شكلت (قصيدة النثر) حدثاً شعريّاً جديداً على صعيد النوع الكتابيّ الشعريّ وعلى صعيد تلقّيه معاً؛ إذ أنهى مرحلة هيمنة الوزن والقافية على مصير الشعريّة العربيّة قروناً عديدة أكثر كثيراً ممّا يجب، واجتهد في تقديم مفهوم مغاير للشعر عابر للمعايير التقليديّة المتداولة كلّها بلا استثناء، وتعرّضت هذه القصيدة لكثير من الهجوم السافر إلى درجة التخوين والاتهام بتطبيق أجندات أجنبيّة تسعى إلى قطع التواصل مع التراث، وغير ذلك من الاتهامات التي تحتمي بنظرية المؤامرة؛ وقد طالت أبرز رموز هذه القصيدة، ولاسيّما مجلة (شعر) بوصفها عرّاباً ماديّاً صريحاً لهذه القصيدة على نحو من الأنحاء، لكنّها أثبتت وجودها وسارت صوب الاتجاه الصحيح كي تكون قصيدة المستقبل، وجاءت بفضاء آخر ينهض على الانفتاح نحو الآفاق المغايرة بلا حدود؛ ويمكّن الشاعر من الانتماء إلى رؤيته الخاصّة للتعبير عن تجربة نوعيّة استثنائيّة؛ تتعاطى مع النصّ الشعريّ بوصفه عالماً كونيّاً شديد الذاتيّة في ابتكار السبل اللغويّة ذوات الخصوصيّة العالية والنادرة، يتحرّك على وفق أدوات تعبيريّة وتشكيليّة وتصويريّة وتدليليّة نوعيّة وأصيلة ومنتِجة.
قصيدةُ النثر.. المفهومُ الشعريُّ العابرُ للصنميّة
جريدة الصباح:
ثقافة/ 2026/06/01
صارت قصيدة النثر نموذجاً حديثاً يتلاءم مع حركة الحياة في تطوّراتها المذهلة على الأصعدة كافّة، فلم تعد الغنائيّة العالية داخل هذا النموذج السبب الأكبر لتوكيد شعريّة الكلام وشعريّة القصيدة، إذ اشتغل شاعر قصيدة النثر على الانتقال بالشعر من منطقة الذاتيّة الصرف والغنائية العالية؛ نحو مساحات رحبة من الرؤية والرؤيا والفكر الخلّاق والعمل على فعاليّة التصرّف باللغة نحو رحابة لا حدود لها، والتعامل مع فضاءاتها بطريقة تضع المفردة الشعريّة ضمن حالة من الدلال التعبيريّ، بأعلى درجات الانتقاء القائم على فهم وإدراك لنماذجها العاملة داخل حركيّة الفضاء الشعريّ، وهذا الاستخدام اللسانيّ-الشعريّ الخاصّ للجوهر اللغويّ في المفردة الشعريّة؛ من شأنه أن يجعل قصيدة النثر مجالاً رحباً لانفتاح طاقة التدليل الشعريّ على مساحات سيميائيّة جديدة.
غير أنّ مشكلة هذه القصيدة هي استخفاف الآخرين بها عن طريق الانكباب المجنون على كتابتها؛ باعتقاد خاطئ يجعل من إهمال الوزن والقافية سبباً لسهولة الكتابة فيها، بينما هي في جوهرها أصعب أنواع الكتابة الشعريّة؛ لأنّ على شاعرها أن يؤلّف قصيدة تخلو من الركائز الأساسيّة التي تصنع الشعر، فمن دون وزن ولا قافية يصبح من العسير على الشاعر تقديم قصيدة تقنع المتلقّي بأنّ ما يقرأه شعر حقيقيّ، وقد تعوّد هذا المتلقّي على أنّ الشعر بمفهومه القديم هو كلام موزون ومقفّى وله معنى، فالوزن والقافية تتقدّم حتّى على المعنى في هذا التعريف القارّ لدى الغالبيّة العظمى من كتّاب الشعر ومتلقّيه.
لذا فهذه القصيدة هي الأقلّ والأندر قياساً بالقصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة، ولن ينجح فيها إلّا الشاعر الذي دُفع إلى مضايق الشعر فعلاً؛ وأدرك بعمق ودراية ويقين ومعاناة أنّ الشعر صعبٌ وطويل سلّمه، وأحاط بما يجب أن يحيط به من وعي ومعرفة وإدراك وحساسيّة تعمّق موهبته الأصيلة، وترفع من شأنها إلى المقام الذي يفتح أمامه سبل إيجاد اللغة المناسبة وأخذها من حاضنتها أخذاً، بقوّة شعريّة تقتطف الألفاظ من بساتين اللغة البريّة؛ وهي تعيش في طرافتها الأولى بعيداً عن التلوّث البيئيّ الذي يعطّل جزءاً من حراكها الإبداعيّ الخلّاق.
إنّ سوء الفهم حول قصيدة النثر يصعّب من مهمتّها نحو تحقيق تداول أكبر وأوسع وأكثر قيمة وأبلغ نتيجة، فشعراؤها قلّة نادرون؛ ولكنّهم يمثّلون الندرة الهائلة ممّن يكرّسون نماذجهم بأعلى درجات الوعي والفكر والتمثّل والرؤية العابرة للسطحيّ والعادي والسائد والمألوف، ولا خوف على قصيدة النثر من كثرة الموهومين الذي يعتقدون أنّهم من كتّابها، فهم ليسوا سوى زبد ستكنسهم شمس هذه القصيدة كلّما تشرق صباحاً على حقولها الخضر اليانعة، ولا يبقى تحت النور إلّا تلك السبائك الناصعة الأنيقة الغزيرة الثريّة الثمينة التي لا بديل لها، كي تمثّل جوهر قصيدة النثر في نماذج شديدة النوعيّة والتألّق والتأثير والقيمة تحفر في أرض الشعريّة العربيّة، وتكتسب حضورها الناصع في تاريخ هذه الشعريّة بوصفها قصيدة المستقبل.
تتحدّد مشكلة قصيدة النثر في استراتيجيّة مفهومها الشعريّ العابرُ للصنميّة، والمفهوم هنا يصف طرريقة الكتابة أولاً ثمّ طريقة التلقّي ثانياً، بالمعنى الذي يجعل من المفهوم كوناً لا يمكن التعامل معه بمعايير أخرى، فمن يتعامل مع الشعر على أساس المفهوم التقليديّ القديم يستحيل عليه إدراك المفهوم الجديد، فليس بوسعه التعامل مع قصيدة النثر من موقع تنتشر فيه وحوله وعلى تخومه شظايا المفهوم القديم، فهو ومفهومه للشعر في وادٍ؛
وقصيدة النثر ومفهومها في وادٍ آخر، لا لقاء بينهما البتةً لأنه لا يمكن أن يعيش المرء أجواء فصلَين متناقضَين معاً، فلون الشتاء وإيقاعه وفضاؤه وحساسيّته غير الصيف، والربيع غير الخريف، فحين يعيش في معقل المفهوم الشعريّ القديم ويسعى إلى الاقتراب من المفهوم الجديد بدعوى معرفته؛ كمن يلبس معطفاً ثقيلاً في أحرّ أيام الصيف واضعاً مظلّة تقيهِ المطر الوهميّ فوق رأسه، ولعلّ الصنم المفهوميّ الذي يحرّك أفعال الكتابة والتلقّي لديه هو من يوقعه بهذا الشطط، ويضعه أمام هذا الموقف المحرج ليكون نشازاً لا يجلب لذاته سوى السخرية.
قصيدةُ النثر.. المفهومُ الشعريُّ العابرُ للصنميّة
جريدة الصباح:
ثقافة/ 2026/06/01
صارت قصيدة النثر نموذجاً حديثاً يتلاءم مع حركة الحياة في تطوّراتها المذهلة على الأصعدة كافّة، فلم تعد الغنائيّة العالية داخل هذا النموذج السبب الأكبر لتوكيد شعريّة الكلام وشعريّة القصيدة، إذ اشتغل شاعر قصيدة النثر على الانتقال بالشعر من منطقة الذاتيّة الصرف والغنائية العالية؛ نحو مساحات رحبة من الرؤية والرؤيا والفكر الخلّاق والعمل على فعاليّة التصرّف باللغة نحو رحابة لا حدود لها، والتعامل مع فضاءاتها بطريقة تضع المفردة الشعريّة ضمن حالة من الدلال التعبيريّ، بأعلى درجات الانتقاء القائم على فهم وإدراك لنماذجها العاملة داخل حركيّة الفضاء الشعريّ، وهذا الاستخدام اللسانيّ-الشعريّ الخاصّ للجوهر اللغويّ في المفردة الشعريّة؛ من شأنه أن يجعل قصيدة النثر مجالاً رحباً لانفتاح طاقة التدليل الشعريّ على مساحات سيميائيّة جديدة.
غير أنّ مشكلة هذه القصيدة هي استخفاف الآخرين بها عن طريق الانكباب المجنون على كتابتها؛ باعتقاد خاطئ يجعل من إهمال الوزن والقافية سبباً لسهولة الكتابة فيها، بينما هي في جوهرها أصعب أنواع الكتابة الشعريّة؛ لأنّ على شاعرها أن يؤلّف قصيدة تخلو من الركائز الأساسيّة التي تصنع الشعر، فمن دون وزن ولا قافية يصبح من العسير على الشاعر تقديم قصيدة تقنع المتلقّي بأنّ ما يقرأه شعر حقيقيّ، وقد تعوّد هذا المتلقّي على أنّ الشعر بمفهومه القديم هو كلام موزون ومقفّى وله معنى، فالوزن والقافية تتقدّم حتّى على المعنى في هذا التعريف القارّ لدى الغالبيّة العظمى من كتّاب الشعر ومتلقّيه.
لذا فهذه القصيدة هي الأقلّ والأندر قياساً بالقصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة، ولن ينجح فيها إلّا الشاعر الذي دُفع إلى مضايق الشعر فعلاً؛ وأدرك بعمق ودراية ويقين ومعاناة أنّ الشعر صعبٌ وطويل سلّمه، وأحاط بما يجب أن يحيط به من وعي ومعرفة وإدراك وحساسيّة تعمّق موهبته الأصيلة، وترفع من شأنها إلى المقام الذي يفتح أمامه سبل إيجاد اللغة المناسبة وأخذها من حاضنتها أخذاً، بقوّة شعريّة تقتطف الألفاظ من بساتين اللغة البريّة؛ وهي تعيش في طرافتها الأولى بعيداً عن التلوّث البيئيّ الذي يعطّل جزءاً من حراكها الإبداعيّ الخلّاق.
إنّ سوء الفهم حول قصيدة النثر يصعّب من مهمتّها نحو تحقيق تداول أكبر وأوسع وأكثر قيمة وأبلغ نتيجة، فشعراؤها قلّة نادرون؛ ولكنّهم يمثّلون الندرة الهائلة ممّن يكرّسون نماذجهم بأعلى درجات الوعي والفكر والتمثّل والرؤية العابرة للسطحيّ والعادي والسائد والمألوف، ولا خوف على قصيدة النثر من كثرة الموهومين الذي يعتقدون أنّهم من كتّابها، فهم ليسوا سوى زبد ستكنسهم شمس هذه القصيدة كلّما تشرق صباحاً على حقولها الخضر اليانعة، ولا يبقى تحت النور إلّا تلك السبائك الناصعة الأنيقة الغزيرة الثريّة الثمينة التي لا بديل لها، كي تمثّل جوهر قصيدة النثر في نماذج شديدة النوعيّة والتألّق والتأثير والقيمة تحفر في أرض الشعريّة العربيّة، وتكتسب حضورها الناصع في تاريخ هذه الشعريّة بوصفها قصيدة المستقبل.
تتحدّد مشكلة قصيدة النثر في استراتيجيّة مفهومها الشعريّ العابرُ للصنميّة، والمفهوم هنا يصف طرريقة الكتابة أولاً ثمّ طريقة التلقّي ثانياً، بالمعنى الذي يجعل من المفهوم كوناً لا يمكن التعامل معه بمعايير أخرى، فمن يتعامل مع الشعر على أساس المفهوم التقليديّ القديم يستحيل عليه إدراك المفهوم الجديد، فليس بوسعه التعامل مع قصيدة النثر من موقع تنتشر فيه وحوله وعلى تخومه شظايا المفهوم القديم، فهو ومفهومه للشعر في وادٍ؛
وقصيدة النثر ومفهومها في وادٍ آخر، لا لقاء بينهما البتةً لأنه لا يمكن أن يعيش المرء أجواء فصلَين متناقضَين معاً، فلون الشتاء وإيقاعه وفضاؤه وحساسيّته غير الصيف، والربيع غير الخريف، فحين يعيش في معقل المفهوم الشعريّ القديم ويسعى إلى الاقتراب من المفهوم الجديد بدعوى معرفته؛ كمن يلبس معطفاً ثقيلاً في أحرّ أيام الصيف واضعاً مظلّة تقيهِ المطر الوهميّ فوق رأسه، ولعلّ الصنم المفهوميّ الذي يحرّك أفعال الكتابة والتلقّي لديه هو من يوقعه بهذا الشطط، ويضعه أمام هذا الموقف المحرج ليكون نشازاً لا يجلب لذاته سوى السخرية.