علجية عيش..الإسلامائية المعاصرة

هل كان مالك بن نبي إخوانيا؟

سؤال قد يخضع إلى التأويل بل التمييع ، و قد يقول قائل أنها محاولة لإحياء فتنة نائمة، الهدف منه تسليط الضوء على بعض المصطلحات القليلة التداول في النقاشات الفكرية ، كمصطلح "الإسلامائية المعاصرة" التي أسّسها الإخواني حسن البنّا في الثلاثينات و تنوع تياراتها حيث بات من الضروري الإعتقاد أن حل مشكلة المسلمين ينحصر في بناء دولة إسلامية و هو ما عبروا عنه في مصر بشعار " الإسلام هو الحل"، و قد تطرق إليها الدكتور محمد شاويش عندما تحدث عن العلاقة بين مالك بن نبي و الإخواني حسن البنّا و لا يقصد بالعلاقة تواجد شخصين في مكان و زمان واحد باستمرار، و إنما هي علاقة تقارب فكري بين مفكر و آخر او منظر و آخر مهما باعدت بينهما المسافات، فهذا الموضوع بالذات حساس جدا، و من باب الشغف اخذت من مكتبتي المنزلية مذكرات الدعوة و الداعية للإمام الشهيد حسن البنا، و قد وقفت على تقارب أفكارهما في قضية "النهوض في سبيل النهضة، فمالك بن نبي تحدث في بحوثه أن التربية تعتبر واحدة من دعامات النهضة، و كان هذا موقف حسن البنّا، يقول حسن البنا في الصفحة 130-131 من مذكراته: " يجب أن تكون التربية دعامة النهضة فترى الأمة أولا و فهم حقوقها تماما و تتعلم الوسائل التي تنال بها هذه الحقوق و تربى على الإيمان بها ، و يقول لا نهوض لأمة بغير خُلُقٍ ، إن نهضتنا لا تزال مبهمة لا وسائل و لا غايات و لا مناهج و لا برامج، كل ما في الأمر تطاحن على الحكم و تهاتر بالألفاظ
699650646_26865383476456656_4456738352381822031_n.jpg

هكذا ربط مالك بن نبي بين التربية و الحضارة
يرى مالك بن نبي أن التجديد هو عملية تربوية لها آلياتها، فقد اعتبر مالك بن نبي مشكلة الإنسان التربوية هي الأصل في أزمة الحضارة الإسلامية، يقول مالك بن نبي: " ليس الهدف من التربية أن تعلم الناس أن يقولوا أو يكتبوا اشياء جميلة لكن الهدف ان يتعلم كل فرد فنّ الحياة مع زملائه، يعني ان نعلمه كيف يتحضر ( وردت هذه العبارة في كتابه ميلاد مجتمع) و هي وسيلة فعالة لتغيير الإنسان و تعليمه كيف يعيش مع أقرانه، و نستنتج أن مالك بن نبي ربط بين التربية و الحضارة إذ يرى أن التربية أفرغت من محتواها الحضاري، الفرق أن حسن البنا يربط الترببة بالزعامة من أجل النهوض فيقول: أما الزعامة فيجب ان تختار و تنتقد حتى إذا وصلت إلى درجة الثقة، و يجب ان يكون الزعيم زعيما تربى ليكون كذلك ، لا زعيما خلقته الضرورة و زعمته الحوادث فحسب أو زعيما حيث لا زعيم، في حين لا يتحدث مالك بن نبي عن "الزعامة" و لا ترد هذه الكلمة في بحوثه، و هنا نقف على الفرق بين حسن البنّا و مالك بن نبي ، الأول تبنى المنهج السياسي لأن مطالبهم كانت الوصول إلى الحكم و بناء دولة إسلامية ، و الثاني (أي مالك بن نبي) اتخذ من المنهج العلمي و الفكري الحضاري مسلكا لبناء الإنسان، كما نلاحظ الإختلاف بين مالك بن نبي و حسن البنا هو أن مالك بن نبي لم يضع تصورا واضحا لهذه المدرسة ( مدرسة الإخوان) سواء في كتابه شروط النهضة أو كتابه وجهة العالم الإسلامي، رغم أنه كان ملما بأفكار عصر النهضة

كيف يحدث الإصلاح الحضاري؟
لقد تحدث كثير من المفكرين و الفلاسفة عبر مختلف العصول عن هذه المسألة و من بينهم المفكر الإسلامي محمد إقبال، فهذه الإصلاحات تقوم على أسس روحية يفرزها القرآن، و أخرى علمية و منطقية و تاريخية، لأن الإنسان بتركيبته البشرية و اختياراته الضالة كثيرا ما يوقع نفسه في الهلاك، فهو جزء من العالم خلقه الله و وهب له العقل و قوة الإرادة و العزيمة، كانت هذه نظرة محمد إقبال الذي قال : إن الإنسان بدن و نفس ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون) بينهما انسجام و تكامل، كل منهما يتحرك و ينشط و يؤثر في الآخر و هما معا يشكلان الشخص الذي تجتمع فيه الوحدة مع الكثرة،،، من وجهة نظر محمد إقبال فإن التغيير يعني الإصلاح و التجديد و قد ذهب في ذلك باحثين آخرين منهم الدكتور جيلالي بوبكر بأن الإصلاح و التجديد يقتضي بأن أيّ إصلاح مرتقب و أي تجديد منتظر في حياة الإنسان الفكرية و الإجتماعية لا يحصل إلا إذا بدأ التغيير فعلا و حقيقة في النفس، بحيث يسترجع قوتها و إلهامها و جمالها و تجدد حياتها الروحية بتجديد صلتها بمبادئها و تمسكها بها، و يؤكد الدكتور جيلالي بوبكر أن الحضارة لا تبنى خارج التغيير الذي لابد أن يكون في نفس الإنسان ثم يتحول إلى خارج الذات، فالمسلم عند محمد إقبال هو منبع التغيير و التجديد والإصلاح في التاريخ و مصدرالسعادة في العالم، لا يسع المجال للإشارة هنا إلى رؤية الدكتور جيلالي بوبكر لمفهوم الإصلاح و نظرية الحضارة في فلسفة محمد إقبال " وهو عنوان حمل كتابه و جاء باسلوب مشوق جدا يجعل القارئ أسيرا له لما يحمله من معاني سامية للإنسان المسلم الذي على عاتقه رسالة ربانية في النهوض بالأمة.

يقول محمد إقبال أن هناك فهم خاطئ من المسلمين للإسلام نفذ إليهم بمخالطتهم لغيرهم و تمكّن منهم بسبب ركودهم و موقفهم في تدبّر معنى الإسلام أمام خطورة المرحلة، أما التجديد عند مالك بن نبي فهو مبادرة تغير الإنسان والأفكار و الأشياء بما ينسجم مع القوانين و السنن في الطبيعة، كما لا يؤمن مالك بن نبي بالتكديس، أما الإصلاح عنده يعني إزالة المفاسد و العودة إلى حقل الحضارة كما يعني البعث و الإحياء و هو في جميع الحالات شرط لقيام الحضارة و بناء المجتمع، و كما سبق ذكره ، فإن مالك بن نبي عندما اصدر كتاباته الأولى التي صاغ فيها نظريته حول شروط النهضة في نهاية الأربعينيات كان الخطاب الإسلامي قد بلوره الجيل الأول من مدرسة الإخوان المسلمين ( عبد القادر عودة)، فمالك بن نبي رأى أن الصراع اليوم هو صراع إيديولوجي و فكري ما جعله ينطلق من فكرة جوهرية هي ان العالم اليوم يتجه إلى المفهومية ( الإيديولوجية) و هو ما خلص إليه الدكتور عبد القادر بوعرفة من جامعة وهران ليوضح أهمية إعداد الإنسان، نستخلص مما جاء في أعمال هؤلاء الكتاب و الباحثين ان المشروع النهضوي عند مالك بن نبي قائما على التحليل العلمي و العقلاني لظاهرة التخلف الحضاري الذي تعيشه الأمة وعدم فهم المسلمين للإسلام مقدما في ذلك التجربة الصينية و اليابانية، و خلاصة القول أننا اليوم في حاجة ماسة إلى تجديد خطابنا الإسلامي و السياسي لتحقيق المشروع النهضوي و الحضاري و بناء مجتمع سليم .
علجية عيش بتصرف

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى