أمين الزاوي - كوجيتو المفكر العربي "أنا أفكر إذا أنا غير موجود"

المثقف في منطقتنا كائن حاضر بغيابه أو تغييبه أو منعه أو صمته ومرات بضجيجه الذي لا يخلف سوى الغبار
ماذا تعني مقولة رونيه ديكارت الشهيرة "أنا أفكر، إذاً أنا موجود" في العالم العربي وشمال أفريقيا، وما وزنها في واقع المثقفين والمفكرين من خلال علاقتهم بذوي القرار، ومحيطهم الاجتماعي ومصائرهم الذاتية.
لا أريد أن أختصر مقولة ديكارت في بعدها الأنطولوجي كما يجري شرحها عادة في الدرس الفلسفي في مستواه الأول، لكني أريد أن أمنحها أفقاً آخر، أن أقرأها في بعدها التاريخي والاجتماعي والسياسي، وفي ذلك أحاول أن أرسم صورة المفكر ومنتج الأفكار النقدية الجديدة في العالم العربي في ضوء هذه المقولة؟ بمعنى: هل للمفكر وجود خارج المفاهيم؟ خارج الأفكار الصامتة؟ هل يتمتع بوجود قادر على تحريك عجلة التاريخ وخلخلة صمم الواقع الذي يعيش فيه؟ الواقع الذي من المفترض أنه يفكر فيه ويفكر له؟
هل الفكر والتفكير ومصفوفات الأفكار التي ينتجها المفكر في العالم العربي وشمال أفريقيا مؤشر على وجوده الفعلي ككائن تاريخي واجتماعي وسياسي؟ أم هي سبب تغييبه وعزله عن مجتمعه؟
حين يقول ديكارت "أنا أفكر، إذاً أنا موجود"، فالوجود الذي أفهمه ليس ذلك الحضور الأنطولوجي الحيواني الطبيعي، بل هو أساساً وقبل كل شيء وجود سياسي واجتماعي، أي بمعنى آخر، فوجود الفيلسوف أو المفكر أو المثقف النقدي، ها هنا، هي تلك الكينونة التي تجعل من فعل التفكير درجة وجود تصنفه ضمن خانة الكائنات التي "توجد"، أي الكائنات التي لها حضور فاعل في المحيط وفي توجيه مجرى التاريخ.
حين يقول المفكر أو المثقف النقدي الذي ينتمي إلى العالم العربي أو شمال أفريقيا "أنا أفكر، إذاً أنا موجود" تبدو هذه المقولة طرفة أو نكتة بخْسة أمام العيان، فالمفكر في منطقتنا الجغرافية والثقافية والسياسية كائن موجود بغيابه أو تغييبه أو منعه أو صمته، ومرات بضجيجه الذي لا يخلف سوى الغبار.
لست متشائماً إنما هذا حال الواقع المعطوب الذي يتكلم بفصاحة، فهناك قطيعة معلنة أو مستترة ما بين ذوي القرار والمفكر النقدي، فهم يتوجسون من وجوده التاريخي وتربكهم أفكاره حتى لو اعترفوا له في السر أو في الدوائر المغلقة بأنها أفكار صادقة وذات قيمة مضافة، لكن وتحت خطر الشعبوية التي هي فم الدهماء، يتحول هذا التوجس من المفكر من حال التحفظ إلى موقف التغييب والتهميش والمنع والتخوين.
من أقوى الفترات ازدهاراً في تاريخ المجتمعات العربية والإسلامية تلك التي كان فيها المفكر الحر والمثقف النقدي على مسافة غير بعيدة من السلطان، إذ إن العودة لإهداءات الكتّاب من أمثال الجاحظ وأبي حيان التوحيدي وابن المقفع والفارابي وابن خلدون وابن سينا وغيرهم، فكتبهم للسلاطين والخلفاء والوزراء تدل على هذه العلاقة القائمة ما بين سلطة الفكر وسلطان السياسة.
لقد أهدى الجاحظ كتابه "الحيوان" إلى الوزير محمد بن عبدالملك الزيات، وأهدى ابن المقفع كتاب "كليلة ودمنة" إلى الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، وأهدى الفارابي بعض كتبه لسيف الدولة، وأهدى ابن خلدون بعض كتبه إلى سلاطين المغرب القديم والأندلس، وأهدى ابن سينا بعض كتبه لأمراء بني بويه.
إن قراءة هذه الإهداءات تعطينا صورة عن نوع من الوجود التاريخي وليس الأنطولوجي فقط الذي كان يتمتع به المفكر الحر والمثقف النقدي، فعلى رغم الصراع ما بين السلطان والمفكر، الذي بدا واضحاً في التاريخ الإسلامي، لكن مثل هذه الإهداءات تدل على احترام المواقع وتحديد المهمات والسلطات، فموقع السلطة السياسية يختلف عن موقع السلطة الفكرية.
في التاريخ الإسلامي يمكننا أن نذكّر بفترتين أُسست عليهما صورة السلطة الإسلامية بالإيجاب والذكاء وسيادة العقل، أما الأولى فتجلت في أعوام حضور المعتزلة في بغداد خلال القرنين الرابع والخامس الهجري، وأما الثانية ففي طليطلة بالأندلس خلال القرنين الـ10 والـ11 الميلادي، حين حققت سلطة الفكر وسلطة السلطان من خلال التسامع حالاً من العيش المشترك ما بين مكونات المجتمع البغدادي والطليطلي.
المفكر حين يقول "أنا أفكر، إذاً أنا موجود" لا يقصد من هذه العبارة الاحتفاء بوجوده الأنطولوجي الطبيعي، لكنه يقصد وبالأساس الوجود التاريخي، أي المطالبة بالاعتراف بسلطته الرمزية المستقلة عن سلطة السياسي، ومن هذا المنطلق فتقاسم السلطة لا يعني اللعب في مربع واحد، فالسُلطة سُلطات، وكلما حاول صاحب السلطة السياسية الاستحواذ على السلطات كاملة فإنه يسيء إلى نفسه ويخلط الأوراق، ويضبب الرؤية في المجتمع، وكلما اتضحت الحدود ما بين السلطات فإن ذوي السلطان السياسي يستفيدون من الاستقرار والتنمية والسلم، والمفكر النقدي يستفيد من حرية التعبير والاستثمار في الإبداع المعرفي من أجل الدفع بالمجتمع نحو الأمام.
وكلما شعر المفكر بوجوده التاريخي والسياسي والثقافي والجمالي، أي بالسماح لعملية تثمير أفكاره في المجتمع، يستطيع أن يقول بملء فيه "أنا أفكر، إذاً أنا موجود"، وكلما حاصرت السلطة المفكر النقدي وأخرجته عن الخدمة الرمزية أصبح وجوده أنطولوجياً وليس تاريخياً طبيعياً، وفي هذا التغييب تصاب السلطة بالعمى السياسي وتتخندق في مربع القمع والقهر، وتتأسس جراء ذلك ثقافة الديكتاتورية وأيديولوجية عبادة الشخص، وهذا هو حال المجتمعات السياسية في العالم العربي وشمال أفريقيا.
في منطقة الجنوب ينظر إلى المفكر الحر والمثقف النقدي نظرة المنافس السياسي، وهو ما يجعل السلطة تفضل العالم التقني أو التقنوي أو عالم الخوارزميات أو البرمجيات، ذاك الذي يخلق رأسمالاً علمياً ويضعه بين يدي سادة العالم من السياسيين وقادة البنوك ورؤساء المخابر وأصحاب مصانع الأسلحة، فالسلطة السياسية لا ترغب في مفكر حر أو مثقف نقدي يقرأ ظاهرة العنف، ويقدم أفكاراً تنقد الهيمنة ومؤسساتها، ولتبرير تفضيل العالم التقنوي عن المفكر الحر والمثقف النقدي، تساعد السلطة من خلال مؤسساتها الإعلامية والتربوية في إنتاج وتوزيع خطابات في ذم المفكر الحرّ والمثقف النقدي، ومن ذلك نسمع ونقرأ عبارات شعبوية على وسائل التواصل الاجتماعي تقلل من أهمية المفكرين، والاستهزاء بهم وبعملهم في حقول الفلسفة والاقتصاد وعلم الاجتماع والفنون ومن ذلك: هل صنعتم لنا دبابة؟ هل اخترعتم لنا دواء ضد مرض ما؟ ويُرمى المفكر الحر والمثقف النقدي بقاموس من الألفاظ والأوصاف والنعوت التي تجعله عرضة للسخرية، ومن ذلك "بوفهامة" (صاحب الفهم) و"بوعريف" (صاحب المعرفة)، وتفلسف الحمار حتى مات جوعاً!
هذا السلوك خطر جداً، ومرات حين تكون السلطة منسجمة ومتماهية مع المفكر الحر والمثقف النقدي، فبمجرد أن يتحرك الغوغاء في حملة تشويه وتكفير لهذا المفكر النقدي، تشعر السلطة بنوع من الخوف فتقوم بإسكات المفكر، وتضع على الفور بينها وبين أفكاره مسافة، كي تنجو بنفسها من لسان الغوغاء.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى