العلم أم الخرافة

ما أريد أن أُبيِّنه للقارئ، ونحن نعيش في عصرٍ يتميز بغزارة الإنتاج العلمي والتٍّكنولوجي، هو أن نختارَ ماذا نريد. هل نريد الانخراط في المسيرة العلمية التي، شئنا أم كرِهنا، غزت العالمَ بأسره، بل إننا نستفيد من إفرازها التكنولوجي، أم نريد أن نبقى سَجِينِي التراث الديني الذي امتزجت به الخرافةُ والإسرائليات، التي صنعها القدامى، وبالأخص، علماء وفقهاء الدين الأولون، الذين عايشوا آخرَ الرسل والأنبياء، محمد (ص) أو جاءوا بعد وفاته؟

الخرافة le mythe هي القصص التي يصنعُها الخيال البشري، في غياب المعرفة العلمية. وهذه القصص، الهدف منها هو تفسير العالم المحيط بالإنسان، وكذلك، تفسير الظواهر والأحداث التي يكون هذا العالمُ مسرحاً لها. أما الإسرائيليات، فهي الروايات والقصص المأخودة من التراث الديني اليهودي والنصراني le patrimoine religieux judéo-chrétien، لملء الفراغ الذي يتركه عدم الإشارة إلى بعض الأمور في القرآن الكريم. وفيما يلي، أمثلة حية للخرافة والإسرائليات التي لجأ لها المُفسِّرون لملء الفراغ المذكور.

من بين الخرافات، أذكر، على سبيل المثال، الخرافة التي تقول أن الأرضَ محمولة على ظهر حوت يسبح في الماء، والماء يوجد فوق صخرة، والصخرة يحملها ثورٌ فوق أحد قرنيه. والزلازِل تحدث حينما ينتقِل حمل الأرض من قرنٍ إلى آخر.

أما المثالُ الحي للإسرائيليات التي لجأ لها المُفسِّرون في تفسير القرآن، كالطبري وابن كثير، فهي قصة خلق حواء من الضِّلع الأيسر لآدم. والآية التي تمَّ تفسيرها بهذه الطريقة، هي الآية رقم 1 من سورة النساء. نص الآية الكامِل، هو الآتي : "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا". وللتوضيح، القرآن الكريم لا يوجد به دليلٌ يساند أو بنفي هذه القصة.

علماء وفقهاء الدين، القدامى، إن تركوا لنا تراثا دينيا ممزوجاً بالخرافة والإسرائليات، فهم معذورون لأنهم فسَّروا القرآن، وما يسمونه السُّنة، انطلاقا من خلفياتِهم الفكرية والثقافية التي هي نتيجة لِما كان رائِجاً وسائداً في تلك الفترة من الزمان. وما كان سائدا في تلك الفترة من الزمان، هو الغيابُ التام للمعرفة العلمية، بالمفهوم الدنيوي الحالي. وهذا الغياب هو الذي دفع المُفسِّرين إلى اللجوء إلى ما كان سائدا من خرافات وإسرائليات لملء الفراغ الذي سببُه غياب المعرفة العلمية.

في بداية هذه المقالة، قلتُ "علينا أن نختارَ بين الانخراط في المسيرة العلمية أو نبقى سجناء التراث الديني القديم الذي امتزجت به الخرافة والإسرائيليات.

العقل السليم والمنطق يقولان : "علينا أن نختار الانخراطَ في المسيرة العلمية، لأربعة أسباب أعتبرها أساسية. أولاً، المسيرة العلمية لا تستشير مع أحد، في سيرها إلى الأمام، وبالتالي، فهي مفروضة علينا. ثانيا، إننا لا نملك، على الإطلاق، خيوطََ سيرِ أو تقدم هذه المسيرة، لسببٍ بسيطٍ، وهو أنها تتِمُّ خارجَ حدود بلادنا، بل خارجِ حدود العالمين، العربي والإسلامي. ثالثا، كون هذه ألمسيرة مفروضة علينا، فإن لم ننخَرِط فيها، سنبقى مُهمَّشين. وبالتالي، إما أن نختارَ الاستفادةَ منها، وإما أن نختارَ التهميش. وهذا، بالطبع، ليس في صالحِنا. رابعا، إن لم ننخرط فيها، سنعيش خارجَ النهج الذي يسير عليه العالم، حالِيا. وسيكون مصيرنا شبيهاً بمصير أفغانستان التي يُسيرها حكامٌٌ اختاروا الإسلامَ التراثي المتشدِّد، عوض الإسلام (الدين) الذي جاء به القرآن الكريم، وهو إسلامٌ فيه الرحمة la miséricorde أو la clémence والتَّسامح la tolérance والتَّعايش la coexistence والمغفرة l'absolution…

ولا ننسى أنه إذا أردنا أن نفهمَ القرآن الكريم، ونستنبط منه ما ينفعنا في الحياة، من الضروري أن نتسلَّحَ بجرعة عالية من التَّدبُّر، أي إلى تفكيرٍ عميقٍ أو إلى تأمُّل une méditation يليقان به، لاستِخراجِ منه ما يلائم عصرَنا الحاضر، ما دام هذا القرآن صالِحاً لكل زمان ومكان. وهذا يعني أن كلَّ جيلٍ من البشر يُفسِّر القرآنَ حسب ظروفه الزمانية والمكانية.

وعلى ذكر، القرآن الكريم، أثير الانتباهَ أن آخر الرسل والأنبياء، محمد (ص)، لم يفسِّر القرآن! لماذا؟ لأنه كان سيُفسره انطلاقّاً من الخلفيات الفكرية والثقافية التي كانت سائدةً في عصرِه، أو انطلاقاً من الظروف الزمانية والمكانية التي كانت سائدةً في عصره. لكنه لم يفعل. والسبب الذي جعله لم يفعل، لأنه كان سيترك لنا قرآناً يليق، فقط وحصريا، لعصره.

لكن العلماء والفقهاء الذين جاءوا بعد وفاته، كالطبري والقرطبي وابن كثير والبغوي… فسَّروا القرآن، لكن تفاسيرَهم تتخلَّلها الخرفات les mythes والإسرائليات les récits hébraiques légendaires، علماّ أن هذه التفاسير معمولٌ بها إلى يومنا هذا.

والدليل على ذلك، أن علمائنا وفقهائنا، الحاليين، لم يتوقَّفوا عن ذِكر "قال الطبري"، "قال القرطبي"، "قال ابن كثير"، "قال البغوي"... وكأن الزمان توقَّف والأمكٍنة لم تتغيَّر. ألا يجدر بنا أن نفسِّرَ القرآن، انطلاقا من ظروفنا الزمانية والمكانية؟ وهذا التفسير يجب أن تشاركَ فيه جميع العلوم، الإنسانية، الطبيعية والدقيقة.

بعد هذه التَّوضيحات المُهمة، أثير الانتباهَ أن العلمَ، كمفهوم دنيوي، سبق أن تطرَّقتُ له و وضَّحته في عدة مقالات نشرتها على صفحتي بالفيسبوك. أما الخرافة le mythe، كما سبق الذكر، فهي كل ما يتصوره الخيال البشري، من قصصٍ، وحجَّايات، وأساطير، وعادات… تنتقل من جيلٍ إلى آخر، عبرَ الحكاية والآداب les littératures. وأشهر هذه الآداب، الكتاب الذي ألفه فيلسوفٌ هندي تحت عنوان "كليلة ودمنة"، ونسختُه العربية من تأليف عبد الله بن المقفَّع. وهذا النوع من الآداب كان له هدفٌ يتمثَّل في نشر الحِكمة والموعظة والأخلاق الطيبة، عبر الحيوانات.

فحينما أقول إن تفاسير القرآن، المعمول بها حاليا، تتخلَّلها خرافات وإسرائليات، فهذا يعني أنها تحمل، في طياتِها، شيئا من خيال المفسِّرين أو ما آمنوا به من خرافات وإسرائليات، علما أن هذه التفاسير لا تصلح لعصرنا الحاضر المبني على العلم الذي، بدورِه، مبني على الملاحظة l'observation وصياغة الفرضيات la formulation des hypothèses والتّجريب l'expérimentation والاستنتاج la déduction والتَّحقُّق la veŕification.

فهل يُعقَل أن نبقى سُجَنَاءَ التراث الديني القديم، والعلمُ، من حولنا، يسيرً بسرعة فائقة غيرَ منتبهٍ لوجودِنا من عدمِه. فمتى سنستيقظ من سُباتنا العميق، والركب العلمي لن ينتظرَ أحدا حتى يستيقظ. لقد صدق أحد السياسيين الأفارِقة المرموقين حين قال : "في العالم الغربي، الناس يتسابقون للالتحاق بالوقت. في عالمِنا، الوقت يركض خلفنا للالتحاق بنا".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى