يحيى بركات - عندما تصبح السردية أكبر من الرواية وأكبر من الفيلم

في كل مرة أقرأ فيها سجالاً ثقافياً فلسطينياً، أشعر أن السؤال الحقيقي لا يكون دائماً في ما قيل، بل في ما قد يتركه ذلك السجال من أثر بعد أن يهدأ الغبار.
هذا ما شعرت به وأنا أتابع الجدل الدائر بين الروائي إبراهيم نصرالله وفريق فيلم "فلسطين 36" للمخرجة آن ماري جاسر.
منذ اللحظة الأولى حاول كثيرون دفع النقاش نحو معسكرين متقابلين: إما أن تكون مع الروائي. وإما أن تكون مع المخرجة.
لكنني لا أعتقد أن القضية تكمن هنا.
القضية الأهم هي: كيف نحمي حقوق المبدعين؟ وكيف نحمي في الوقت نفسه حق الأجيال القادمة في إعادة سرد الحكاية الفلسطينية؟
فلسطين ليست رواية. وفلسطين ليست فيلماً. وفلسطين ليست ملكاً لأحد.
إنها السردية الكبرى التي ولدت قبلنا جميعاً، وستبقى بعدنا جميعاً.
من حق أي كاتب أن يدافع عن حقوقه الأدبية والقانونية إذا شعر أن عملاً ما اقتبس من عمله دون إذن أو إشارة أو اعتراف.
هذا حق طبيعي ومشروع.
وفي المقابل، من حق أي مخرج أو كاتب سيناريو أن يستند إلى الوقائع التاريخية والشهادات والوثائق والذاكرة الجماعية من أجل بناء عمله الفني.
وهذا أيضاً حق طبيعي ومشروع.
لكن المشكلة تبدأ عندما تختلط الحدود بين التاريخ وبين إعادة رواية التاريخ.
ثورة 1936 لم يكتبها روائي.
والانتداب البريطاني لم يخترعه كاتب.
والمقاومة الفلسطينية لم تخرج من صفحات رواية.
والقرى المحروقة والمجاهدون والعملاء والضباط البريطانيون والمستوطنات والاعتقالات والعقاب الجماعي كلها وقائع عرفها الفلسطينيون قبل أن تتحول إلى أدب أو سينما.
لهذا فإن التشابه في وجود هذه العناصر لا يكفي وحده للقول بوجود اقتباس.
السؤال الحقيقي يجب أن يكون أكثر دقة:
هل جرى استخدام التعبير الإبداعي الخاص بالرواية؟
أم جرى استخدام الوقائع التاريخية المشتركة التي يحق للجميع العودة إليها؟
ولأنني قادم من عالم السينما، أعرف جيداً أن كثيراً من الأفلام التي تناولت القضية الفلسطينية تشابهت في الشخصيات والأماكن والأحداث.
ليس لأن أحدها سرق الآخر.
بل لأن الجرح واحد.
والذاكرة واحدة.
والاحتلال نفسه.
والقرى نفسها.
والتاريخ نفسه.
بل إن أي مخرج فلسطيني يريد أن يصنع فيلماً عن ثورة 1936 سيجد نفسه مضطراً للمرور بالمراجع ذاتها تقريباً، والشهادات ذاتها تقريباً، والأحداث الكبرى ذاتها تقريباً.
وهذا أمر طبيعي.
بل لا يمكن أن يكون غير ذلك.
لكن ما يقلقني أكثر من الخلاف نفسه هو الطريقة التي يدار بها الخلاف.
فالمشهد الثقافي الفلسطيني ليس غنياً إلى الحد الذي يسمح له بخسارة روائي بحجم إبراهيم نصرالله.
وليس غنياً إلى الحد الذي يسمح له بخسارة مخرجة بحجم آن ماري جاسر.
وليس غنياً إلى الحد الذي يسمح له بتحويل كل اختلاف إلى اصطفاف.
لأن الخاسر في النهاية لن يكون الرواية.
ولن يكون الفيلم.
بل الحركة الثقافية الفلسطينية نفسها.
لهذا أعتقد أن الوقت قد حان لكي ننتقل من ردود الفعل إلى بناء آلية وطنية واضحة للتعامل مع مثل هذه القضايا.
وأقترح هنا على وزارة الثقافة الفلسطينية أن تتبنى مبادرة مهنية دائمة، لا تتعلق بهذه القضية وحدها، بل بكل القضايا المشابهة مستقبلاً.
مبادرة تقوم على تشكيل لجنة مستقلة من:
متخصصين في حقوق الملكية الفكرية.
روائيين وكتاب سيناريو.
مخرجين ونقاد سينمائيين.
مؤرخين وباحثين في التاريخ الفلسطيني.
ممثلين عن المؤسسات الثقافية ذات العلاقة.
تكون مهمتها دراسة أي نزاع يتعلق بالاقتباس أو الملكية الفكرية أو التشابه بين الأعمال الإبداعية.
وتقوم بمراجعة النصوص والسيناريوهات والأفلام والوثائق والمراجع.
ثم تصدر تقريراً مهنياً معللاً يستند إلى الوقائع لا إلى الانفعالات.
ويكون هذا التقرير مرجعاً أخلاقياً وثقافياً ووطنياً يحترمه الجميع.
ليس بهدف فرض الأحكام.
بل بهدف حماية الحقوق.
وحماية المبدعين.
وحماية المناخ الثقافي الفلسطيني من الانقسام والتشهير والتراشق الإعلامي.
ربما يكون الخلاف الحالي عابراً.
وربما ينتهي قريباً.
لكن السؤال الذي سيبقى بعده هو:
هل نريد أن تبقى كل قضية مشابهة رهينة مواقع التواصل الاجتماعي؟
أم نريد أن نحولها إلى فرصة لبناء تقاليد ثقافية محترمة وعادلة؟
أعتقد أن السردية الفلسطينية أكبر من الرواية.
وأكبر من الفيلم.
وأكبر من أي اسم مهما كانت مكانته.
ولهذا تحديداً تستحق أن نحميها بالعقل قبل الانفعال،
وبالحوار قبل الاتهام،
وبالمؤسسات قبل الاصطفافات.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
7/6/2026


1780831960210.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى