غانية ملحيس - بعد أن خرجت السياسة من القاعة: من تشخيص الانسداد إلى أفق الإمكان الفلسطيني

ما يميّز مقال يحيى بركات “حين خرجت السياسة من القاعة، تأملات فلسطينية بعد المؤتمر الثامن… من أزمة فتح، إلى سؤال المستقبل كله” هو هذه القدرة الفريدة على الجمع بين عين المخرج وفلسفة المفكر في التقاط “الكادر” الأكثر إيلاما في المشهد الفلسطيني الراهن.
فهو لم يكتب فقط تحليلا سياسيا لمؤتمر تنظيمي، بل قدّم “مرثية بصرية وفكرية” لسياسة غادرت القاعة بالفعل، وكشف كيف تحوّل مشروع التحرر إلى “تقنية مضبوطة لإدارة الممكن والمحدود”.

غير أن قراءة هذا الانسداد لا تكتمل من الداخل فقط، بل تفتح سؤالا آخر يتجاوز التشخيص نحو إمكان إعادة بناء السياسة ذاتها خارج شروطها الراهنة. وهذا يعني أن الأزمة ليست تنظيمية أو مؤسساتية فحسب، بل هي أزمة في إنتاج “المعنى السياسي” ذاته. وهو ما يجعل استدعاء الكاتب المحق لإدوارد سعيد مدخلا ضروريا لفهم طبيعة التحول الجاري، حيث استشعر سعيد مبكرا الخطر الماثل اليوم بوضوح، محذرا من أن الخطر الأكبر لا يكمن في خسارة معركة أو مؤتمر، بل في “استعمار المخيلة”، وفقدان القدرة الجماعية على الحلم وتخيّل البديل.
ومع ذلك، وبالرغم من ظلمة الواقع داخل القاعة، وما يبدو من “انسداد مفاهيمي” حذّر يحيى بدقة من أخطاره، يتوجب علينا دفع النقاش خطوة إلى الأمام نحو “أفق المستقبل” الذي يصنعه الواقع خارج تلك القاعات المغلقة.
إن استعصاء قطاع غزة ومخيمات الضفة الغربية، والقدرة الاستثنائية على الصمود، وإعادة فرض فلسطين على أجندة العالم، وتفجير التناقضات الإقليمية والدولية. كلها شواهد تؤكد أن المجتمع الفلسطيني ما يزال يمتلك طاقة تاريخية هائلة، حتى لو كانت البنية السياسية التقليدية عاجزة عن استيعابها أو تحويلها إلى مشروع جامع. فالأزمة ليست في غياب الطاقة الوطنية، بل في غياب الشكل السياسي القادر على تحريرها.
ويقدم لنا هذا الاستعصاء الميداني اليوم النموذج الأوضح على أن التغيير تصنعه الإرادة والثبات على الحق، وليس إعادة تعريفه وفقا لشروط الممكن المحدود. فالحق في التاريخ، من حيث هو إرادة تحرر، ثابت، ومآله إلى التحقق ما دام أصحابه متمسكين به.
في حين أن “ميزان القوى” هو المتغير الخاضع للتبدل والانهيار - مهما طغى أصحابه أو تجبّروا - كما تشهد على ذلك تجارب الاستعمار والفاشية والنازية في التاريخ.
هذا التمييز الحاسم بين ثبات الحق وتغيّر موازين القوة، يفتح الباب لتحويل النقاش النظري إلى أسئلة عملية تتعلق بإمكان الفعل في الواقع الفلسطيني الراهن.
من هنا، ينفتح أمامنا أفق المستقبل عبر تساؤلات ومسارات حتمية:

1. كيف تصبح السياسة خارج القاعة “فعلاً” وليس “فرجة”؟
لقد وصف يحيى بركات بدقة كيف تحوّل الفيسبوك إلى “قاعة بديلة” للتسريبات والفضائح والشتائم، وهو ما يخدم منظومات الهيمنة. والسؤال الذي يحفزه المقال: كيف نحول هذا “الانفجار الرقمي” والغضب المشتت في الفضاء الافتراضي إلى “كتلة حرجة” قادرة على بناء حامل سياسي ومؤسساتي جديد؟ كيف ننتقل من “جمهور متفرج يستهلك الفضائح” إلى “شعب شريك” في صناعة القرار؟

2. تحرير “المخيلة الفلسطينية” أولا:
إذا كان الاستعمار قد احتل “معنى الممكن السياسي”، فإن الخطوة النضالية الأولى تبدأ من تحرير اللغة والمخيلة. نحن اليوم بحاجة إلى نقاش فكري وثقافي وورشات شبابية عابرة للجغرافيا (داخل الوطن المحتل، مخيمات اللجوء، والمنافي) لإعادة تعريف المشروع الوطني خارج شروط “أوسلو” وسقف “السلطة الإدارية”. وهنا يبرز السؤال:
كيف يمكن للمفكر والمثقف والمخرج والفنان أن يقودوا هذا التحرير المعرفي؟

3. الشرعية البديلة من الأسفل إلى الأعلى:
حين تتدجن الديمقراطية الفوقية في المؤتمرات المغلقة، يصبح الرهان على “الديمقراطية القاعدية”، الأجيال الجديدة التي لم تنتخب منذ عشرين عاما، التنظيمات المجتمعية، النقابات، الاتحادات الشعبية، وحراكات الشتات، هي المخزون الحقيقي لاستعادة السياسة بوصفها “أفقا مفتوحا للتاريخ”.
كيف يمكن بناء شبكات تضامن وتنظيم مرنة تتجاوز قيود الفصائل المتكلسة؟

4. الرهان على من يُؤسس للحياة:
المنظومات التي تبشّر بالموت والدمار والمحو - مهما ملكت من أدوات إبادة- تحمل بذور فنائها داخلها لأنها مصادمة لمنطق التاريخ. الرهان الحقيقي هو على الأجيال الحية التي تعيد إنتاج الصمود يوميا خارج سقف “الإدارة والتنسيق”.
وهنا يصبح السؤال الأهم: كيف يمكن إعادة بناء السياسة الفلسطينية بحيث تعود تعبيرا عن طاقة المجتمع، وليس مجرد إدارة لأزمته؟
هذه الأسئلة مجتمعة لا تبحث عن تحسينات ترقيعية داخل البنية القائمة، بل تفرض ضرورة التفكير في شكل سياسي جديد يتجاوز منطق الفصائل التقليدية والتمثيل المغلق.
وربما لا يتشكل هذا “الحامل السياسي الجديد” بوصفه حزبا تقليديا آخر، ولا نسخة مكررة عن البنى القائمة. فإعادة بناء السياسة الفلسطينية اليوم لا يمكن أن تتم عبر استنساخ النموذج التنظيمي القديم نفسه، أي عبر إنتاج “فصيل جديد” يضاف إلى الفصائل القائمة. بل عبر إعادة بناء المجال الوطني الفلسطيني من الأسفل إلى الأعلى، من المجتمع، والنقابات، والاتحادات، والمبادرات الشبابية والثقافية، وروابط الشتات، والفضاءات المعرفية والرقمية، وحركات التضامن العابرة للحدود.
فالأزمة لم تعد فقط أزمة قيادة، بل أزمة المجال الذي يُنتج القيادة نفسها. ولهذا فإن أي حامل سياسي جديد لن يستمد شرعيته من الإرث التاريخي أو الاحتكار التنظيمي وحده، بل من قدرته على إعادة وصل السياسة بالمجتمع، وتحويل الفلسطيني من متلق للأزمة إلى شريك في صناعة الواقع الوطني
غير أن إعادة البناء هنا لا تعني القطيعة الكاملة مع كل ما راكمته التجربة الوطنية الفلسطينية، بل تعني تحرير منظمة التحرير الفلسطينية من حالة الانغلاق التي أصابتها، وإعادة ضخ المجتمع الفلسطيني الحي داخلها. فالمطلوب ليس هدم الفضاء الوطني الجامع، بل إعادة فتحه أمام الأجيال الجديدة، والشتات، والقوى الاجتماعية والثقافية التي بقيت طويلا خارج معادلة التمثيل وصناعة القرار.

خلاصة القول: الشعوب لا تموت حين تُهزم عسكريا أو تُستهدف بالإبادة، بل حين تفقد قدرتها على تخيّل مستقبل مختلف، مستقبل تتحول فيه الأجيال الجديدة، والشتات، والفضاء الرقمي، والخبرات الميدانية التي تنتجها غزة ومخيمات الضفة وجنوب لبنان وإيران، والتحولات العالمية، من مجرد “هوامش غاضبة” إلى حامل سياسي وتاريخي جديد.
ومقال يحيى بركات هو صرخة ضرورية لإنقاذ هذا التخيل، ونماذج الاستعصاء في الميدان هي الوقود الحقيقي له. المعركة اليوم لم تعد فقط على الأرض أو السلطة، بل على قدرة الفلسطيني على استعادة السياسة بوصفها فعلا جماعيا لصناعة الغد.
فالتاريخ لا يتغير فقط بقوة الحق المجردة، بل بقدرة الشعوب على تحويل هذا الحق إلى فعل منظم، ووعي جمعي، ومؤسسات حيّة، وأشكال جديدة من المشاركة والتمثيل.
وما تكشفه التجربة الفلسطينية اليوم أن المجتمع ما يزال ينتج عناصر هذه الإمكانية، حتى وإن بدا النظام السياسي القائم عاجزا عن احتضانها أو التعبير عنها.
وبانتظار أن نكتب معا سطرنا القادم في هذا الأفق المفتوح للتاريخ.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى