجتماعي والاقتصادي، وبناء جبهة أخلاقية عالمية تُفكك المنظومة الاستعماريةالاستيطانية العنصرية من الداخل ومن الخارج بالتزامن.
إن خارطة الطريق القادمة لا ترسمها النخب من غرف مغلقة، بل يصيغها هذا التلاحم اليومي بين الصمود المقاوم في الداخل، وقدرة الشتات على قيادة الرواية عالميا.
وفي النهاية، فإن التاريخ لا ينغلق.
بل يعيد إنتاج إمكانيات جديدة من داخل أكثر اللحظات ظلمة.
ولهذا، فإن اللحظة الفلسطينية الراهنة قد تكون أيضا لحظة خروج بطيء من الزمن القديم.
وعندهافقطيمكن القول إن الفلسطينيين لم ينجوا من المرحلة فحسب،
بل عبروا منها إلى ما بعدها.
ربما لم يمرّ الفلسطينيون بلحظة يتداخل فيها هذا القدر من الألم والانكشاف والإمكان التاريخي معا كما يحدث اليوم.
فما يجري لم يعد مجرد جولة أخرى في صراع طويل، ولا أزمة سياسية عابرة يمكن احتواؤها بتسوية مؤقتة، أو إعادة ترتيب داخلية.
بل يبدو أقرب إلى لحظة تاريخية تنكشف فيها حدود مرحلة كاملة:
مرحلة الحركة الوطنية بصيغتها القديمة،
ومرحلة أوسلو بوصفها أفقا سياسيا،
ومرحلة السلطة بوصفها مركز النظام السياسي الفلسطيني،
وربما أيضا مرحلة التصورات التقليدية عن السياسة والتنظيم والتمثيل والتحرر نفسها.
يكمن أحد أخطر التحولات التي أصابت الحالة الفلسطينيةفي الانتقال غير المعلن من مشروع يسعى إلى تصويب اعوجاج التاريخ، إلى بنية منشغلة أساسا بتقليل الخسائر داخل تاريخ يصنعه الآخرون.
فالقضية اليوم ليست مجرد صراع مفتوح، بل اختبار لقدرة التاريخ نفسه على إعادة تعريف أدواته.
أولا: الانكشاف التاريخي ونهاية المرحلة القديمة
كشف “طوفان الأقصى” وما تلاه من موجة جديدة من الإبادة الجماعية التي ما تزال تتواصل للعام الثالث على التوالي في قطاع غزة ومخيمات الضفة الغربية، ليس فقط هشاشة المنظومة الإسرائيلية، وعموم منظومة الحداثة الغربية المادية وأزمتها البنيوية والأخلاقية، والعجز الاستراتيجي العربي.
بل أيضا الأعطاب الفلسطينية المؤجلة: أزمة التمثيل، تآكل المشروع الوطني، اتساع الفجوة بين المجتمع والبنى السياسية، وتحول أدوات العمل الوطني من أدوات تحرر إلى أدوات لإدارة أزمة ممتدة تحت الاحتلال.
تظهر التجارب التاريخية الكبرى أن الحركات الوطنية، مهما بلغت عظمتها، لا تعيش إلى الأبد بالأشكال نفسها التي وُلدت بها.
فالحركات التي تنشأ في لحظة تاريخية معينة، تحت شروطاجتماعية وسياسية وثقافية محددة، تصل غالبا إلى حدودها التاريخية.
بعضها ينهار دفعة واحدة،
وبعضها يتآكل ببطء،
وبعضها يتحول تدريجيا من مشروع تحرر إلى بنية تحاول الدفاع عن ذاتها وإدارة بقائها.
ما يتآكل هنا ليس تنظيما سياسيا فقط، بل شكل كامل من تصور السياسة بوصفها طريقا ثابتا للتحرر.
غير أن الشعوب الحية لا تبدأ من الصفر حين تنتهي المراحل الكبرى.
فالحركات الوطنية، حتى حين تفشل، أو تتصلب، أو تفقد قدرتها على التجدد الداخلي، تترك وراءها شيئا أعمق من التنظيم نفسه:
تترك ذاكرة، وخبرة، وأشكال وعي، وشبكات اجتماعية، وثقافة سياسية، وأسئلة جديدة أيضا.
ومن داخل هذا التراكم الطويل- بكل ما فيه من بطولات وخسارات وتناقضات -تبدأ عادة ولادة مرحلة جديدة لا تكون استمرارا بسيطا للماضي، ولا قطيعة كاملة معه.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الفلسطيني الحقيقي اليوم: هل تستطيع البنية السياسية الفلسطينية القائمة، وفي القلب منها حركة فتح، أن تعود كما كانت؟
بل: ماذا يمكن أن يولد من التجربة الفلسطينية الطويلة كلها؟
ثانيا: تحولات العالم وأزمة الأدوات الفلسطينية
يختلف العالم الذي يتشكل اليوم جذريا عن العالم الذي تأسست فيه الحركة الوطنية والفصائل الفلسطينية.
إنه عالم الشبكات المفتوحة، والفضاءات الرقمية، والفاعلين العابرين للدول والحدود، والتأثير الشعبي اللامركزي.
والصراعات الأخلاقية الكونية، وتراجع احتكار الدول للمعنى والتمثيل والرواية.
في السياسة المعاصرة، لم يعد السؤال هو من يملك القوة، بل من يملك القدرة على إعادة تعريف معنى الفعل السياسي نفسه.
لكن هذا التحول لا يخص العالم وحده.
زمن ما تزال فيه الأدوات القديمة حاضرة بقوة الذاكرة والشرعية التاريخية،
وزمن جديد تتغير فيه شروط السياسة والتحرر والعالم بسرعة هائلة.
ولهذا لم يعد السؤال فقط: كيف نحافظ على البنى القديمة؟
بل: هل تستطيع هذه البنى أن تنتج أفقا جديدا أصلا؟
لقد قامت الحركة الوطنية الفلسطينية الحديثة على تصورات كبرى تخص زمنها: مركزية التنظيم، والكفاح المسلح الكلاسيكي، والقيادة الهرمية، والتمثيل الموحد، والدولة الوطنية بوصفها الأفق النهائي للتحرر.
لكن العالم الذي يتشكل اليوم يختلف جذريا.
فالتحرر لا يتحقق فقط بعدالة القضية، بل بقدرة الشعوب أيضا على إعادة إنتاج نفسها تاريخيا.
أي: إعادة إنتاج أدواتها، وتمثيلها، ولغتها السياسية، وعلاقتها بالمجتمع، وبالعالم، وبفكرة الحرية نفسها.
أخطر ما يمكن أن يحدث لأي حركة تحرر ليس الهزيمة وحدها، بل أن تتحول ذاكرتها البطولية إلى عائق يمنعها من رؤية التحولات الجديدة.
وفي مثل هذه اللحظات، يزداد الميل إلى أحد اتجاهين متناقضين:
• إما التعلق المرضي بالماضي،
• أو الانجذاب إلى انفجارات غضب غير قادرة على التحول إلى مشروع تاريخي طويل النفس.
ولهذا فإن أي ولادة فلسطينية جديدة لن تنجح إذا بقيت محصورة داخل النخب التقليدية وحدها، أو داخل اللغة السياسية القديمة نفسها.
فالتحولات الكبرى في التاريخ لا يصنعها فقط “حراس المرحلة السابقة”، بل أجيال جديدة تدخل السياسة من زوايا مختلفة:
من المجتمع، ومن الجامعات، والنقابات، والشبكات الأهلية، ومن الثقافة، والتكنولوجيا، والاقتصاد، والفضاء العالمي، وحركات التضامن العابرة للحدود، ومن أشكال مقاومة لا تشبه دائما النماذج الكلاسيكية القديمة.
ثالثا: غزة والمفارقة الفلسطينية الجديدة
إحدى أهم نتائج الطوفان وحرب الإبادةالجماعية في قطاع غزة ومخيمات الضفة الغربية تظهر أن الفلسطيني عاد، رغم المأساة الهائلة، إلى إنتاج تأثير عالمي يتجاوز البنى الرسمية التقليدية.
ففي لحظة بدت فيها المؤسسات الفلسطينية الرسمية أكثر عجزا من أي وقت مضى، كانت فلسطين تعود إلى العالم عبر الناس، والصور، والرواية، والجامعات، والاحتجاجات العالمية، والفضاء الرقمي.
وهنا تظهر المفارقة الفلسطينية الأكثر قسوة:
فبينما يبدو الفلسطيني اليوم في واحدة من أكثر لحظاته ألما وانكشافا منذ النكبة،
تبدو إسرائيل نفسهافي الذكرى الثامنة والسبعين لإنشائهاأقل استقرارا ويقينا مما حاولت أن تظهر طوال عقود.
فالمشروع الصهيوني الذي بُني على فكرة: الملاذ الآمن لليهود، والجيش الذي لا يقهر، والتفوق، والديمقراطية،دخل بعد الطوفان في أزمة تتجاوز البعد الأمني المباشر.
لأن ما انكشف لم يكن فقط ثغرة عسكرية، بل حدود الفكرة نفسها.
المفارقة هنا ليست بين طرفين فقط، بل بين تاريخين يعملان في اتجاهين متعاكسين داخل اللحظة نفسها.
هل يمكن إنتاج استقرار دائم فوق اقتلاع شعب كامل؟
وهل تستطيع القوة العسكرية أن تحسم صراعا لم يُحل سياسيا وأخلاقيا وتاريخيا؟
فإسرائيل تبدو اليوم في حالة خوف وجودي متزايد: خوف ديمغرافي، وأخلاقي، وعزلة متصاعدة، وتآكل السردية المؤسسة نفسها.
وفي المقابل، يعيد الفلسطيني إنتاج حضوره عالميا خارج الأطر الرسمية، عبر الصور والرواية والاحتجاجات والفضاء الرقمي.
لكن هذا الحضور لا يعني امتلاك أدوات سياسية قادرة على تحويله إلى مشروع مستقر.
بل يفتح سؤالا جديدا: من يملك حق تعريف فلسطين القادمة؟
رابعا: السؤال الفلسطيني الجديد وما بعد المرحلة
في اللحظات التي يتراجع فيها العالم القديم، لا يكون المستقبل نتيجة طبيعية، بل خيارا تاريخيا محفوفا بالمخاطر.
الانتقال إلى أفق فلسطيني جديد لن يحدث تلقائيا.
فالمراحل التاريخية لا تنتهي لأن الناس قرروا ذلك، بل حين تصبح البنى القديمة عاجزة عن تفسير الواقع.
وهذا ما يجعل اللحظة الفلسطينية الحالية شديدة التعقيد:
القديم يتآكل، والجديد لم يولد بعد.
وفي مثل هذه اللحظات، يزداد الميل إلىالتشبث بالماضي، أو إلى الانفجار غير المنظم.
لكن المؤكد أن الفلسطينيين يقتربون من لحظة لا يمكن فيها تأجيل الأسئلة.
فإما أن تتحول الذاكرة إلى طاقة تأسيس، أو تتحول إلى حنين دائم.
وإما أن يصبح الألم بداية وعي جديد، أو نزيفا متكررا.
ولهذا تصبح المهمة ليست فقط استعادة المشروع الوطني، بل إعادة بنائه.
غير أن التاريخ لا يضمن النتائج.
فكما أن إسرائيل تعيش أزمة وجودية،
فإن الفلسطينيين يواجهون أيضا خطرا وجوديا: أن تتحول التضحيات إلى دائرة مغلقة من الألم دون تحول تاريخي.
ولهذا فإن السؤال المركزي اليوم ليس فقط: ماذا يعني التحرر في القرن الواحد والعشرين؟
بل: كيف يصبح التحرر مشروع حياة؟
• تفكيك الكيانالصهيونيالاستيطانيالإحلاليالعنصري؟
• عودة اللاجئين؟
• مساواة؟
• سيادة؟
• دولة؟
• أم إعادة بناء الإنسان الفلسطيني نفسه؟
لكن المؤكد أن الفلسطينيين يقتربون من لحظة لن يعود فيها ممكنا تأجيل هذه الأسئلة.
إن الإجابة لا تكمن في اختيار أحدها دون الآخر، بل في صياغة مشروع وطني مركب في أدواته،يبدأ أولا بإعادة بناء الإنسان الفلسطيني القادر، عبر تعزيز المناعة الجماعية الاقتصاديةوالاجتماعية، ومأسسة الحراك الشعبي، والشبكات الرقمية العالمية، وتحويلها من منصات للاحتجاج إلى أدوات للضغط السياسي والفكري.
وتمر هذه الإجابة حتما عبر تجاوز ثنائية (الدولة أو التحرر)، نحو طرح نموذج تحرري إنساني يتجاوز الحدود التقليدية، ويعيد تعريف "السيادة" ليس كحدود جغرافية محاصرة، بل كقدرة على الفعل والابتكار الاجتماعي والاقتصادي، وبناء جبهة أخلاقية عالمية تُفكك المنظومة الاستعماريةالاستيطانية العنصرية من الداخل ومن الخارج بالتزامن.
إن خارطة الطريق القادمة لا ترسمها النخب من غرف مغلقة، بل يصيغها هذا التلاحم اليومي بين الصمود المقاوم في الداخل، وقدرة الشتات على قيادة الرواية عالميا.
وفي النهاية، فإن التاريخ لا ينغلق.
بل يعيد إنتاج إمكانيات جديدة من داخل أكثر اللحظات ظلمة.
ولهذا، فإن اللحظة الفلسطينية الراهنة قد تكون أيضا لحظة خروج بطيء من الزمن القديم.
وعندهافقطيمكن القول إن الفلسطينيين لم ينجوا من المرحلة فحسب،
بل عبروا منها إلى ما بعدها.