يحيى بركات - كان 2026… حين أصبحت السينما آخر مكانٍ يختبئ فيه ضمير العالم

ليلٌ دافئ على شاطئ الريفييرا الفرنسية.
الهواء خفيف. البحر ساكن. وأضواء “لا كروازيت” تلمع كأن العالم ما زال يعرف كيف يبدو جميلًا.
سيارات سوداء طويلة تتوقف أمام قصر المهرجانات. نجوم يلوّحون للكاميرات. ضحكات خفيفة. فساتين تتحرك ببطء فوق السجادة الحمراء، كأن لا شيء يحدث خارج هذه المدينة الصغيرة المطلة على المتوسط.
لكن…
خارج القاعة، كان العالم كله تقريبًا يسقط.
في غزة…
لم تعد الحرب حدثًا سياسيًا.
صارت شكلًا جديدًا من أشكال نهاية العالم.
مدينة كاملة تُسحق أمام الكاميرات. صحفي يُقتل بعدما يُطلب منه أن يصمت. طفل يخرج من الركام… ثم يعود إليه على شكل صورة.
وفي جنوب لبنان…
لم يعد القصف يمرّ على القرى، بل صار يمحوها، كما لو أن الخرائط نفسها تُعاد كتابتها بالنار.
وفي أوكرانيا…
تواصل أوروبا اكتشاف أنها ليست بعيدة عن الحرب كما كانت تعتقد.
وفي فنزويلا وكوبا…
تواصل العقوبات خنق شعوب كاملة باسم الحرية والديمقراطية، في عالم صار يستخدم الكلمات نفسها… ليقوم بعكس معناها.
أما الصين…
فتراقب كل هذا بصبر الإمبراطوريات القديمة، بعينٍ على الأسواق، وأخرى على المستقبل.
وسط هذا المشهد المرتبك…
افتُتحت الدورة التاسعة والسبعون من
مهرجان كان السينمائي
لكن المهرجان هذا العام لم يكن يشبه الاحتفال.
كان يشبه محاولة العالم أن يلتقط أنفاسه داخل قاعة مظلمة.
حتى شكل الأفلام تغيّر.
لم تعد الأفلام تركض وراء الحكايات السهلة، ولا النهايات المريحة، ولا البطولة التقليدية.
كأن السينما نفسها فقدت ثقتها بالعالم.
فيلم
المحبوبة
لم يكن مجرد قصة أب وابنته.
كان فيلمًا عن الإنسان حين يكتشف متأخرًا أن الحياة لا تمنحنا دائمًا فرصة ثانية للاعتذار.
أما
الكرة السوداء
فعاد إلى إسبانيا فرانكو ولوركا والفاشية، ليس بوصفها تاريخًا قديمًا، بل كتحذير.
كأن أوروبا تنظر إلى ماضيها… وترى ظلّه يعود إليها من جديد.
وفي الخلفية…
كانت أفلام كثيرة تتحدث عن:
المنفى
الهوية
الذاكرة
النزوح
والخوف من العالم
لا عن العالم نفسه فقط.
ولهذا بدا غياب هوليوود لافتًا.
الصناعة الأمريكية الكبرى حضرت بخجل، كأنها تعرف أن اللحظة لم تعد تحتمل الكثير من الاستعراض.
وفي المقابل…
حضرت آسيا بثقل واضح، من اليابان إلى كوريا، كأن القارة البعيدة عن ضجيج الغرب… وجدت لغتها الخاصة وسط هذا الخراب العالمي.
أما الحضور العربي…
فبدا مرتبكًا، خائفًا، ومحدودًا، باستثناء بعض الأصوات التي جاءت من قلب العاصفة نفسها.
هناك…
كانت فلسطين.
ليس كشعار.
بل كحضور كامل.
في إحدى لحظات المهرجان…
وقف
محمد بكري
لا كممثل فقط، بل كجزء من ذاكرة شعب كامل.
كان تكريمه أشبه بتكريم الحكاية الفلسطينية نفسها، بعد عقود طويلة حاولت فيها الرواية الرسمية الغربية أن تُبقي الفلسطيني: إما خبرًا، أو ضحية، أو رقمًا.
وفي لحظة أخرى…
فاز فيلم
كان يا ما كان في غزة
بينما حصدت
آن ماري جاسر
جائزة السيناريو عن
فلسطين 36
وكأن فلسطين كانت تدخل القاعة هذه المرة… لا لتطلب التعاطف، بل لتفرض روايتها.
وهنا تحديدًا…
بدأ التوتر الحقيقي.
لأن ما يحدث اليوم لم يعد مجرد صراع على الأرض.
بل صراع على الصورة نفسها.
على: من يُرى؟ ومن يُخفى؟ ومن يُقدَّم كضحية؟ ومن يُقدَّم كوحش؟
لعقود طويلة…
نجحت السينما الغربية، ومعها الإعلام الغربي، في بناء صورة ذهنية شبه ثابتة:
إسرائيل:
خائفة
صغيرة
مهددة
وتدافع عن نفسها
أما الفلسطيني…
فإما غاضب، أو مسلح، أو مجرد خلفية بعيدة للحكاية.
لكن غزة…
كسرت هذا البناء كله.
ليس لأن السياسة تغيّرت.
بل لأن الصورة خرجت من سيطرة أصحابها.
ولهذا لم تعد الأزمة داخل الغرب: ماذا يحدث في غزة؟
بل: كيف فشلنا كل هذا الوقت في رؤية ما يحدث؟
وهنا يصبح مفهومًا لماذا تحولت:
الجامعات
المهرجانات
النقابات
والمتاحف
إلى ساحات اشتباك حقيقية.
في
بينالي البندقية
أُغلقت أجنحة.
وفي
مهرجان برلين السينمائي الدولي
خرجت الخلافات إلى العلن.
وفي
مسابقة يوروفيجن الغنائية
بدأ الجمهور نفسه يشكك في الرواية الرسمية.
حتى داخل إسرائيل…
بدأت أصوات مثل
جدعون ليفي
تقول بوضوح مرعب: إن العالم بدأ يرى الحقيقة بلا مكياج.
وهنا بالضبط…
تظهر أهمية السينما.
لأن السينما ليست مجرد ترفيه.
إنها أخطر آلة اخترعها الإنسان لإعادة تشكيل الوعي.
الفيلم الجيد…
لا يغيّر رأيًا سياسيًا فقط.
بل يغيّر الطريقة التي يرى بها الإنسان الآخر.
ولهذا تخاف الأنظمة من الصورة أكثر مما تخاف من الرصاص أحيانًا.
الرصاصة تقتل شخصًا.
أما الصورة…
فتستطيع أن تهزم رواية كاملة.
ولهذا يبدو ما يفعله السينمائي الفلسطيني اليوم مهمًا جدًا.
لأنه لا يصنع أفلامًا فقط.
بل يستعيد الإنسان الفلسطيني من داخل الركام الإعلامي الهائل الذي حاول تحويله إلى مجرد “مشكلة أمنية”.
ومن هنا…
يبدو أن ما يحدث في المهرجانات العالمية ليس أزمة عابرة.
بل بداية تحوّل ثقافي طويل.
العالم الذي صمت طويلًا…
بدأ يفقد قدرته على الكذب بالسهولة القديمة.
وربما لهذا…
بدت دورة كان 2026 كلها، رغم البريق، والكاميرات، والاحتفالات…
كأنها لحظة مواجهة صامتة بين صورتين:
صورة العالم كما تريد القوى الكبرى أن يراه…
وصورته كما تكشفها السينما حين تكون حرة.
وفي زمنٍ تتحول فيه السياسة إلى سوق، والحروب إلى نشرات عاجلة، والبشر إلى أرقام…
تبقى السينما، حين تمتلك الشجاعة، واحدة من آخر الأماكن التي يمكن للإنسان أن يرى فيها الحقيقة… قبل أن يُطفأ الضوء.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
24/5/2926

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى