يحيى بركات - حين يتشاجر الأقوياء أمام الكاميرا

القارئ عندما قرأ التسريب
لم يسأل أولًا:
من سرّب؟
ولم يسأل:
ما هي انعكاسات ذلك على أسعار النفط أو الذهب أو البورصات العالمية؟
بل سمع الجملة الأولى فقط:
"أيها المجنون..."
ثم جلس يتفرج.

هكذا نحن البشر.
نحب رؤية الأقوياء وهم يتشاجرون.
نحب أن نسمع ما يُقال خلف الأبواب المغلقة.
ونحب أكثر أن نكتشف أن الذين يقفون أمام الكاميرات متماسكين كالجدار...
قد يكونون في الداخل يتبادلون الصراخ والاتهامات والشتائم.
وفوق ذلك كله...
هناك شعور إنساني صغير لا يعترف به كثيرون.
شيء من الشماتة.
شيء من متعة مشاهدة الكبار وهم يفقدون أعصابهم.
شيء يشبه قول الناس في المقاهي وعلى مواقع التواصل:
"دعهم يتقاتلون... فخار يكسر بعضه."
لكن السياسة، مثل السينما، تعلمنا أن نتوقف قليلًا.
أن نعيد المشهد إلى بدايته.
أن نسأل السؤال الذي لا يظهر على الشاشة.
ليس ماذا قيل...
بل لماذا سُمح لنا أن نسمعه؟

في السينما، حين يريد المخرج أن يلفت انتباه المشاهد إلى مكان معين، يفعل شيئًا بسيطًا.
يسلط الضوء على نقطة محددة.
وعندما ينظر الجميع إلى تلك النقطة...
يكون الشيء الأهم غالبًا يحدث في مكان آخر.
لهذا لم أتوقف طويلًا عند الشتائم.
ولم أتوقف كثيرًا عند سؤال:
هل قال ترامب فعلًا لنتنياهو
"أنا أنقذت مؤخرتك من السجن"
أم لم يقل؟
لأن ما شد انتباهي أكثر هو أن هذه الكلمات خرجت أصلًا من غرفة يفترض أنها الأكثر سرية في العالم.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
في المقاهي العربية...
وفي الشارع الإسرائيلي...
وفي الصحافة الأمريكية...
وفي منصات التواصل...
ظهرت روايات كثيرة.
هناك من رأى في التسريب مجرد شجار بين رجلين أنهكتهما الحرب.
وهناك من رأى فيه رسالة سياسية مقصودة.
وهناك من قال إن ترامب يحاول إنقاذ نفسه قبل أي شيء آخر.
فالرجل الذي وعد بإطفاء الحرائق يجد نفسه أمام عالم أكثر اشتعالًا من أي وقت مضى.
وحرب لا تتوقف.
وصور لا تتوقف.
وغضب يتسع داخل الجامعات والشوارع وحتى داخل قطاعات من المجتمع الأمريكي نفسه.
وربما احتاج أن يقول للناخب الأمريكي:
أنا لست نتنياهو.
أنا لست مسؤولًا عن كل ما يجري.
وفي المقابل...
هناك من قرأ المشهد بطريقة مختلفة تمامًا.
وقال إن الهدف ليس إنقاذ ترامب.
بل إنقاذ إسرائيل نفسها.
فحين تصبح صورة حليفك عبئًا عليك...
تبدأ عملية البحث عن مخرج.
وعندما تصبح كلفة الدفاع عن الرجل أعلى من كلفة استبداله...
تبدأ التسريبات.
وتبدأ الرسائل.
وتبدأ صناعة المسافة بين المشروع وصاحبه.
كأن هناك من يقول:
المشكلة ليست في السفينة.
المشكلة في القبطان.
فلنغيّر القبطان كي تبقى السفينة.
ثم جاءت القراءة الثالثة.
قراءة المال.
فالسياسة اليوم لا تتحرك فقط عبر الطائرات والصواريخ.
بل عبر الشاشات أيضًا.
شاشات النفط.
وشاشات الذهب.
وشاشات العملات.
وشاشات البورصة.
وفي عالم يمكن أن تربح فيه شركات مليارات أو تخسرها خلال ساعات...
تصبح المعلومة سلعة.
ويصبح التسريب حدثًا اقتصاديًا بقدر ما هو حدث سياسي.
أما أصحاب نظرية الدولة العميقة...
فكانوا يرون شيئًا آخر.
كانوا يقولون إن ترامب ونتنياهو ليسا أصل الحكاية.
بل أحد فصولها.
وأن الرجلين، مهما بدوا كبيرين على الشاشة، ليسا سوى برغيين داخل آلة أكبر بكثير منهما.
آلة أمنية.
وعسكرية.
واقتصادية.
وإعلامية.
آلة لا تفكر بالأشخاص بقدر ما تفكر بكيفية استمرار المشروع نفسه.
وكيفية الخروج من المأزق بأقل الخسائر الممكنة.
وكيفية النزول عن الشجرة من دون الاعتراف بالسقوط.
وأعترف أنني لا أعرف أي رواية هي الأقرب إلى الحقيقة.
وربما لا يعرف أحد.
لكنني أعرف شيئًا واحدًا.
في السياسة كما في السينما...
ليس المهم دائمًا ما يقوله الممثلون.
بل لماذا اختار المخرج أن يفتح الميكروفون في هذه اللحظة بالذات.
لهذا ربما لا تكون الحكاية كلها في الشتيمة.
ولا في ترامب.
ولا في نتنياهو.
بل في اللحظة التاريخية التي خرجت فيها هذه المكالمة إلى العلن.
لحظة بدأت فيها أسئلة كثيرة تُطرح داخل الولايات المتحدة.
وداخل إسرائيل.
وداخل العالم.
حول الحرب.
وحول المستقبل.
وحول الثمن الذي يدفعه الجميع.
وحول ما إذا كان المطلوب إنقاذ رجل...
أم إنقاذ مشروع كامل من نتائج ما جرى.
فقد يكون التسريب غضبًا حقيقيًا.
وقد يكون رسالة.
وقد يكون محاولة لإنقاذ ترامب.
وقد يكون محاولة للتخلص من نتنياهو.
وقد يكون سلّمًا للنزول عن الشجرة.
وقد يكون كل ذلك معًا.
لكن المؤكد أن مكالمة بهذا الحجم لا تصل إلى الصحف العالمية لأن أحدهم ضغط الزر الخطأ.
والمؤكد أكثر...
أن ما يحدث خلف الستارة
أهم بكثير مما سمعناه فوق المسرح.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
2/6/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى