يحيى بركات - من الشقيف إلى الضاحية... حين أوقفت المفاوضات الحرب... وأعادت الحرب كتابة المفاوضات

في صباح هذا اليوم...
عندما قرأت أن الجيش الإسرائيلي وصل إلى قلعة الشقيف...
لم أرَ القلعة التي يتحدثون عنها اليوم.
لم أرَ الموقع الأثري الذي يقصده السياح.
ولم أرَ حجارةً قديمة تعلو تلةً في جنوب لبنان.
عدت فجأة إلى زمن آخر.
إلى صيفٍ آخر.
إلى بيروت التي عرفتها تحت النار.
إلى تلك الأيام التي كانت فيها الشقيف أكثر من قلعة.
كانت قطعة من فلسطين تقاتل فوق جبل لبناني.
أتذكر الطائرات.
أتذكر المدفعية.
أتذكر القصف الذي كان يهز الجبل ساعات طويلة وكأن السماء كلها أُلقيت فوق تلك الصخور.
وأتذكر شيئاً آخر لم تستطع كل تلك النيران أن تقتله.
المقاتلون.
كلما اعتقدت قوات الاحتلال أن الطريق أصبح مفتوحاً...
كان يخرج لها رجال من بين الصخور.
من بين الدخان.
من بين الركام.
فيوقعون بها الخسائر من جديد.
لم تسقط الشقيف يومها عندما وصلت الدبابات إلى أسوارها.
ولم تسقط عندما تهدمت جدرانها.
سقطت فقط عندما استشهد آخر من بقي يدافع عنها.
سبعة وعشرون مقاتلاً فلسطينياً.
حفنة رجال واجهوا واحدة من أقوى الآلات العسكرية في المنطقة.
واحداً تلو الآخر ارتقوا شهداء.
لكنهم تركوا خلفهم شيئاً أكبر من القلعة نفسها.
تركوا أسطورة.
ولهذا عندما عاد اسم الشقيف إلى الأخبار هذا الأسبوع...
لم أستطع أن أتعامل معه كخبر عسكري عابر.
فالأماكن ليست حجارة فقط.
الأماكن ذاكرة.
والشقيف بالنسبة لجيل كامل ليست موقعاً على الخريطة...
بل صفحة من كتاب طويل اسمه المقاومة الفلسطينية.
ما بين شقيف الأمس وشقيف اليوم أكثر من أربعة عقود.
لكن شيئاً واحداً لم يتغير.
إسرائيل ما زالت تنظر إلى الأرض.
والمقاومة ما زالت تنظر إلى الزمن.
في عام 1982 كان الهدف الوصول إلى القلعة.
واليوم أصبح الهدف تجاوز الليطاني والتقدم داخل الجنوب اللبناني.
يومها كانت الطائرات والدبابات تتقدم نحو موقع دفاعي معروف.
أما اليوم فالمشهد مختلف.
الشقيف لم تعد موقعاً عسكرياً.
ولم تعد تنتظر معركة جديدة فوق أسوارها.
وكأن المقاومة قررت أن تقول شيئاً مختلفاً:
لسنا مضطرين إلى إعادة المعركة نفسها مرتين.
فالتاريخ لا يُنسخ.
بل يُقرأ.
ولهذا لم يكن السؤال الحقيقي هو: هل وصل الجيش الإسرائيلي إلى الشقيف؟
السؤال الحقيقي كان:
وماذا بعد؟
لكن ما لم تقله صور الشقيف كان يحدث في مكان آخر.
فبينما كانت الكاميرات تلاحق الجنود فوق أسوار القلعة...
كانت الصواريخ والمسيرات تكتب رواية مختلفة تماماً.
مدن الشمال الإسرائيلي لم تكن تعيش مشهد جيش انتصر وأنهى المعركة.
كانت تعيش حالة استنفار يومية.
صفارات إنذار.
ملاجئ.
وطرق فارغة.
وموجات متلاحقة من الصواريخ والمسيرات التي أثبتت أن الحرب ما زالت قادرة على الوصول إلى عمق الجبهة الإسرائيلية.
وهنا ظهرت المفارقة.
فبينما كانت إسرائيل تعرض صورة التقدم على الأرض...
كانت المقاومة تعرض صورة قدرتها على مواصلة القتال.
بل أكثر من ذلك.
كشفت الأيام الأخيرة عن مستوى من النيران والقدرات لم يكن كثيرون يتوقعونه.
صواريخ وصلت إلى أهداف أبعد.
ومسيّرات انقضاضية نجحت في تجاوز طبقات من الحماية.
وخسائر اضطرت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى التعامل معها بحذر شديد.
وهنا بدأ السؤال الحقيقي يفرض نفسه:
إذا كانت المعركة قد حُسمت...
فلماذا ما زالت الصواريخ تسقط؟
وإذا كانت المقاومة قد كُسرت...
فمن أين جاءت كل هذه القدرة على الإيلام؟
والأخطر من الحرب نفسها كان ما رافقها من انقلاب في اللغة.
فجأة عاد العالم ليتحدث عن "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها".
وكأن الاحتلال أصبح ضحية.
وكأن القوة التي دخلت أرضاً ليست هي القوة المحتلة.
وكأن من يقاوم الاحتلال فوق أرضه يحتاج إلى إذن أخلاقي من العالم كي يُعترف بحقه في المقاومة.
وهنا لا يتعلق الأمر بحزب الله وحده.
فالقضية أعمق من اسم التنظيم أو الراية أو الانتماء.
القضية تتعلق بمبدأ بسيط عرفته البشرية منذ نشوء حركات التحرر الوطني.
هل يصبح المحتل صاحب حق مطلق في استخدام القوة؟
وهل يفقد الشعب الواقع تحت الاحتلال حقه في المقاومة؟
هذه هي الكذبة الكبرى التي تتكرر منذ فلسطين إلى لبنان.
ليس فقط في الميدان.
بل في اللغة نفسها.
فالمجرم يتحول إلى ضحية.
والضحية تتحول إلى متهم.
والاحتلال يصبح دفاعاً عن النفس.
أما المقاومة فتصبح هي المشكلة.
في الوقت الذي كانت فيه الدبابات تتقدم داخل الجنوب اللبناني...
كان مشهد آخر يتشكل بعيداً عن الحدود.
في واشنطن.
قبل أيام فقط كان دونالد ترامب يتحدث عن اقتراب اتفاق مع إيران.
لغة المفاوضات كانت تتقدم.
ثم فجأة بدأ إيقاع آخر يعلو فوق الطاولة.
نتنياهو وسّع عملياته العسكرية.
الحديث انتقل من الحدود إلى الليطاني.
ومن الليطاني إلى الشقيف.
ومن الشقيف إلى الضاحية الجنوبية لبيروت.
وفجأة أصبحت المنطقة كلها تمشي على حافة سؤال واحد:
هل نحن أمام اتفاق يقترب؟
أم أمام حرب إقليمية جديدة؟
كل الخيوط التي بدت منفصلة بدأت تلتقي في عقدة واحدة.
لبنان لم يعد ملفاً لبنانياً فقط.
وإيران لم تعد ملفاً إيرانياً فقط.
والمفاوضات لم تعد شأناً دبلوماسياً منفصلاً عن الميدان.
كل شيء أصبح في غرفة واحدة.
ثم جاءت اللحظة التي غيّرت المشهد.
التهديد بقصف الضاحية الجنوبية.
وهنا لم تعد المسألة تتعلق بحزب الله وحده.
ولا بإسرائيل وحدها.
ولا حتى بلبنان وحده.
فالرسالة الإيرانية جاءت واضحة:
إن اتسعت الحرب في لبنان فلن تبقى محصورة في لبنان.
وإن اشتعلت بيروت فلن تبقى المفاوضات معزولة عن النيران.
هنا تحديداً تغيرت قواعد اللعبة.
لم يعد السؤال:
هل ستُقصف الضاحية؟
بل أصبح:
هل تستطيع واشنطن تحمل انهيار المسار مع إيران؟
هل تستطيع تحمل أزمة جديدة في الطاقة؟
هل تستطيع تحمل ارتفاعاً جديداً في أسعار النفط؟
هل تستطيع تحمل انفجاراً إقليمياً ينعكس على الاقتصاد العالمي وعلى الداخل الأمريكي نفسه؟
وهنا ظهر ترامب فجأة في قلب المشهد.
ليس بوصفه وسيطاً يبحث عن السلام.
بل بوصفه رجلاً يحاول منع اشتعال حريق قد يمتد من بيروت إلى هرمز...
ومن هرمز إلى الأسواق العالمية.
لكن بينما كانت العواصم تتحدث عن لبنان...
والمفاوضات...
والتهدئة...
والضاحية...
والصواريخ...
كنت أفكر في مكان آخر.
غزة.
لأن الخوف الحقيقي لا يكمن دائماً في الحرب التي اشتعلت.
بل في الحرب التي قد تُترك وحدها.
إذا نجحت واشنطن في تبريد الجبهة اللبنانية...
ونجحت إيران في تثبيت خطوطها الحمراء هناك...
ونجحت إسرائيل في الادعاء أنها حققت إنجازاً عسكرياً في الجنوب اللبناني...
فمن الذي سيبقى وحيداً تحت النار؟
غزة.
غزة التي لم تعد تهدد أسعار النفط.
ولا تعطل المفاوضات الدولية.
ولا تثير قلق الأسواق العالمية.
غزة التي ما زالت تدفع الثمن الأكبر بينما تتحرك خرائط السياسة فوق رأسها.
ولهذا أخشى أن يكون السؤال الحقيقي في الأيام القادمة ليس ما الذي سيحدث في لبنان.
بل ما الذي سيحدث لغزة إذا صمتت جبهة لبنان.
حين أنظر إلى الشقيف...
لا أرى قلعة.
أرى رجالاً قاتلوا حتى آخر شهيد.
وحين أنظر إلى غزة...
أرى رجالاً ونساءً وأطفالاً يواصلون دفع الثمن نفسه بأسماء مختلفة.
قد تسقط المواقع.
قد تتغير الخرائط.
قد تتبدل أسماء الرؤساء والوسطاء والقادة والحروب.
لكن الشعوب لا تُقاس بعدد القلاع التي خسرتها.
بل بعدد المرات التي استطاعت فيها أن تبقى واقفة بعد سقوطها.
هذا ما قالته الشقيف قبل أكثر من أربعة عقود.
وهذا ما تقوله غزة اليوم.
وما بين الشقيف وغزة...
تستمر الحكاية.
حكاية شعب لم يتعلم من تاريخه كيف يهزم الآخرين...
بل كيف يرفض الهزيمة.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
2/6/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى