أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٢١ أيار من كل عام

١
بوابة صدام حسين الشرقية لتحرير فلسطين :

أراد صدام حسين تحرير فلسطين من البوابة الشرقية للوطن العربي ، ولهذا شن حربه في 1980 على إيران . كان بصيرا جدا في الجغرافية ولهذا كتب مظفر النواب :
" وضع الحرب بغير مكان الحرب "
السعودية والتحالف أيضا أرادوا تحرير القدس عبر تحرير اليمن من الحوثيين وصالح . السعودية والتحالف ، مثل صدام ، لديهم بصيرة نافذة وهم يعرفون في الجغرافية .
ما يعرفه السعوديون هو أن القدس ليست محتلة ، فليس ثمة حوثيون فيها ولا علي عبدالله صالح .
هل يختلف بشار الأسد وإيران عن صدام ؟
أيضا إيران تريد تحرير القدس عبر السعودية والأردن . إنها تسير على خطى الجبهة الشعبية .
وأنا أعقب على تعقيب سعودي أصولي وهابي علق على كتابة لي ذاهبا إلى أننا عبدة ماركس ولينين و .. و.. وبشار الأسد وجدتني أتذكر المثل الشعبي : " من خرية لطوبة يا قلبي لا تحزن " .
كلهم يريدون تحرير فلسطين والقدس من خلال بوابات الطائفة والمذهب وترامب وبوتين .
2017 / 5 / 21

٢
في حيفا 10:

لا تسير في شوارع المدينة ،فأكثر الساعات الثلاثة قضيتها في الكرمل ،في مطعم وعلى قمة الجبل تنظر إلى البحر وتتذكر المنظر الأسطوري ، وهذا كنت تنشده وتتمناه منذ سنوات.
لا تذرع الشوارع التي ذرعتها من قبل ولا تتعقب خطى الأبطال الروائيين الذين قرأت عنهم ،ولا تسير الخطى التي سار عليها الكاتب سلمان ناطور برفقة المحامي حنا نقارة ، بحثا عن بيت أبي سلمى ،وقد دون ما قام به في كتابه "هل قتلتم أحدا هناك؟ "الذي هو شبه سيرة ذاتية له راق لك فكتبت عنه عشر صفحات نشرتها في جريدتي "الاتحاد "و"الأيام " في آيار من العام 2000 .
كتب سلمان عن بيت أبي سلمى تحت عنوان "المفتاح "في الصفحة85 وما تلاها. وكان البيت في شارع البساتين في حي الألمانية الذي مرت الحافلة به وتحدث عنه الدليل.
كل ما أنفقته في شوارع حيفا ثلاث دقائق بحثت فيها عن مكان تفرغ فيه مثانتك تحسبا لمواصلة الرحلة.فأين كتابتك من كتابة سلمان الذي أنفق جل عمره هناك وعمل في مكتب الشاعر الذي غدا مكتب الجريدة.
هل استبد بك حنين إلى زيارة مكاتب جريدة "الاتحاد "ومجلة"الجديد"؟
21/ 5/2018

٣
وليد الهودلي : " وهكذا أصبح جاسوسا " 2

يفتتح وليد الهودلي روايته " وهكذا أصبح جاسوسا " بقول لمحمد الغزالي نصه " ليس من الضروري أن تكون عميلا لتخدم عدوك . يكفيك أن تكون غبيا ".
والسؤال كم من واحد منا ، بناء على كلام الغزالي ، خدم عدوه ؟
القصة الثانية من الرواية ( ؟ ) تقص قصة طالبة نشيطة على وشك التخرج من جامعة بير زيت . إنها ليست طالبة غبية ومع ذلك تقع في علاقة حب " فيسبوكية " مع رجل مخابرات إسرائيلي ولا ينقذها إلا انتباهة أمها .
وعموما تفتح قصة سناء الذاكرة على رواية " زغرودة الفنجان " لحسام شاهين وهو أيضا سجين ويقضي عقوبة السجن المؤبد .
رواية الهودلي تحيل أيضا إلى نماذج أدبية أتت على نموذج المتعاونين الفلسطينيين مع الإسرائيليين وأولها رواية اميل حبيبي " الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " 1974 وقصة القاص محمد نفاع " المخبر . ن " من مجموعة " التفاحة النهرية "
بل وتذكر بكتابي ( هيلل كوهين ) " جيش الظل " و " العرب الصالحون ".
ببساطة هذه الكتب تقول لنا إنه بقدر ما فينا رجال مقاومة فينا جواسيس وعرصات ( عصافير ) .
عنوان القصة الثانية عن عالم العصافير هو " عصفور على الفيس بوك ".
كما لو أن وليد الهودلي ينبهنا إلى من يرسلون لنا طلبات الصداقة وأن علينا أن ننظر فيها جيدا قبل أن نوافق عليها .
ما من شك في أن رواية الهودلي ذات بعد تثقيفي تربوي أيضا .
نحن عرصات . نحن عرب صالحون .
21 / 5 / 2018

٤
بين اميل حبيبي و وليد الهودلي :

قرأت بعض قصص " وهكذا أصبح جاسوسا " وركزت على القصتين الأخيرتين 18 و 19 ؛قصة عادل وقصة محمود وكيف صارا جاسوسين . كان بإمكانهما ألا يصبحا جاسوسين وأن يرفضا الصفقة وألا يخشيا توثيق المخابرات الإسرائيلية لحواراتهما بالصوت والصورة .
عادل متذاك ومحمود له تجربته في الاعتقال الإداري والاستدراج لا يبرر الجوسسة والتعاون والرضوخ للمحققين والضباط خوفا من الفضيحة ، ويمكن للمرء أن يخرج من الحمام كما خرج بطل رواية اميل حبيبي : " الوقائع ... " وإلا لماذا نقرأ الأدب ؟
حين يهدد ضابط المخابرات بطل رواية اميل بفضحه إن لم يواصل التعاون مع جهاز المخابرات يقول له سعيد الذي يؤثر بيع البطيخ على الاستمرار في التعاون الآتي :
" - حلوا عني واركبوا غيري " ( ص 174 من طبعة دار عربسك/ السابعة 1985)
ماذا تريدون ؟
وحين يهدده ضابط المخابرات بفرض الإقامة الجبرية عليه يقول سعيد :
"- فلما انتشر الخبر بأن ورقة الإقامة الجبرية قد جاءتني ازداد الإقبال على بسطتي حتى جاءني شاب وقد تأبط صحفا . حيا وقال :
- جاءتك ؟
قلت : جاءتني من زمن طويل
- فلماذا لا تقرأ الجريدة ؟
قلت : لأنكم لم تجيئوا.
فقمت وعلقت ورقة الإقامة الجبرية على جدار البسطة ، فلم يمض يومان حتى جاءتني الشرطة، وابلغتني أن الحاكم تلطف وألغى أمر الإقامة الجبرية ، وأن دولتنا ديمقراطية " .
الذين تورطوا يمكن أن يتوبوا وألا يواصلوا ويمكن للشعب أن يغفر لهم .
21 / 5 / 2018

٥
دولة المرضى المحبطين :

دولة إسرائيل دولة أقامها شاب مثقف محبط يائس كان صحفيا يتسكع في شوارع فيينا ومقاهيها .
اقرأوا الآتي من رواية ( ثيودور هرتسل ) " أرض قديمة - جديدة "1902 :
" هكذا تقلبت الأمور فراح فريدريك ليفنبرغ منذ بضعة أشهر يجلس وحيدا إلى تلك الطاولة العتيقة ، وكان بعد أن يفرغ من تقليب كومة الصحف يغرق في هواجس أحلامه دون أن يطلب محادثة أصدقاء بعد . لقد بلغ التعب منه مبلغا لم يعد معه يبحث عن أصدقاء جدد ؛ وكأنه لم يكن في الثالثة والعشرين من عمره ، وإنما كان شيخا بلغ من العمر عتيا كثيرا ما اضطر إلى فراق ناس أعزاء على قلبه إلى الأبد ، هكذا جلس يتطلع بنظرات جامدة إلى البخار الخفيف الذي لف زوايا القاعة البعيدة "
وحين يقرر الذهاب إلى فلسطين يحتاج إلى صحبة شاب مثقف محبط يائس .
في بداية الرواية يصف ( هرتسل ) وضع يهود فيينا البائس والمحبط حيث البطالة .
هل كان يكتب عن مستقبل غزة أيضا؟
ثمة تبادل مصائر حقا .
المحبطون اليائسون المرضى خلقوا منا محبطين يائسين مرضى .
21 آيار 2019

٦
الست كورونا : ورمضان الكوروني ٩٠ :

انقضى رمضان العام ٢٠٢٠ وكان رمضانا كورونيا بامتياز ، فلم يشهد المسلمون شهر رمضان على شاكلته .
ما من رمضان مر في السنوات التي عملت فيها أستاذا جامعيا إلا حضرت فيه إفطارا جماعيا تنظمه نقابة العاملين ، وكنت أشارك فيه غالبا مع أنني لا أصوم منذ عقود .
في رمضان هذا لم ينظم أي إفطار جماعي ، لا في الجامعة ولا في غيرها تقريبا إلا في المسجد الأقصى ، فقد شاهدت شريط فيديو لنساء مسلمات يفطرن معا على مرأى من جنود الاحتلال الإسرائيلي ، ولم يكتفين بتناول الطعام فقد أخذن يهتفن للأقصى متحديات الجنود الذين طلبوا منهن الصمت فازددن إصرارا وهتافا .
المطاعم مغلقة وكذلك المقاهي ليلا ، فلا فندق الياسمين شهد إفطارا جماعيا ولا مطعم سليم أفندي ولا أي مطعم آخر في المدينة ، ولم يلتق خريجو ألمانيا هذا العام معا ليجتروا الذكريات ، وقد جرت العادة أن يجتمعوا معا على إفطار رمضاني غالبا ما كنت أشارك فيه .
المدينة ظهرا كانت " تنغل " وكانت الأسواق عامرة تماما . أمام الصراف الآلي في المول طلب مني طفل في الثامنة من عمره شيكلا ، فسألته من أين هو ولماذا يريد الشيكل !!
الطفل قال لي إنه من مخيم بلاطة وإنه يريد الشيكل ليركب على الحصان الحديدي القريب ، وما إن نقدته ما طلب حتى ركض باتجاه الحصان وصعد فرحا ، وكان صديقه يراقبه فسألته إن كان هو أيضا يرغب في فعل ما فعله صاحبه فأخذته العزة ورفض أخذ شيكل .
سألت الطفل الأول كيف سيتدبر شأن العودة فأجاب بأن لا مشكلة ، والمخيم لطفل مثله ليس بعيدا عموما .
في محل بيع كعك العيد والمعمول كانت السيدة تضع المعمول بيدها دون لبس كفوف ، فأيقنت أن الكورونا والحجر الصحي كانا حلما وفي الخيال . كانا سحابة صيف .
في السادسة ذرعت شارع النصر كله ، من غرب البلدة القديمة إلى شرقها ، وكانت أجواؤه رمضانية تماما . ثمة اكتظاظ بشري لافت وكان بائعو الحلوى وأصابع زينب والعوامة وبائعو الحمص والفلافل يبيعون كعادتهم كما لو أنهم استثنوا من قائمة المطاعم التي افترض الحجر الصحي إغلاقها .
سائق الحافلة الذي أقلني في الذهاب عبر عن امتعاضه لأنه لم يحي ليلة القدر في المسجد الأقصى ، وقال لي إن قصة الكورونا مختلقة لكي يحولوا بيننا وبين المساجد . هذه بروفة لما سيأتي ، ومن الأشرطة التي لفتت انتباهي بخصوص الست كورونا شريط يصور احتجاجات اللندنيين على تطبيق الإجراءات الجديدة التي كتبت عنها من قبل ، وأشرت في كتابتي إلى تاريخ ٢٧ / ٤ / ٢٠٢٠ . سكان لندن يحتجون ضد اللقاح الإجباري ومثلهم سكان ميونيخ ، والقادم أخطر . هل ستشهد أوروبا ما شهدته في نهاية ستينيات القرن العشرين وكنت أشرت إلى منظر تلك الحقبة الذي غاب اسمه عن ذهني .
ترى كيف سيكون عيد الفطر السعيد في الزمن الكوروني ؟ هل سنسميه العيد الكوروني ؟
٢١ / ٥ / ٢٠٢٠

٧
أنا والجامعة : الأدب المقارن وتعبئة الفراغات ٣٤ :

يعد مساق الأدب المقارن مساقا طارئا على كثير من أقسام اللغة العربية ، فلا أذكر أنني درسته في مرحلتي البكالوريوس والماجستير في الجامعة الأردنية ، ولا أذكر أنه كان يطرح أصلا ، فالمساق يتطلب إتقان الطالب لغتين ؛ لغته الأم ولغة أجنبية ، وهذا ما لا يتيسر لطلاب قسم اللغة العربية في الجامعات العربية إلا ما ندر .
وحين عينت في قسم اللغة العربية لم يكن المساق يطرح في القسم ، علما بأن مساق اللغة العبرية يعلم منذ تأسيس الجامعة ، وإن كان ما يعلم على مدار فصلين لا يكفي لقراءة نص أدبي يتجاوز خمس صفحات ، وأكتب هذا عن تجربة ، فقد واظبت على تعلم العبرية لفصلين كاملين مكررين ، عدا جهودي الذاتية المتمثلة في متابعة التلفاز الإسرائيلي وما كان يعرضه من أفلام عربية كل يوم جمعة مترجمة إلى العبرية .
عندما حصلت على منحة الدكتوراه عرفت المستشرقة الألمانية ( انجليكا نويفرت ) على زميلي في القسم معلم اللغة العبرية ، وساعدته في الحصول على منحة ، مع أنه يحمل جوائز السفر الإسرائيلي ، وقد حصل على إجازة من الجامعة لمدة ثلاث سنوات ليدرس الأدب المقارن ، فيعود إلى الجامعة أستاذا لهذا التخصص .
كتب زميلي أطروحته في الترجمة من العربية إلى العبرية ومن العبرية إلى العربية ، وعاد إلى وظيفته .
في هذه الأثناء صار القسم يطرح مساق الأدب المقارن ، وقد أوكل مهمة تدريسه لصاحب التخصص ، والطريف أنه ما استمر في تدريسه لأكثر من ثلاثة فصول ؛ درسه فصلين لطلبة البكالولوريوس ومرة ، إن لم تخني الذاكرة ، لطلبة الدراسات العليا ، ولسوء حظه أو لحسن حظه أن انتفاضة الأقصى كانت في ذروتها ، ما جعل تدريس المساق أمرا مشكلا .
إحدى طالبات قسم اللغة العربية ، وقد أشرفت عليها في الماجستير ، قالت لي إننا لم ندرس أكثر من ست محاضرات من أصل خمس عشرة محاضرة ، فالأستاذ ، بسبب الحواجز الإسرائيلية المقامة على الطرق ، لا يتمكن من الحضور ، وعليه فإننا لم ندرس الأدب المقارن .
لا أعرف ما السبب الذي جعل الأستاذ المفترض أنه متخصص في الموضوع يعكف عن تدريس المساق ، فعندما صار القسم يطرح المساق صار تدريسه يعزى إلي ولأستاذ متخصص في الصوفية ولأستاذ الأدب الحديث ، والأخيران ، فيما أعرف ، لا يتقنان أية لغة أجنبية .
عاد الأستاذ المتخصص يعلم اللغة العبرية فقط ، وكفى الله المتخصصين شر التحضير والتثقيف وما شابه .
عندما كنت رئيس قسم اللغة العربية لم تسمح لي الجامعة بتدريس أكثر من ثلاث ساعات إضافية ، وهذا من حقها ، وكنت أتمنى لو التزمت به التزاما صارما ولم تتغير مواقفها بين فترة وأخرى .
مرة احتاج الطلاب إلى مساق اختياري لدراسته فطرح القسم مساق الأدب المقارن ، وعرض تدريسه على المتخصص فاعتذر ، وكان يفترض أن يوكل تدريسه إلي ، فلي غير دراسة في الموضوع ، ولأن إدارة الجامعة في ذلك الوقت كانت حاسمة في تطبيق قراراتها ، فقد أوعزت تدريس المساق لأستاذ لا صلة له في الموضوع نهائيا . وقد يعترض على رأيي أستاذ جامعي واسع الاطلاع ويذكرني بتجربة الدكتور إحسان عباس الذي درس الأدب الأندلسي دون أن يكون كتب شيئا فيه ، وصار بعد ذلك من أبرز ، إن لم يكن أبرز ، المتخصصين فيه .
ذهب الدكتور إحسان عباس ليدرس في جامعة الخرطوم ، وأوعز القسم إليه تدريس مساق الأدب الأندلسي ولم يكن كتب فيه أو درسه وقبل الأمر على مضض ، ثم جد واجتهد وكتب وحقق وصار ما صار إليه في هذا التخصص فعلام أعترض إذن ؟
كنت أتمنى لو سار كثير من الأساتذة الجامعيين على نهج الدكتور عباس ، فأكثر الذين يدرسون مساقات لا تدخل في صلب تخصصهم يدرسون كتابا ولا يتثقفون في الموضوع ، فلا يكتبون أبحاثا ولا يقرأون الجديد من الأبحاث .
عندما درست مساق " الأدب في مصر والشام " ولم يكن في صلب تخصصي لم أترك كتابا في أدب تلك الحقبة وقعت عليه عيني دون أن أشتريه ، وعندما عين القسم زميلا متخصصا في الموضوع أعطيته ما لدي من كتب .
أحد الزملاء درس مرة مساق " النقد الأدبي القديم عند العرب " وهو مساق كنت أدرسه وأنا محاضر قبل أن أسافر للحصول على الدكتوراه ، وظل هذا الأستاذ - رحمه الله - يدرس الكتاب الذي استعاره مني حتى نهاية خدمته .
هل يوجد في جامعاتنا كلها أستاذ واحد على شاكلة الدكتور إحسان عباس ؟
لطالما أعجبت بتجربة هذا الأكاديمي الذي أخذت العلم من كتبه ، فأنا لم أحضر له إلا محاضرة واحدة ألقاها في الجامعة الأردنية قادما من الجامعة الأميركية في بيروت ، ليتحدث عن الوزير المغربي .
عندما انتهى عملي في الجامعة توزعت أكثر المساقات التي أنجزت في موضوعاتها عشرات الأبحاث والكتب ومئات المقالات إلى زملاء صلتهم بالموضوع مثل صلتي باللغة الصينية ، ولم يكن أمامي إلا أن أكرر " كله عند العرب صابون " فالمهم تعبئة الفراغات ولست بنادم .
٢١ / ٥ / ٢٠٢٠

٨
ذاكرة أمس ٦٦ :
غزة : من مدينة تصدر البرتقال إلى مدينة تصدر الصواريخ

وأنا أتابع ما يكتبه أبناء غزة عن حياتهم في أثناء الحرب التي سوت مباني كثيرة بالأرض ، لدرجة أن بعض مدرجي صور الدمار كتبوا على الصور عبارة " هذه ليست هيروشيما " ، التفت إلى بضعة أسطر دونتها Heba Alagha أتت فيها على غزة قبل العام ١٩٤٨ .
نص الأسطر بالتمام والكمال :

" كانت غزة تصدر الشعير لمعامل الجعة في ميونيخ إضافة إلى الزيت والزبيب والصابون والجلود .
تاريخ طويل من التصدير يا غزة واليوم نحن نصدر الكرامة والصمود والشرف .

صباح الخير لأرواح الشهداء الشرفاء " .

أسطر هبة الآغا ذكرتني بأسطر من قصيدة راشد حسين " الحب والغيتو " التي كتبها في العام ١٩٦٦ ، وفيها يكتب عن يافا وما ألم بها في عام النكبة ١٩٤٨ .
يقول الشاعر في قصيدته :

" يافا - لمن يجهلها - كانت مدينة
مهنتها تصدير برتقال
وذات يوم هدمت ، وحولوا
مهنتها .. تصدير لاجئين " .

شخصيا عرفت غزة مدينة برتقال ومدينة نخيل .
كان أخي درويش - رحمه الله - يعمل في نهاية ستينيات القرن العشرين وبداية سبعينياته سائق شاحنة ، وغالبا ما كان يسافر إلى رفح وغزة ويعود محملا شاحنته بالبرتقال أو البلح ، وعندما زرت غزة في العام ١٩٦٩ لحضور عرس ابنة عمي شاهدت بيارات البرتقال ، وعندما زرت في العام ١٩٧٨ خان يونس بصحبة الكاتب المرحوم محمد كمال جبر وبتنا في بيت الكاتب المرحوم محمد أيوب شاهدت أشجار النخيل ، وقبل عقد من الزمان سألت جارنا " أبو نزار " عن بيارات البرتقال في مدينته ، فأخبرني ، متحسرا ، أنها ما عادت موجودة . لقد اجتثت وحلت المباني محلها .
لطالما كررت مقطعا شعريا لمحمود درويش كتبه في بداية ٧٠ القرن ٢٠ عن غزة :

" وغزة لا تبيع البرتقال ،
لأنه دمها المعلب " .

في عام النكبة لجأ فلسطينيون كثر ، ممن هجروا ، إلى غزة وصارت مدينة أغلب سكانها من المهجرين . صارت غزة مدينة لاجئين تقريبا ، وواصلت تصدير البرتقال .
الآن ما عادت المدينة تصدر البرتقال والبلح والشعير والجلود والزبيب ، ولا حتى الجميز . صارت تصدر أولا المتعلمين إلى دول الخليج ، ثم العمال إلى الداخل الفلسطيني المحتل في ١٩٤٨ ، وفي فترة لاحقة صارت تصدر البندورة والأزهار والفراولة وطناجر الألمنيوم ، ومنذ العام ٢٠٠٨ صارت تصدر الصواريخ .
هل وصلتها قطارات ( ثيودور هرتسل ) الكهربائية ؟
حلم الأب المؤسس للصهيونية ببلاد تغرق في السمن والعسل ، وحلم بتمدين الشرق البائس وبقطارات كهربائية تربط بين مدنه تصل إلى بيروت وغيرها ، وحلم بواحة وجنة في صحراء الشرق القاحلة ، وبعد مائة عام من حلمه دمر المدن الفلسطينية وأولها يافا ، ودمر بيروت في العام ١٩٨٢ ، ومنذ العام ٢٠٠٨ أخذ ، بالتدريج ، يدمر غزة .
أطرف ما سمعته أمس من أشرطة كان الشريط الذي يحوي محادثة بين ضابط اسرائيلي أظن اسمه رامي ومواطن فلسطيني غزي .
يتصل رامي الرؤوف الرحيم بالمواطن الغزي ويطلب منه إخلاء بيته من القاطنين فيه ، فالطائرات الإسرائيلية ستقصف مبنى البنك المجاور .
يا الله ! كم هو رؤوف رحيم رامي هذا ، والمواطن الغزي يصر على البقاء في المنزل ، ولا يستمع إلى نصائح رامي بأن ذلك انتحار ، والانتحار في الإسلام محرم . صار رامي مثل أفيخاي درعي خبيرا بالإسلام وتعاليمه .
هل يقل عن شريط المحادثة السابق شريط آخر لحاخام يهودي ، يدعو فيه إلى احترام المقدسات وترك الأقصى للمسلمين والتنازل عن بناء الهيكل والعودة إلى ما كان عليه أبناء الديانات في زمن الدولة العلية العثمانية ؟
إنها الحرب ! قد تثقل القلب ولكن خلفك عار العرب .
أنستنا الحرب الكورونا والكمامات والتباعد الجسدي واللقاحات ، وذكرتنا بمدننا التاريخية وبفلسطين الممتدة من النهر إلى البحر .
٢١ / ٥ / ٢٠٢١

٩
سليم بركات : سؤال الهوية ،
ماذا عن السيدة اليهودية راحيل ؟

( مقالي ليوم الأحد ٢٣ أيار ٢٠٢١ في جريدة الأيام الفلسطينية متوسعا فيه )

عادل الاسطة

" ماذا عن السيدة اليهودية راحيل ؟" هو عنوان الرواية الأخيرة لسليم بركات السوري الكردي الذي غادر بلاده قبل خمسة عقود ليقيم في بيروت منضويا تحت ظلال منظمة التحرير الفلسطينية حتى مغادرتها بيروت في آب ١٩٨٢ ، ليقيم في قبرص ويعمل في مجلة " الكرمل " قبل أن يستقر في السويد .
يكتب بركات في العامين ٢٠١٨ و ٢٠١٩ رواية تجري أحداثها في القامشلي في سورية في العامين ١٩٦٧ و ١٩٦٨ ، وهكذا يفصل بين الزمنين الكتابي والروائي حوالي خمسين عاما ، وأرجح أن زمن الكتابة وزمن السرد ، وليس هناك دليل على أنهما زمنان مختلفان ، تركا أثرهما الكبير في النظر إلى الزمن الروائي ومحاكمته ، إذ لا يعقل أن يمتلك ( كيهات ) الكردي المولود ، مثل بركات ، في العام ١٩٥١ ، الوعي الذي بدا عليه في الرواية وهو في سن السادسة عشرة . هنا يبدو بركات مثل جبرا ابراهيم جبرا ينطق شخصيته الروائية بوعي كاتبها ، لا بوعيها وهي شابة .
ما سبق يقودنا إلى التأمل في ثلاثة أزمنة ؛ الزمن الروائي وزمن السرد وزمن الكتابة - أي زمن الشخصية ( كيهات ) - ١٩٦٧ إلى ١٩٦٨ وزمن السارد - غير محدد - وزمن الكتابة وهو ٢٠١٨ و٢٠١٩ . والفروق بين الأزمنة الثلاثة تبدو منعدمة ، ما يعني أن لا فرق بين الشخصية والسارد والروائي ، وهنا يصح ما يذهب إليه المنهج الوضعي في النقد وهو " وحدة النص وكاتبه " - أي أننا في النهاية نقرأ رواية تعبر عن رؤية كاتبها في زمن كتابتها في موضوعات عديدة أبرزها سؤال الهوية للأقليات في ظل نظام بعثي ، والأقليات هي اليهودية والكردية والأرمنية ، أقليات يجب أن تنسى هويتها الخاصة المجسدة في لغتها الخاصة وفي تراثها ، فلا يحق للكردي أن ينظر إلى الكردية على أنها لغته الأم ولا يجوز لليهودي أن يتعلم العبرية إلا في نطاق محدود يقتصر على العبادات وبعض المناحي في الدولة كالجامعات .
إن تركيز السارد وشخصياته على دوال كردي وأرمني ويهودي ومسيحي والحوارات الساخرة جدا بينها ، وسخريته من حزب البعث وشعاراته تبدو واضحة وضوحا تاما ، من ذلك على سبيل المثال الحوار الذي جرى بين كيهات الكردي وبوغوس الأرمني في أثناء قيامهما برحلة الصيد ويمكن اقتطاف النص الآتي لتبيان ذلك :
"
" أيفضل العقل الأرمني المسافات البعيدة على القريبة ؟" ، سأله كيهات.
" يفضل المسافات المضمونة " ، رد بوغوس .
" لو كنت سوريا لفضلت المسافات القريبة المضمونة " ، عقب كيهات .
أوقف بوغوس دراجته متفاجئا . تساءل :
- لو كنت سوريا ؟!!
" أعني لو لم يكن لك أي حظ في الهجرة إلى بلد آخر " ، رد كيهات يتدبر تبريرا . أردف :" السوري الحقيقي هو من لا يقدر على مغادرة هذا البلد ".
" أأنا أرمني سوري ، أم لست سوريا ، يا كيهات ؟" ، سأله بوغوس.
" أنت أرمني سوري يستطيع أن يوحد أرمينيا وسوريا ، مثل تلك الوحدة بين سوريا ومصر " ، رد كيهات .
" أنت تخلط أحيانا ، يا كيهات " ، عقب بوغوس وهو يعيد دفع دراجته بقدمه اليسرى دعسا على دواسة قيادتها .
" نحن الأكراد نخلط دائما "، قال كيهات . أردف :" لم نعد نعرف لماذا على الكردي أن يكون كرديا إلى الأبد ؟" .
" أن تكون كرديا يعني أن تكون سمكة ، أو ريحا ، أو نهرا ، أو مطارا ، أو رحلة على دراجة ، أو أن تكون أبا التعب وأمه من قيادة دراجة هوائية "، عقب بوغوس . " .
ويستمر الحوار ليسأل كيهات بوغوس :
"- أيهمك كثيرا ، يا بوغوس ، إن كنت سوريا أم لم تكن ؟"
" أيهمك أنت ؟" عقب بوغوس .
" يهمني أن أكون سوريا أحيانا ، ولا يهمني أن أكون أحيانا "، رد كيهات .
" متى يهمك أن تكون سوريا ؟ " سأله بوغوس ، فرد كيهات :
- حين تذكرني دجاجاتي أنهن سوريات .
ضحك بوغوس ذو الأنف الكبير . سأله كرة ثانية :
- متى لا يهمك أن تكون سوريا ؟
" حين لا تعترف الدولة السورية بموهبة دجاجاتي في الغناء "، رد كيهات " .
ومع أن الرواية كانت ذا عنوان يحيل إلى أقلية واحدة هي اليهود " اليهودية راحيل " إلا أن الكتابة عن معاناة الأقلية الكردية والأرمنية تحضر في المتن الروائي بالقدر نفسه . كأن بركات في زمن الكتابة بوعيه وهو في الثامنة والستين من العمر ، وبعد إقامته في المنفى ما يقارب الخمسة عقود تابع خلالها ما جرى في سورية ، كأنه يقدم خلاصة تجربته ويقدم موقفه من حزب البعث الذي تجسد منذ العام ١٩٧٠ في حكم حافظ الأسد ووريثه بشار . إنه بذلك لا يختلف عن روائي آخر هو خالد خليفة في روايته " لا سكاكين في مطابخ هذي المدينة " مع فارق أساس هو أن الأخير كتب روايته ، وهو في سورية ، عن زمن روائي بدأ في العام ١٩٧٠ واستمر عقودا ، وأنه لا يكتب عن الأقليات ، بل عن تأثير أقلية تقلدت نظام الحكم ، هي الأقلية العلوية التي حكمت الأكثرية السنية والأقليات الأخرى الباقية ، وإن كان خليفة لا يأتي على يهود سوريا إن بقي منهم أحد بعد هجرتهم التي أتى عليها بركات ، واختار خليفة حلب .
الكتابة عن الأقليات ومعاناتها انحازت من خلال العنوان الروائي إلى الطائفة اليهودية ، علما بأن الكتابة عن العائلة الكردية شغل النصيب الأكبر من الرواية ، ما يدفع إلى إثارة أسئلة عديدة حول الكتابة عن اليهود الآن ؟
هناك ما لا يقل عن ثلاثين رواية صدرت في العقدين الأخيرين احتل " دال " يهود / يهودي / اسم يهودي ، عنوانا بارزا في عتبة الرواية ، وغالبا ما تعاطف الروائيون فيما كتبوا مع شخصياتهم اليهودية ورأوا فيها ضحايا أنظمة الحكم العربية .
هل ثمة تواز بين إيقاع الأنظمة السياسية العربية التي أخذت تقيم علاقات سياسية مع دولة إسرائيل وإيقاع الأدب ؟ هل الأمر مخطط له ، أم أنه لا يعدو أكثر من اجتهاد شخصي ورغبة في التنويع في موضوعات الكتابة ، أم أنه رغبة في إعادة الاعتبار لليهود العرب والحنين إلى ماض عربي كانت فيه الشعوب العربية أكثر انسجاما مما صارت إليه تحت أنظمة شمولية دكتاتورية وفي زمن استعماري أدى إلى نشوء دولة إسرائيل ؟
في حالة بركات الذي خصه محمود درويش بقصيدة " لا بيت للكردي إلا الريح " ، بركات المتزوج من فلسطينية والذي حمل السلاح في حرب ١٩٨٢ وقاتل إلى جانب الفلسطينيين ، يقارب المرء الرواية بقدر من الحذر .
عموما تثير الرواية سؤالا عن هجرة يهود القامشلي وعدم الالتفات إلى وضعهم الخاص ، وهو سؤال ينسحب أيضا على أرمن سوريا الذين يهجسون بعد عقود من إقامتهم فيها بالعودة إلى بلادهم التي جاؤوا منها ، وعلى الأكراد الذين لم يلتفت إلى خصوصيتهم فشعروا بالاضطهاد والخوف ودفعوا ثمن عدم انضوائهم تحت راية حزب البعث الحاكم .
الكتابة تطول والمساحة محدودة .
( لعل الكتابة عن اليهود والنماذج اليهودية تحتاج إلى مقال آخر ، وقد تناولها عموما الكاتب المصري Mamdouh Elnaby في مقال موسع نشره في مجلة " الجديد " التي تصدر في لندن في العدد ٥٩ من كانون الأول ٢٠١٩ ) .
٢١ أيار ٢٠٢١

١٠
جمهور الشعر العربي وشعر مظفر النواب : بمناسبة رحيل الشاعر

أ . د عـــــــادل الأسطــــــة

لو سألت قراء الشعر العربي والمصغين إليه بصوت شعرائه عما يحفظونه من أشعار الشاعر العراقي الراحل مظفر النواب ( توفي في ٢٠ / ٥ / ٢٠٢٢ ) لكرر أكثرهم مقاطع من هجائه الأنظمة العربية وسطره " القدس عروس عروبتكم ، فلماذا أدخلتم كل زناة الليل إلى حجرتها ووقفتم تسترقون السمع إلى أصوات بكارتها " . إن عبارات مثل " أولاد القحبة " و" ما أوسخنا ! ما أوسخنا ! ما أوسخنا ! لا أستثني أحدا " تكاد تختصر شعر الشاعر كله ، وقليلون هم الذين قرأوا قصائد أخرى له في موضوعات أخرى ، وكنت في بداية حياتي ألتفت إلى الجانب السياسي في أشعاره ولم أركز على خمرباته أو رباعياته الفلسفية إلا بعد ذلك بعقدين من الزمن .
عندما قرأت قصيدته " بحار البحارين " لاحظت في بدايتها أن الشاعر نفسه يعرف أن كثيرين من قرائه يختصرونه في موضوع الهجاء ويختصرون لغته في عبارات بذيئة " يخجل منها المعجم " " يؤدي الجمل الربانية في الشعر بمفردة يخجل منها المعجم " ، وأنه أراد أن يدحض مزاعم هؤلاء ، وقد عاد لاحقا في قصائد أخرى ليعزز هذا الدحض " فقال في إحدى أمسياته " هذي القصائد لم تكتب لمناسبة .. كتبت لدهر من الحزن والتحدي - لا خوف أن يطول ما دمنا ننبض ... والأفضلون يحملون السلاح ...
اغفروا لي حزني وخمري وغضبي وكلماتي القاسية ... بعضكم سيقول بذيئة . لا بأس ! أروني موقفا أكثر بذاءة مما نحن فيه !؟" وهو ما كان قاله في " بحار البحارين " " ماذا أعمل ؟ إن أشد بذاءات العالم يزداد تألقها فوق لحاكم " .
ولو سألت هؤلاء القراء إن كانوا قرأوا رباعيات الشاعر أو خمرياته أو بعض قصائده في عتاب المدن أو الاعتذار لها ، كدمشق مثلا ، أو حتى إن كانوا قرأوا قصيدته الأولى بالعربية الفصيحة " قراءة في دفتر المطر " لأجابوا بالنفي . ربما يختلف جمهور الشعر العراقي الذي أصغى إلى مظفر يقرأ قصائده التي كتبها بالعامية وظهرت في ديوانه " للريل وحمد " ، فهؤلاء يعرفون للشاعر قصائد الحب والغزل واللوعة والحنين ، ولعلني لست مخطئا .
لمظفر النواب قصائد في موضوعات أخرى غير الموضوع السياسي نادرا ما تكررت على لسان كثيرين ممن يكررون اسمه وأسطرة الشعرية السابقة ، واللافت أنني أنا الذي بدأت علاقته بشعر الشاعر السياسي ما عدت أقرأ قصائده السياسية إلا عندما أريد أن اقتبس منها لغرض كتابة مقال ، أما أن أقرأها بشغف وإعجاب كما كنت أفعل قبل عقود فقليلا ما يحدث على الرغم من أن الواقع العربي يزداد قتامة وسوداوية وبؤسا و ... و ... . إن القصائد التي أقرأها الآن بشغف وإعجاب وأعود إليها هي قصائد العتاب أو الاعتذار أو الخمريات أو القصائد ذات الروح الفلسفية أو أبيات الحكمة ، وقد تمزج القصيدة الواحدة بين أكثر من غرض ، فتعاتب وتعتذر وتتغنى بالخمر ولا تخلو من حكمة .
وأنا أقرأ رباعيات النواب أتذكر رباعيات الخيام ، وأنا أقرأ خمرياته أيضا أشعر أنني أقرأ خمريات الشعر العربي القديم ، وكذلك اعتذارياته وعتابه .
ثمة أربع قصائد غالبا ما أقرأها بمتعة هي " باللون الرمادي " و" عتاب " و" رباعيات " و" المسلخ الدولي : باب بوابة الأبجدية " . إنها قصائد تحفل بالصور الشعرية وتغلب عليها لغة البوح التي لم تكن تظهر في قصائد الشاعر السياسية ذات النغمة الخطابية والنزعة الشعارية .
في " رباعيات " تقرأ ما تكرره غالبا ، فغالبا ما تمر بتجارب شبيهة ينصحك فيها بعض الناس بالصلاة والصوم وهؤلاء لا يعرفون من الدين إلا العبادات والشعائر ، في حين تكون ممارساتهم أبعد ما يكون عما يدعو إليه الدين :
" ما لبعض الناس يرميني بسكري في هواك
وهو سكران عمارات يسميها رضاك
يا ابن جيبين حراما ، إنني أسكر
كي أحتمل الدنيا التي فيها أراك " .
حقا من يعرف النواب من خلال أسطرة السابقة ؟
وفي " عتاب " تقرأ :
" أعاتب يا دمشق بفيض دمعي حزينا لم أجد شدو الشحارير القدامى
ندامى الأمس .. هل في الدوح أنتم ؟ أم الوطن الكبير غدا ظلاما ؟
وكان العهد إن دجت الليالي نهب إلى بنادقنا احتكاما
طربتكم وكان الصبح كأسي وأطربكم على الليل التزاما
وما مدت لغير الشعب والكاسات كفي ، وإن مدوا بغيرهما السلاما " .
و
" سلام يا ندامى الأمس ، إني محال أن أفرط بالندامي " .
وعن وفائه وتكرار تغنيه بهذه الصفة حدث ولا حرج .
أما اعتذاريته لمدينة دمشق في قصيدته " باللون الرمادي " فقد بدأها بقوله :
" دمشق عدت بلا حزني ولا فرحي يقودني شبح مضنى إلى شبح
ضيعت منك طريقا كنت أعرفه سكران مغمضة عيني من الطفح " .
وعلى غرار " أبو نواس " الذي أراد أن يتداوى من الخمر بالداء نفسه " وداوني بالتي كانت هي الداء " نجد مظفرا يقول :
" لقد سكرت من الدنيا ويوقظني ما كان من عنب فيها ومن بلح " .
تنتهي قصيدة " باللون الرمادي " بالبيتين :
" تهر خلفي كلاب الليل ناهشة أطراف ثوبي على عظم من المنح
ضحكت منها ومني ، فهي يقتلها سعارها ، وأنا يغتالني فرحي " .
إنهما بيتان شعريان يفيضان بالحكمة ، فقد تمر بتجربة مشابهة لتجربة الأنا المتكلمة في البيتين وستجد نفسك لحظتها تكررهما كما لو أنهما نص من كتاب مقدس .
ربما ما يحتاج إلى توسع في الكتابة هو تغني مظفر النواب بسمة الوفاء ، وهو تغن يقول لنا إنه يحفر في روحه عميقا .

( مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية في ٢٩ أيار ٢٠٢٢)
٢١ / ٥ / ٢٠٢٢

١١
( أفكار وموتيفات في الأدب الفلسطيني والعربي )

يافا في روايات فلسطينية وعربية :
( المقال كاملا )

عادل الأسطة

ماذا لو تفحصنا الأدبيات الفلسطينية التي كتبت عن يافا من أبنائها أو من الفلسطينيين قبل وقوع النكبة ؟
هل هناك روايات صور فيها أصحابها المدينة قبل تهجير أهلها ؟
قبل سنوات أثرت السؤال نفسه وأنا أكتب عن عكا في ثلاث روايات صدرت في السنوات الأخيرة ، وذهبت إلى أن الكتابة عن المكان في الأدب الفلسطيني قبل العام ١٩٤٨ كانت شبه منعدمة ، وهناك أسباب عديدة منها ضعف الكتابة وندرتها ، ومنها انشغال أبرز أدباء فلسطين بالأحداث التي شهدتها بلادهم ، ومنها أنهم كانوا يقيمون في المكان ولم يكونوا يتوقعون أن يهجروا منه .
وذهبت إلى أن الكتابة عن المكان الفلسطيني قبل النكبة واستحضاره بدأت تزداد في أدبيات القرن الحادي والعشرين . صحيح أن الشعراء بعد ١٩٤٨ صاروا ، وهم في المنافي ، يتغنون بيافا وحيفا وعكا ، ولكن هذا ظل ضعيفا ويكاد يقتصر على الشعر ، أما في القصة القصيرة والرواية فيكاد يكون ضئيلا ولم تكن السيرة الذاتية ازدهرت بعد .
روى اللاجئون حكايتهم ولكنهم لم يكتبوها ، وبقي الأمر كذلك حتى ثلاثة عقود خلت ، فلم نقرأ الكثير عن حيفا ويافا وعكا فيما كتب ، وإن كنا نصغي إلى أهلنا يروون عن أيامهم في مدنهم ويصفون لنا أحياءها وشوارعها ومدارسها وجوامعها وميناءها ودور السينما فيها أيضا .
وأنا أتأمل الكتابات التي أتت على يافا أخذت أنظر في زمن كتابتها والزمن المسترحع فيها ووجدت أنني أمام زمنين ؛ الزمن الكتابي والزمن الروائي ، وأخذت أيضا أنظر في السارد من يكون . أهو يسرد عن حياته أم يعيد رواية ما رواه أبوه وجده ؟ هل عاش في المدينة أم سمع من الذين عاشوا فيها ؟ وهل اعتمد في كتابته على قص الآخرين أم أنه قرأ في الكتب عن المدينة ؟
أن ترى غير ما تسمع يقولون ، وفي السرد هناك السارد المشارك الذي يروي بمقدار ما يرى والسارد الذي يسمع فيعيد سرد ما سمع ، وثمة فارق بين الساردين .
أحمد عمر شاهين ولد في يافا وغادرها وهو شاب يافع ، وأما غيره من الكتاب فلم يقيموا فيها . زارها سميح القاسم في العام ١٩٦٦ فكتب تقريرا عنها لجريدة " الاتحاد " الحيفاوية ، وزارها راشد حسين فكتب عنها في العام ١٩٦٣ قصيدته " الحب والغيتو " ، وكان الزمن الكتابي لدى الشاعرين يتطابق مع الزمن النثري والشعري . لقد كتب الاثنان عما كانت عليه يافا في تلك الفترة ، ولم تكن كتابات كثيرين من الآخرين غيرهما كذلك ، فلقد صور الآخرون ما كانت عليه المدينة قبل العام ١٩٤٨ ويمكن ملاحظة الفارق بين الزمن الكتابي والروائي / الشعري بوضوح ، وهو فارق كبير جدا ، ولا شك بأن هذا يترك أثرا على الصورة . ( أنظر مقالي في جريدة الأيام الفلسطينية " يافا في ذكرى النكبة ، ٢١ / ٤ / ٢٠١٩ ومقالي عن قصة أكرم هنية " دروب جميلة " ٢٩ / ٤ / ٢٠٠٨ و ١٠ / ٤ / ٢٠٠٨ ) .
ماذا لو نظرنا في الزمن الروائي لروايات وفاء أبو شميس " من أجل عينيك الخضراوين " وسعاد العامري " بدلة إنكليزية وبقرة يهودية ( وكلتاهما ولدت بعد العام ١٩٤٨ لأسرة لاجئة هجرت من يافا ) وإلياس خوري " كأنها نائمة"و " أولاد الغيتو " ( وهو من مواليد بيروت في العام ١٩٤٨ ) وعاطف أبو سيف " حياة معلقة " و " الحاجة كريستينا " و " الجنة المقفلة " ( وهو من مواليد مخيم جباليا أحد مخيمات قطاع غزة في العام ١٩٧٣ ) وإبراهيم السعافين " ظلال القطمون " ( وهو من مواليد قرية الفالوجة في العام ١٩٤٢ ) ؟
لقد كتبت الأعمال المذكورة في ال ١٥ سنة الأخيرة ، ولكنها كلها تستحضر يافا قبل العام ١٩٤٨ .
وماذا لو قارنا صورة يافا في الأعمال نفسها بصورتها التي تبدو يافا عليها الآن ؟
هناك تغيرات كبيرة جدا طرأت على المكان . أحياء عديدة سويت بالأرض ومطاعم ومقاه ودور سينما وصيدليات وجوامع صارت أثرا بعد عين . أين هو حي المنشية وحي العجمي وحي النزهة الذين ذكروا في الروايات وكتب عن مقاهيها ومدارسها ومشافيها ومتاجرها ؟ كيف كانت وكيف أصبحت ؟
بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ كان أبي يزور بيتهم في حي النزهة ويشرب القهوة مع سكانه اليهود وفي ثمانينيات القرن ٢٠ ذهب ليزوره فلم يجده ووجد مكانه محطة بنزين ، وحدث مثل هذا الكثير ، وقد لخص راشد حسين هذه التحولات في قصيدته :
" كانت مدينة مهنتها تصدير برتقال ... وصارت مدينة مهنتها تصدير لاجئين " وصارت طرقها عجافا حبلى بالذباب والضجر و " قلبها صامت ... أغلقه حجر " . المدينة التي رضع من أثدائها حليب البرتقال تعطش " ذراعها شلت وظهرها انكسر وقد مسخت محششة توزع الخدر " . إنه يكتب عن يافا في زمنين .
وفاء أبو شميس التي تكتب عن انتصار اللاجئة ومخيمها في علاقته بنابلس ، حتى لتبدو الرواية سيرة لانتصار ومخيمها ، تستحضر يافا من خلال ما قصه الآباء والأجداد عنها ، فتكتب ما لا يقل عن ٢٠ صفحة عن حلم العودة إلى " يافا عروس فلسطين وقلبها النابض " . تكتب عن التعليم والمدارس وتورد أغنية فيروز وجوزيف نصري " أذكر يوما كنت بيافا " وتأتي على زيارة الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري للمدينة وقصيدته فيها وتوردها كاملة . زمن النشر لرواية وفاء هو ٢٠١٦ وزمنها الروائي يعود إلى ما بعد ١٩٤٨ حتى ٧٠ ق ٢٠ وتستحضر صورة يافا قبل النكبة .
تبني سعاد العامري روايتها على مقابلات شخصية أجرتها سنة ٢٠١٨ مع " صبحي ( ٨٨ عاما ) المقيم الآن في عمان ، وشمس ( ٨٥ عاما )المقيمة في يافا " وفيها تقص عن يافا قبل النكبة بعام وتكتب تحت عناوين مثل بيارات يافا ويافا أم الغريب وستوديو صابونجيان ومقهى التيوس ومقهى المثقفين وفي الكرخانة وموسم النبي روبين وصباح الجمعة : احتفالات الكسوة من يافا إلى النبي روبين " مدينة هائجة مائجة " وبعد أن تصف المدينة قبل سقوطها تأتي على ما ألم بها تحت الاحتلال الإسرائيلي وكيف أصبحت غيتو . زمن السرد هو ٢٠١٨ وزمن الكتابة هو ٢٠٢٠ والزمن الروائي أكثره هو ما بين ١٩٤٧ و ١٩٥١ ويمتد إلى الحاضر في قفزة زمنية كبيرة جدا / فجوة من ١٩٥١ إلى ١٩٨٨ .
هل اختلف الزمن في روايات خوري وأبو سيف و السعافين ؟
وأنا أكتب عن الفلسطيني في الرواية العربية توقفت أمام رواية إلياس خوري " كأنها نائمة " ٢٠٠٧ وكتبت تحت عنوان " مرايا يافا " ، فقد أتت الرواية العائد زمنها الروائي إلى ما قبل ١٩٤٨ وبعده بقليل على المدينة ( راجع كتابي من ص ١٩٤ إلى ٢٠٨ ) .
يكتب إلياس عن يافا في لحظة غروبها ، فالمرأة البيروتية التي جاءت لتعيش في يافا رأت فيها غير ما رأته في بيروت " رائحة زهر الليمون ومشهد المنازل الفسيحة والخوف " . ويافا مدينة العطر كما سماها الناس نمت على كتفها مدينة جديدة تسعى إلى ابتلاعها تدعى تل أبيب ، يافا مدينة نساؤها قويات متسلطات يحب أهلها الحياة ولهذا ينفقون في كل عام شهرا في خيام روبين حيث يستعدون لاستقبال الخريف . " يا روبني يا طلقني " تخاطب المرأة زوجها .
عاد إلياس ليكتب عن يافا في الجزء الثاني من ثلاثيته " أولاد الغيتو " " نجمة البحر " . أقام آدم في فترة من حياته " بتل أبيب - يافو ( هكذا صار اسم فيحاء فلسطين بعد طرد سكانها منها وإلحاقها ببلدية تل أبيب )" . وعندما يمارس آدم الحب في يافا مع صديقته دالية يمارسه على قمة الصخرة المدببة
ويشعر أنه يقف في المكان " الذي قيل إنه يحمل آثار قدمي آدم بعد هبوطه من الجنة .
" أنظري إلى آثار الأقدمين . هبط آدم من الجنة العلوية فوجد نفسه في يافا " . " هكذا يؤسطر إلياس المدينة .
إن موسم روبين الذي أشار إليه تتكرر الكتابة عنه في روايات عديدة : في رواية أبو شميس ونوال حلاوة " الست زبيدة " وأفاضت الثانية في الكتابة عن مسقط رأسها وحي النزهة فيها والمواسم الشعبية وطفولتها . إن لروايتها عموما قيمة توثيقية أكبر بكثير من قيمتها الأدبية .
يسترجع رشاد أبو شاور في " وداعا يا زكرين " ٢٠١٦ مشهد زيارة أبيه وأمه يافا قبل ١٩٤٨ ، يوم كان طفلا ، لمعالجته هناك . يافا كانت مركزا يؤمه أهل الريف للعلاج وكانت أيضا مركزا للنشاط السياسي ، ففيها يلتقي محمود والد رشاد برفاق الحزب الشيوعي ، وفي يافا يتعرف على السينما ويشاهد الأفلام ، وتروق المدينة لزوجته التي تدهشها بيوت الخليل قياسا لبيوت زكرين ، فيعقب
" - سترين بيوت يافا .. يافا عروس البحر ... الله الله على يافا " .
وتندهش زينب حين ترى نساء يافا وتفتحهن وتحررهن " تنحسر أثوابهن عن أرجلهن ، ولا أغطية على رؤوسهن ، وأعناقهن مكشوفة على الصدور ، وشعرهن يتطاير في الهواء " ، وفي غرفة الفندق تقف على الشباك سارحة في منظر البحر ، فتراه قطعة من الجنة ، وتعرف سبب تردد محمود على يافا وتفضيله الحياة فيها :
" - آخ ، يا زينب آخ ! ما أحلى الحياة في يافا ! كان نفسي أدخلك إلى السينما حتى تتفرجي على محمد عبد الوهاب وهو يغني ، والنساء يرقصن حواليه في سينما الحمرا ، ... " وتكتشف زينب بعد أن رأت يافا والناس الآتي :
" - محمود ، إحنا مش عايشين " .
عاطف ابوسيف الذي هجر أهله من يافا وولد في أحد مخيمات غزة عرف يافا من حكايات اللاجئين ولم يكتف بذلك ، فقد زار أقاربه الباقين هناك وعاش بينهم فترة . كتب عاطف في غير رواية عن يافا ؛ في " حياة معلقة " التي هي رواية مخيم بالدرجة الأولى ، وكتب في " الحاجة كريستينا " وفي " الجنة المقفلة " ، وقد أنجزها كلها بعد العام ٢٠١٥ .
في صفحات عديدة من الأولى نقرأ عن يافا المدينة التي صار أهلها يطلقون اسمها على مواليدهم من الإناث ، وإحدى الشخصيات الرئيسة فيها اسمها يافا . تتمنى بعض شخصيات الرواية لو أنها عاشت في يافا ويظل اللاجئون يحلمون بالعودة إليها ويتذكرون أيامهم فيها وأسماء شوارعها وأحيائها وقصص حبهم هناك ، بل والتحاقهم بالمقاومة وتهريب السلاح للثوار . برعت الجدة في سرد القصص عن " مدينة ناهضة تشهد تطورا وإعمارا وازدهارا وتجارة واعدة " وفجأة صار أهلها لاجئين .
تحضر يافا أكثر وأكثر في " الحاجة كريستينا " ففضة / كريستينا ولدت في يافا في ١٩٣٦ ، وذهبت إلى لندن للعلاج ولما حدثت النكبة لم تعد . استقرت هناك حتى توفي صديق والدها الإنجليزي الذي تبناها ، ولما مات تخلت أختاه عنها فعادت إلى غزة .
نقرأ في الرواية فصلا عنوانه " الحياة في يافا " ( من صفحة ٥٥ إلى ٨٩ ) وفيه استفاضة عن الحياة هناك ؛ عن الصحف والمقاهي والشوارع وجمال الحياة " في يافا تبدو الحياة أحلى وألذ مما يمكن وصفه " " كان شارع بسترس في يافا يعج بالحركة ... كانت يافا أم الغريب ، فلكل غريب مكان في يافا يسكن يتزوج يعمل يبني بيتا...الأطباء يأتون ليافا للعمل فيها... " ، ومع أن قسما من أهلها أقاموا في غزة على شاطيء البحر إلا أنهم ظلوا يقولون " هادا بحر وبحر يافا بحر " .
في " الجنة المقفلة " في الصفحات ( ١١٩ إلى ١٢٥ ) تحت عنوان " الأب " يروي السارد عن علاقة الزوجين في يافا في فترة خطوبتهما : البيت في حي النزهة والتمشي في شوارع المدينة والذهاب إلى السينما والأفلام التي شاهداها . كانت الحياة مضيئة أما الآن في المخيم وبعد موت الزوج " لم يعد من تجلس معه لتتذكر تلك الأماسي في السينما في يافا ولا من تغني له أغنيات عبد الوهاب ولا ليلى مراد " . يافا هي الجنة وفقدانها هو فقدان الفردوس .
في " وريث يافا " ٢٠١٨ يختار المتوكل شخصية رجل كبير مصاب بالزهايمر ، ويتذكر هذا أيام الطفولة التي قضاها في يافا ، فيصف يافا كما كانت عليه قبل ١٩٤٨ . إننا أمام زمنين ؛ زمن القص / التذكر والزمن المسترجع ، والمعروف عن المصابين بالزهايمر أنهم ينسون ما جرى معهن في الزمن القريب فيما يتذكرون الأحداث والأماكن التي مروا بها في طفولتهم بحذافيرها . هكذا يقص أبو صبحي عن يافا قبل ١٩٤٨ بعد خمسين عاما من الهجرة منها .
تحضر يافا في رواية إبراهيم السعافين " ظلال القطمون " ٢٠٢٠ ، ولكنها تكتب عن يافا في زمن غروب مجدها واحتلالها وسقوط أحيائها وضياعها وتشرد أهلها . تأتي الرواية على زمن يافا العامر حيث الصحافة والمدارس والسينما والازدهار التجاري ، فتذكر أسماء الشوارع والأحياء ودور السينما والصحف وتصف ما تعرضت له من هجمات في ١٩٤٨ . إنها في ذلك لا تختلف عن مجمل الأعمال السابقة من قصة " دروب جميلة " ٢٠٠٧ حتى " بدلة إنكليزية وبقرة يهودية " ٢٠٢٠ ، واللافت أن هذه الأعمال معظمها لم تصف المدينة في ٥٠ و٦٠ و ٧٠ و ٨٠ القرن ٢٠ ، وهنا يأتي السؤال :
- ماذا لو هييء ليافا كاتب روائي من أبنائها ممن بقي في النصف الثاني من القرن ٢٠ مقيما فيها ؟
من المؤكد أن صورتها في هذه السنوات ستكون مختلفة تماما عن صورتها قبل العام ١٩٤٨ ؛ الصورة التي ظهرت في الروايات التي أشرت إليها .
الموضوع ما زال بحاجة إلى مساءلة !!
( ملاحظات :
عرفت أن أيمن السكسك من يافا كتب باللغة العبرية رواية عن يافا في ٢٠١٠ ونقلت في مصر إلى العربية في ٢٠١٤ ولم أحصل عليها .
أصدر مؤخرا عبد القادر السطل المقيم في يافا رواية " عاشق البيارة " وصدرت عن الدار الأهلية في الأردن ولم أحصل عليها ، ولعبد القادر كتاب مصور عن يافا يعرف بها .
- لفت نظري الكاتب توفيق فياض Tawfik Fayad إلى رواية دعاء زعبي الخطيب " جوبلين بحري " إذ تجري بعض أحداثها في يافا . جزيل الشكر )

المصادر :

١ - أحمد العارضة ، خلل طفيف في السفرجل ، ٢٠٢٢ .
٢ - أحمد فضيض ، صباح الخير يا يافا . لم أحصل عليها .
٣ - أسماء ناصر أبو عياش ، يافا أم الغريب ، ٢٠١٩ .
٤ - أكرم هنية ، دروب جميلة ، ٢٠٠٧ .
٥ - أنور حامد ، يافا تعد قهوة الصباح ، ٢٠١٣ .
٦ - إبراهيم السعافين ، ظلال القطمون ، ٢٠٢٠ . د. إبراهيم السعافين
٧ - إلياس خوري ، أولاد الغيتو : نجمة البحر ٢٠١٨ و كأنها نائمة ٢٠٠٥ . Khoury Elias
٨ - أيمن السكسك ، إلى يافا ، ٢٠١٠ بالعبرية .
٩ - باسم الخندقجي ، أنفاس امرأة مخذولة ، ٢٠٢٠ .
١٠ - جميل السلحوت ، أميرة ، ٢٠١٥ ( تأتي بإيجاز على يافا وتقص عن القدس أكثر وعن ريف يافا - بيت دجن ) جميل السلحوت
١١ - راشد حسين ، الحب والغيتو ، ١٩٦٤ كمال حسين اغبارية
١٢ - رشاد ابوشاور ، وداعا يا زكرين ، ٢٠١٦ .
١٣ - سعاد العامري ، بدلة إنكليزية وبقرة يهودية ، ٢٠٢٠ والترجمة العربية ٢٠٢٢ .
١٤ - سميح القاسم ، إنها مجرد منفضة ، ٢٠١١ . نبيه القاسم
١٥ - سمير إسحق ، الجرح وطريق العودة والطريق إلى يافا . طبعت الأولى قبل ٨ سنوات والثانية قبل عام ولم أطلع عليهما . Samir Ishaq والكاتب من مواليد يافا وكتب عنها من مرويات أبوه عنها فهو يقيم في الأردن لا في يافا .
١٦ - عاطف ابوسيف ، حياة معلقة ، ٢٠١٥ والحاجة كريستينا ، ٢٠١٦ والجنة المقفلة ، ٢٠٢١ .
١٧ - عبد القادر السطل ، عاشق البيارة ، ٢٠٢٣ . Abed Elkader Satel
١٨ - غسان كنفاني ، عائد إلى حيفا ، ١٩٦٩ .
١٩ - المتوكل طه نزال ، وريث يافا ، ٢٠١٨ . Mutawakel Taha Nazzal
٢٠ - نوال حلاوة ، الست زبيدة ، ٢٠١٥ . Subhi Qahawish
٢١ - وفاء أبو شميس ، من أجل عينيك الخضراوين ، ٢٠١٦ .
Wafa Abushmais
٢٢ - يحيى يخلف ، راكب الريح ، ٢٠١٦ .

٢١ و ٢٢ و ٢٣ و ٢٤ و ٢٥ و ٢٦ / ٥ / ٢٠٢٣ .
من الأحد حتى الجمعة .

١٢
غزة ( ٢٢٨ ) :
غزة في زمني الحرب والاشتباك

في الخامسة مساء خرجت من الشقة أتمشى ، وفجأة وجدتني أكرر سطر محمود درويش :
" وغزة لا تبيع البرتقال لأنه دمها المعلب "
وأعقب عليه بعبارة ، وسؤال وجهته مرة لجارنا المحامي الغزاوي المرحوم أبو نزار :
" هذا إن بقي في غزة برتقال .
هل بقيت يا " أبو نزار " في غزة بيارات برتقال ؟ "
عندما كتب درويش قصيدته في العام ١٩٧٣ كان قطاع غزة يصدر البرتقال إلى بقية مدن فلسطين ، وكان عدد سكانها يصل بالكاد إلى ثلاثمائة ألف فلسطيني ، وعندما سألت " أبو نزار " بلغ العدد مليونين . ازداد البشر واتسع العمران وتضاءلت مساحات الأراضي وقلت البيارات ، والآن وأنا أكتب سوى جيش الاحتلال الإسرائيلي المباني بالأرض وجرف الأراضي الزراعية واستمتع بعض جنوده ببعض حبات برتقال .
وأنا عائد إلى الشقة تصفحت موقع مخيم النصيرات وقرأت ما كتبه Osama Abu Asi عن عقوق الوالدين مجسدا في حكاية رجل طرد أمه وأخواته من بيته ، فهمن يبحثن عن مأوى يؤويهن .
ليس ثمة هدنة منذ أشهر ، فالحرب سجال وذهبت أمنيات أسامة ابو عاصي مع الريح .
غير مرة كتبت عن قصة غسان كنفاني " الصغير يذهب إلى المخيم " أو " زمن الاشتباك " وتمييزه بين الحرب والاشتباك .
الحرب لما تنته وقد أتت على الأخضر واليابس والبشر ودمرت كل ما بناه الغزيون منذ عقود .
عندما تنتهي الحرب سيتواصل زمن الاشتباك وقد يستمر عقودا .
الإسرائيليون والعالم تحدثوا مطولا وخططوا كثيرا لليوم التالي للحرب ، ولم يفكر أحد ، في هذه الدنيا الرثة ، في حياة أهل غزة في زمن الاشتباك .
هل بدأت الحرب في الضفة الغربية تتدحرج ؟
اليوم ارتقى سبعة شهداء أكثرهم لا ينتمي لفصيل مقاوم ولا يحمل السلاح . اليوم ارتقى الطبيب الاختصاصي وتلميذ المدرسة والباحث عن فرصة عمل و ... و .. ولا أحد يعرف ما سيلم بنا ، على الرغم من أنني شخصيا أردد :
- إننا ذاهبون إلى جنوب أفريقيا . شاء من شاء وأبى من أبى و " اللي مش عاجبه يشرب من البحر الميت " ، ويبدو أنني بعد عشرين عاما من وفاة الرئيس الفلسطيني الذي خرب بيتنا ب " أوسلو " ، حتى يصبح رئيسا يمشي على السجاد الأحمر ، يبدو أنني صرت عرفاتيا ! يبدو !
٢١ / ٥ / ٢٠٢٤ .

١٣
غزة تموت جوعا :

أصغي إلى مراسل إذاعة " أجيال " محمد الأسطل يصف الوضع في في غزة ، فأتذكر قول كفار قريش : أنأكل الطعام وبنو هاشم جوعى ؟ .
وأنظر في الماسنجر . مقطع فيديو أرسله لي صديق يبدو فيه بعض سكان قطاع غزة أمام التكايا وبأيديهم الطناجر . وجوه شاحبة لهياكل بشرية ومنهم من لواه الجوع من حيث أمه كما وصف الشنفرى الصعاليك . معد الشريط رسم عليه سطر الشاعر العراقي مظفر النواب :
" قدمي في الحكومات في البدء والنصف والخاتمة " .
ومذيعة أجيال بدأت نشرتها بالقول :
خيبة أمل تبدو على وجوه أهل قطاع غزة .
أمس قرأت منشورا للكاتب شجاع الصفدي يخاطب فيه الغزاويين بأن لا يجاملوا أحدا من خارج قطاع غزة إن أراد أن ينظر عليهم أو أن يقدم لهم نصائح أو .. "أيها الغزاوي كن بذيئا ولا تبالي بحق أي شخص من أي كوكب يريدك أن تموت ويرقص على جثتك ويتباهى ، كن بذيئا بما أوتيت ، واختر أقذر حذاء لديك واصفعه على فمه ليخرس ...." .
حسب موقع دووز Dooz في الساعة السابعة والنصف صباحا فإن " 24 قمرا ارتقوا منذ فجر اليوم " .
حالة تعبانة يا الله !
٢١ / ٥ / ٢٠٢٥

( بعد ساعتين ونصف من كتابة المنشور ارتفع العدد إلى ٤٢ شهيدا )

١٤
هوامش من وحي ما يجري في غزة :
على هذه الأرض ما يستحق / ما لا يستحق

عادل الأسطة

في تتبعي لروايات ثلاث صدرت في ٢٠٢٤ و ٢٠٢٥ ، هي " نص اشكنازي " لعارف الحسيني Aref F. Husseini و " منزل الذكريات " لمحمود شقير و " القبر رقم 49 " ل عاطف ابوسيف ، التفت إلى نهاياتها . لم يقم الأولان في حرب طوفان الأقصى في قطاع غزة وأما الثالث فعاش أجواء الحرب قبل أن يخرج من غزة في اليوم ال ٨٦ منها .
كتب الأولان عن القدس وأشارت إحدى شخصيات شقير إلى الحرب إشارات عابرة ، وكلاهما كتب عن بيئته وعن هموم تخص زمنه والمرحلة العمرية التي يعيشها في زمن الكتابة ، فيم كتب أبوسيف عن الحرب التي عاش جزءا من وقائعها . ولقد أتيت في مقالات سابقة على نهايات الروايات الثلاث . ( من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات ، الأيام ٨ / ١٢ / ٢٠٢٤ و هوامش من وحي ما يجري في غزة : " القبر رقم 49 " الأيام ٤ / ٥ / ٢٠٢٥ ) .
الفارق في نهايات الروايات له ، ولا شك ، علاقة بالمكان الذي يقيم فيه الروائيون والحالة التي هو عليها ، علما بأن القدس وغزة جزء من بلد واحد هو فلسطين ، وكلاهما يعاني من ويلات الاحتلال ، وإن بدرجات بدت منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ واسعة ولا مجال فيها للمقارنة .
ما الذي أعادني إلى نهايات الروايات ثانية ، مع أن كتابتي عنها قريبة العهد ؟
ما من صباح لم أصغ فيه إلى بعض الإذاعات المحلية يردد مذيعوها أو مقدمو برامجها سطري محمود درويش :
" ونحن نحب الحياة اذا ما استطعنا إليها سبيلا "و " على هذه الأرض ما يستحق الحياة " ، ونادرا ما كرر هؤلاء سطره :" تضيق بنا الأرض تحشرنا في الممر الأخير " ، والذين كرروا السطر الأخير ولم يكرروا ، في الحرب ، السطرين الأولين هم أكثر سكان غزة ، فحياتهم صارت جحيما لا يطاق ، وقد عززت النصوص والشهادات التي قرأتها للكتاب المقيمين هناك ، وما زالوا . هذا الرأي غير المبالغ فيه صادر عن قسوة اللحظة التي يعيشون - فثمة نزوح متواصل بلغ لدى قسم منهم النزوح الخامس عشر ، وثمة فقدان لبعض أفراد العائلة ، وثمة فقدان للبيت وافتقاد لطقوس الحياة اليومية ، وثمة رعب يومي وقلق لا نهاية له على ما يبدو ، وثمة جوع ونقص في العلاج ، وثمة وثمة وثمة الكثير مما يعرفه كل من يتابع حياة الغزيين يوما يوما وساعة ساعة ، بل ويلاحظه من يتابع وجوه أصحابه ومعارفه من خلال صورهم قبل الحرب وفي أثنائها . لم ألتق شخصيا بالكاتب طلعت قديح الخمسيني ، ولكني عرفته من صوره قبل الحرب وبعدها . لقد كان بضا ممتلئا وسيما ، وخلال أشهر الحرب بدا شبحا ، ولو كنت شاعرا يجيد الوصف لكتبت فيه شعرا على غرار الشعر الذي كتبه الشنفرى في الصعاليك الذين لفظتهم قبائلهم فجاعوا وهاموا في الصحراء ملاحقين مطاردين يبحثون عن الطعام فلا يجدونه ، فآلوا هياكل يستنجد بعضهم ببعض وكلهم نظائر نحل .
هل خلت كتابات الغزيين في الحرب من أسطر درويش ؟ هل كرروها كما هي ، لأنهم يحفظونها ؟ هل عارضوها ؟ هل سخروا ممن يردد قسما منها ؟
لقد غدا السطران الأولان لازمة تتكرر على ألسنة فلسطينيين كثر ، بمناسبة ودون مناسبة ، ولم يتكرر السطر الثالث إلا في فترات الضيق الناجم عن حصار ، أو على لسان متشائم يضيق ذرعا بهذه الحياة . وممن التفتوا إلى الظاهرة الروائي عباد يحيى في روايته " رام الله الشقراء " حين كتب تحت عنوان " في استغلال الغياب " :
" قد أتغاضى عن التعامل مع درويش كمشاع للجميع ... .
" على هذه الأرض ما يستحق الحياة " .
أرى هذه العبارة بمثابة لوغو / شعار لرام الله ومشاريع السلطة . كأن نظام الكون سيختل إن لم تحضر هذه العبارة في كل شيء هنا ، بدءا بخطابات الساسة وانتهاء بالإعلانات التجارية لأي متجر تافه .
في كثير من الأحيان أرى العبارة أصلح ما تكون شعارا لحملة للحد من حالات الانتحار " . ( صفحة ٤٢ ) .
في ٣١ / ٥ / ٢٠٢٤ كتب طلعت قديح شهادة عن الحرب نشرها عاطف ابوسيف في كتابه " استعادات مقلقة : يوميات غزة " ( ٢٠٢٥ ) عنوانها " حياة لاجيء بين المعاناة والتأمل " أتى فيها على الحرب والكرامة والطوابير وتساءل إن كان ما حدث في ٧ أكتوبر يستحق أن يحدث ما بعده . كما تساءل : إلى أين ؟
انعدمت الخصوصية وقصف بشر يسكنون الخيام وصار المرء يتوقع أن يدفع حياته ثمنا لزيارة عابرة لبيته وينهي شهادته ، وهذا هو بيت القصيد ، بالسطر الآتي :
" وأنا مطرق رأسي نحو الأرض ، يسألني أحدهم : ما رأيك فيما قلنا ؟ أجبت متنهدا :
هل على هذه الأرض ما يستحق الحياة ؟! " .
في ٢٣ شباط ٢٠٢٤ كتب شجاع الصفدي المقيم في غزة الفقرة الآتية :
" " على هذه الأرض ما يستحق الحياة " كتبها درويش بينما كان يجلس في مقهى باريسي هاديء . لا تصدقوا أحدا غير الذي يكتوي بالنار ، أما الباقي محض خرافة " .
على نقيض كتابة طلعت وشجاع تكتب الروائية إيمان الناطور في ١٥ / ٩ / ٢٠٢٤ تحت عنوان " وردة من أجل النجاة " .
تتذكر الكاتبة الفتى بائع الورد وتتذكر منظر شاب يقدم لأمه التي فقدت أولادها ، ولم يبق لها سواه ، الوردة ، وتستغرب " كبف أن الناس مازالوا يحاولون أن يفرحوا بإصرار ، ما زالوا يبحثون عن الحب بإصرار ، ما زالوا يبقون تحت الأنقاض وتوابيت الموتى عن أي بهجة " .
وتنهي شهادتها التي وصفت فيها قسوة الحياة في الخيام بحب زوجها ممدوح لها ، إذ يحضر لها القهوة رغم ندرتها :
" صمت ، فارتميت في حضنه ، وصوت محمود درويش يتردد صداه في جنبات روحي ..
ونحن نحب الحياة اذا ما استطعنا إليها سبيلا . " .
( كتابة المقال الأربعاء والخميس ٢١ و ٢٢ / ٥ / ٢٠٢٥ )
( دفاتر الأيام الفلسطينية ٢٥ / ٥ / ٢٠٢٥ )

١٥
سنرجع يوما إلى حينا :

فيروز هذا الصباح تغني " سنرجع يوما إلى حينا " . هذا لسان حال المنفيين ، أما لسان حالنا نحن الباقين فربما هو لسان حال محمود درويش :
" نحن في لحم بلادي هي فينا " .
نحن والإسرائيليون والزمن الطويل . من سيصمد حتى النهاية ؟ نحن أم هم ؟ من سيقوى على البقاء في هذه البلاد القاسية ، وربما تذكرنا ثانية ما كتبه محمود درويش في مديح الظل العالي :
" ولدت قرب البحر ، من أب مؤابي وأم فلسطينية.......أنا الحجر الذي شد البحار إلى قرون اليابسة " - إن لم تخني الذاكرة .
هذا الصباح وفي آيار شهر الخروج ، نكرر :
سنبقى يوما يوما في بلادنا ، وسنرجع يوما إلى حينا ، هناك في الداخل ، وتفاءلوا بالخير تجدوه ،ولو أن الأمور صعبة وقاسية .
سنرجع يوما إلى حينا ، على إيقاع الأغنية أخربش.
٢٠١٤

١٦
نابلس هادئة هذا المساء

كانت نابلس هادئة هذا المساء . منذ الصباح لم أغادر منزلي . في الخامسة قذفني الضجر إلى خارج الشقة ، فقلت أذهب إلى المدينة ، وأرى ما هي عليه . أرى البشر وحركة الأسواق .
مرة قال لي زميل صديق :
- اجتنبوا السير في الأسواق ، ولم أتذكر يومها الآية ( ما لهذا الرسول يأكل الطعام و يمشي في الأسواق ).
ذرعت البلدة القديمة وسرت باتجاه غربها . الأسواق هادئة تماما ، ولا مجال لأن تردد سطر محمود درويش" والموت يأتينا بكل سلاحه البري والبحري والجوي ".
الباعة يقفون قرب بضاعتهم وقد يتعاورون الحديث ، ولأن حركة الأرجل قليلة ، فالمشترون غائبون ، لم ترتفع الأصوات التي يصغي إليها المرء حين تكون الأسواق مزدحمة .
الشمام والبطيخ والكرز والدريق والفراولة والتفاح والخيار والبندورة والذرة ، ولا زبائن في المساء ، وأترحم على أبي ولغته المجازية . أبي يفضل الشمام على البطيخ . يسحره الشمام اليهودي .
في شتوتجارت في آيار 1991 أحضر لي الألمان ، من خلال عربنا ، البطيخ والشمام ، ليعرفوا ماذا أفضل . هل أنا ابن أبي ؟
أسير في شوارع المدينة ، وأذهب إلى شقتي غربها لكي أنظفها ، فاليوم هو الأربعاء ، وهو موعد مسحها .
أشرب الشاي ، وأجلس على الشرفة أتأمل نابلس وأتأمل الكنيسة التي ستهدم بعد فترة لبناء مدرسة مكانها . أستمع إلى أم كلثوم تغني . عجيبة هذه الأم كلثوم . إنها كما كتب محمود درويش " إدمان الوحيد ".
ماذا أفعل ؟
أشرب الشاي وأغادر إلى وسط المدينة . وسط المدينة هو قلبها . نابلس ، القدس،عكا ، دمشق ، بامبرغ ، روتنبرغ ، فرايبورع .
يا له من مكان ساحر وسط المدينة!
أذرع المدينة من غربها إلى شرقها ، والشوارع شبه خالية ، والمحارب/البائع يستريح .
نابلس هادئة في المساء والبطيخ والشمام على قفا من يشيل ، وأتذكر أبي .
ولا شمام آخر في شوارع المدينة ،
هادئة كانت نابلس هذا المساء ، والباعة ينتظرون بداية الشهر على أحر من الجمر ، وينتظرون أن يبدأ التدريس في الفصل الصيفي ، فالمدينة ، بلا جامعة ، خواء ، والحركة التجارية ميتة ، وكل شيء في المدينة ، بلا جامعة ، ميت .
٢٠١٤

١٧

أدباء شهداء ...أديبات شهيدات 9 :
آمنة حميد

عادل الأسطة

لم أقرأ لآمنة حميد ، وحين نظرت في صفحتها في الفيس بوك لاحظت أنها عرفت نفسها بالآتي :
أديبة وكاتبة تعمل بالإعلام . ناشطة سياسية ومجتمعية مدافعة عن نساء فلسطين . لها مجموعة شعرية عنوانها " شغب طفولة " .
وعرفت أنها من مواليد ٢٨ / ١ / ١٩٩٠ وقد عرف بها في كتاب " الإبادة الصحفية " الذي يسرد تسع قصص لصحافيين شهداء هي منهم ، علما بأن محرره الباحث والصحافي صالح مشارقة وثق ل ١٢٥ صحافيا .
آخر منشوراتها قبل يوم من استشهادها في ٢٤ / ٤ / ٢٠٢٤ هو :
" اللهم لك الحمد والمنة
اللهم أنت الأمل وفيك الرجاء وحدك لا شريك لك
أكرمنا الله بعزته أن نظل في مدينة غزة ، وشرفنا الله بأن يكون لنا عشرات الأسهم لأجل الله وفي سبيل الله منه القوة والصبر ولأجل الله يهون كل صعب .

200 يوم على الحرب .
٢٣ / ٤ / ٢٠٢٤ .
وفي ٥ / ٤ / ٢٠٢٤ كتبت :
" التاريخ لا يمنح صحائفه للأيدي الواهنة " .
كانت آمنة أدرجت في ١٢ / ٣ / ٢٠٢٤ في صفحتها ما كانت تنشره في موقع ( gazastory .com ) تحت لافتة " حكايا غزة " :
" مطر وطين وصغار بأقدام حافية ! " و " فرن أم جلال في مركز الإيواء بغزة " و " شهداء مجهولي الهوية وأطفال بمستقبل مجهول " و " طعام بنكهة الجنة في ليالي الحرب " و " قبر يحتضن جورية في مشفى الشفاء الطبي " و " رف التخزين يتحول سريرا " و " ولادة في خاصرة الحرب وإصابة بلا طبيب " .
وكتبت في ٩ / ١١ و ١٣ / ١٠ / ٢٠٢٣ فقرات قصيرة منها :
" لا يرتحل الشهداء بوداع مرتب وتكتيك منظم ، إنما يرحلون أفواجا صوب الجنان . تقبلكم الله في عليين وربط على قلوب أحبتكم " .
اما في ٧ أكتوبر فكتبت منشورا تقدمت فيه بجزيل الشكر والعرفان والتقدير لكل من تواصل معها من أجل التهنئة بوضعها مولودتها ضحى التي ارتقت معها ومع البكر مهدي بتاريخ ٢٤ / ٤ / ٢٠٢٤ .

لعل تقاريرها الواردة عناوينها آنفا تستحق أن يلتفت إليها ، وللأسف فإنني حتى اللحظة لم أتمكن من الوصول إلى الموقع .
٢١ / ٥ / ٢٠٢٥

٢١ / ٥ / ٢٠٢٦

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى