كان دون كيشوت بطل رواية ،الأسباني ميغيل دي سيرفانتس
فارساً نبيلاً، لكنه اختار معركة غريبة: حمل رمحه واندفع بكل شجاعة ليحارب طواحين الهواء، مقتنعاً أنها عمالقة شريرة تهدد البشرية. ضحك الناس منه، وسجل التاريخ مغامرته باعتبارها واحدة من أشهر صور الصراع بين الوهم والواقع.
لكن لو عاد دون كيشوت إلى أيامنا هذه، لاكتشف أنه لم يكن وحيداً أبداً، بل إن له آلاف الورثة المنتشرين في كل مكان.
ففي زمننا الحديث، لم تعد طواحين الهواء تحتاج إلى أجنحة خشبية تدور بالريح، بل صارت حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، وإشاعات تتكاثر أسرع من الأرانب، وخلافات افتراضية يخوض فيها الناس حروباً طاحنة منذ الصباح إلى المساء. يخرج أحدهم للدفاع عن قضية كبرى، ثم ينتهي به الأمر في معركة شرسة حول لون مقعد في حديقة أو صورة قديمة أو تعليق مجهول المصدر.
وفي السياسة أيضاً، ظهر دهاقنة جدد من مدرسة الدون كيشوت. فهناك من يقضي سنوات طويلة وهو يحارب خصوماً لم يعودوا موجودين أصلاً، أو يهاجم مؤامرات لم يعثر عليها أحد سوى في مخيلته. بينما تقف أمامه الحفر في الطرقات، والأزبال في الأزقة، والمشاريع المتعثرة، لكنها لا تحظى بنفس الحماس القتالي لأنها لا توفر الإثارة الكافية.
أما بعض النشطاء، فقد طوروا النظرية أكثر. يكفي أن يكتب أحدهم منشوراً غاضباً من عشرين سطراً حتى يشعر بأنه حرر مدينة كاملة من الفساد، وأنه أسقط إمبراطورية من الظلم، ثم يخلد إلى النوم مطمئناً بعد أن حقق انتصاراً تاريخياً بضغطة زر.
وفي المقابل، هناك من يطالب بالإصلاح لكنه يرفض حضور اجتماع، أو المشاركة في جمعية، او وقفة ، أو التصويت، أو حتى رفع طلب رسمي. إنه يريد تغيير العالم من الأريكة، ويعتبر أن أعظم أشكال النضال هي إعادة نشر المنشور نفسه عشر مرات في اليوم.
والأطرف من ذلك أن بعض الفرسان الجدد لا يبحثون عن الطواحين، بل يصنعونها بأنفسهم. فإذا اختفت المشاكل اخترعوا مشكلة، وإذا انتهى الخلاف أعادوا إحياءه، لأن الفارس الذي لا يجد عدواً قد يضطر إلى مواجهة الواقع، والواقع عادة أكثر تعقيداً من الطواحين.
هكذا أصبح النضال عند البعض يشبه سباقاً في حلبة مرايا: ضجيج كثير، وحركات بطولية، وصور تذكارية، وخطب حماسية، لكن الطاحونة تبقى في مكانها، والحفرة تبقى في الطريق، والزبالة تبقى في الرصيف.
ولعل الدرس الذي لم يتعلمه كثير من أحفاد الدون كيشوت هو أن النضال الحقيقي لا يقاس بعدد المعارك الوهمية التي نخوضها، بل بعدد المشاكل الحقيقية التي ننجح في حلها. فليس كل من حمل رمحاً صار فارساً، وليس كل من صرخ أنا مناضل أو قال بالدم ..بالروح أصبح مناضلاً.
أما دون كيشوت نفسه، فلو زار بعض ساحاتنا اليوم، فقد يبتسم أخيراً ويقول:
“الحمد لله… كنت أظن أنني الوحيد الذي يحارب الطواحين.
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي
فارساً نبيلاً، لكنه اختار معركة غريبة: حمل رمحه واندفع بكل شجاعة ليحارب طواحين الهواء، مقتنعاً أنها عمالقة شريرة تهدد البشرية. ضحك الناس منه، وسجل التاريخ مغامرته باعتبارها واحدة من أشهر صور الصراع بين الوهم والواقع.
لكن لو عاد دون كيشوت إلى أيامنا هذه، لاكتشف أنه لم يكن وحيداً أبداً، بل إن له آلاف الورثة المنتشرين في كل مكان.
ففي زمننا الحديث، لم تعد طواحين الهواء تحتاج إلى أجنحة خشبية تدور بالريح، بل صارت حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، وإشاعات تتكاثر أسرع من الأرانب، وخلافات افتراضية يخوض فيها الناس حروباً طاحنة منذ الصباح إلى المساء. يخرج أحدهم للدفاع عن قضية كبرى، ثم ينتهي به الأمر في معركة شرسة حول لون مقعد في حديقة أو صورة قديمة أو تعليق مجهول المصدر.
وفي السياسة أيضاً، ظهر دهاقنة جدد من مدرسة الدون كيشوت. فهناك من يقضي سنوات طويلة وهو يحارب خصوماً لم يعودوا موجودين أصلاً، أو يهاجم مؤامرات لم يعثر عليها أحد سوى في مخيلته. بينما تقف أمامه الحفر في الطرقات، والأزبال في الأزقة، والمشاريع المتعثرة، لكنها لا تحظى بنفس الحماس القتالي لأنها لا توفر الإثارة الكافية.
أما بعض النشطاء، فقد طوروا النظرية أكثر. يكفي أن يكتب أحدهم منشوراً غاضباً من عشرين سطراً حتى يشعر بأنه حرر مدينة كاملة من الفساد، وأنه أسقط إمبراطورية من الظلم، ثم يخلد إلى النوم مطمئناً بعد أن حقق انتصاراً تاريخياً بضغطة زر.
وفي المقابل، هناك من يطالب بالإصلاح لكنه يرفض حضور اجتماع، أو المشاركة في جمعية، او وقفة ، أو التصويت، أو حتى رفع طلب رسمي. إنه يريد تغيير العالم من الأريكة، ويعتبر أن أعظم أشكال النضال هي إعادة نشر المنشور نفسه عشر مرات في اليوم.
والأطرف من ذلك أن بعض الفرسان الجدد لا يبحثون عن الطواحين، بل يصنعونها بأنفسهم. فإذا اختفت المشاكل اخترعوا مشكلة، وإذا انتهى الخلاف أعادوا إحياءه، لأن الفارس الذي لا يجد عدواً قد يضطر إلى مواجهة الواقع، والواقع عادة أكثر تعقيداً من الطواحين.
هكذا أصبح النضال عند البعض يشبه سباقاً في حلبة مرايا: ضجيج كثير، وحركات بطولية، وصور تذكارية، وخطب حماسية، لكن الطاحونة تبقى في مكانها، والحفرة تبقى في الطريق، والزبالة تبقى في الرصيف.
ولعل الدرس الذي لم يتعلمه كثير من أحفاد الدون كيشوت هو أن النضال الحقيقي لا يقاس بعدد المعارك الوهمية التي نخوضها، بل بعدد المشاكل الحقيقية التي ننجح في حلها. فليس كل من حمل رمحاً صار فارساً، وليس كل من صرخ أنا مناضل أو قال بالدم ..بالروح أصبح مناضلاً.
أما دون كيشوت نفسه، فلو زار بعض ساحاتنا اليوم، فقد يبتسم أخيراً ويقول:
“الحمد لله… كنت أظن أنني الوحيد الذي يحارب الطواحين.
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي