المقاهي إبراهيم أومغار - مقهى العبدي

أقف اليوم على أعتاب "باب دكالة" متوجهاً نحو "السقالة"، وفي صدري غصة لا يمحوها إلا رذاذ البحر الذي يبدو أنه الوحيد الذي ما زال يتذكرنا كما كنا. نفس الموج، نفس الرائحة الأزلية، لكن الوجوه والمشاعر تغيرت؛ كانت خطواتنا خفيفة ونحن نركض بين "زنقة ..." و"درب ...."، نطارد كرة من قماش ونضحك بلا سبب، وكأن العالم بأسره كان يتلخص في تلك الأزقة الضيقة التي بدأت اليوم تضيق علينا، أو ربما نحن الذين فقدنا القدرة على احتوائها.
أتلمس جدران المدينة القديمة، ف أشعر وكأن "ممحاة" باردة تمر على شريط ذاكرتي . من "الدربوز" الذي شهد أولى خطواتنا، إلى "دروج صانديو" التي كانت مسرحاً لمغامراتنا الكبرى، وصولاً إلى "مقهى العبدي" الذي رأيته اليوم يُهدم أمام عينيّ ليتحول إلى شيء آخر هجين لا يشبهنا.. كل حجر يسقط هو قطعة من روحي تتلاشى. لم تكن تلك الأماكن مجرد نقاط جغرافية، بل كانت "أرشيفاً" للحكايات واللقاءات التي لا تحتاج لموعد، واليوم يُقتلع هذا الأرشيف ليُغرس بدلاً منه إسمنت "البزنس" الذي لا يرى في المكان إلا أرقاماً واستثمارات.
نحن جيل الستينات والسبعينات والثمانينات وحتى التسعينات، جيل "النية" والقلب الصافي، نجد أنفسنا اليوم في مواجهة غربة قاسية داخل ديارنا. لم تتغير الجدران فقط، بل حتى اللكنة الصويرية الرزينة التي كانت تميزنا بدأت تذوب في ضجيج الحداثة، واستُبدلت " الصريبات" و"الشبيكات" على الشاطئ بجمود الشاشات وعزلتها. كأن المدينة تعلمت لغة جديدة ونسيت لهجتنا الدافئة التي كانت تملأ الفضاء بالصدق.
ما يؤلمني ليس التقدم، فأنا لا أرفض التطور، لكني أرفض هذا النسيان الممنهج؛ أن تتحول الأماكن التي صنعت وجداننا إلى مجرد صور باهتة، أو أن تُمحى ملامحنا كأننا لم نمر يوماً من هنا. عندما رأيت مقهى العبدي يتهاوى، أحسست أن كل تلك السنوات من الشباب والطفولة طارت في لمح البصر. نحن لا نطلب إيقاف الزمن، بل نرجو أن يُترك لنا جدار أو زاوية تشهد بأننا كنا يوماً جزءاً من هذه الحكاية. الصويرة اليوم لم تعد تعرفنا، ونحن أيضاً صرنا نحملها في قلوبنا كوطن مفقود، أكثر مما نجدها في شوارعها التي صارت غريبة عنا.
إبراهيم اومغار

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى