كاظم حسن سعيد - الشيئية في الشعر , فرنسيس بونج انمودجا‏).

اطلق على انسنة الاشياء او ما اسميه ‏( الشيئية في الشعر‏) مصطلحات عدة منها :

١ قصيدة-الشيء : وهو المصطلح النقدي الأكثر دقة وشهرة عالمياً. صِيغ أولاً في الأدب الألماني (مع ريلكه) ثم انتقل لفرنسا، ويُقصد به تحويل "الشيء" من مجرد أداة مهملة إلى "بطل" القصيدة ومحورها الأساسي.
٢ الشعر الظاهراتي (الفينومينولوجي): نسبة إلى الفلسفة الظاهراتية التي نادت بـ "العودة إلى الأشياء ذاتها"، ودراسة الكائن الصامت بعيداً عن إسقاطات الإنسان المسبقة.
٣ المادية الشعرية : حيث تصبح مادية الحرف ومادية الجسد الخارجي (الخشب، الحجر، الصابون) هي جوهر الإبداع.
ويعد الشعراء ‏( فيليب جاكوتيه ,ابولونير وفرنسيس يونج وريتسوس ‏) ابرز من مثل هذا الاتجاه.
وفيما تراجعت الشيئية في عالم الرواية تواصلت في الشعر.
فرانسبس بونج: ‏(١٨٩٩-١٩٨٨‏).
تميز شعر فرانسيس بونج ) بأسلوب فريد بات يُعرف في النقد الأدبي بـ "قصيدة-الشيء" (Poème-objet). لقد رفض بونج النبرة الخطابية، والمبالغات العاطفية، والرمزية الغامضة؛ واختار بدلاً من ذلك لغةً تشبه مبضع الجراح: دقيقة، ومحايدة، ومتقشفة، لكنها تفيض بالدهشة والمفارقة.

في كتابه الأيقوني ‏( بجانب الأشياء" )، تظهر القصيدة عنده كدراسة سيكولوجية وتأملية عميقة لبنية الأشياء اليومية المهملة.
مختارات من شعره:
١ قالب الصابون
ثمة في الصابون نوع من البهجة المائية.
كلما تلاعبتَ به، أطلق رغوةً بيضاء، تفيض بالفقاعات مثل زفرات متلاحقة.
إنه كائن ذكي، يختبئ في جفافه، لكنه بمجرد أن يلمس الماء، يبدأ في الكلام بلسانٍ من رغوة.
الغريب في هذا الكائن، أنه كلما نجح في تنظيف أيدينا، كلما تضاءل جسده، إنه يموت تدريجياً لكي يهبنا النقاء، متلاشياً في السر دون أن يترك وراءه سوى عطرٍ عابر وسيلٍ من ماء عكر."

٢ الباب

"البشر يحبون الأبواب، لكنهم لا يفهمون معاناتها.

الباب هو الكائن الوحيد الذي لا يملك إرادة في مكانه؛ إنه مصلوب في الجدار، ومحكوم عليه بالدوران حول محور واحد إلى الأبد.

انظروا كيف يتلقى الصدمات: البشر يدفعونه بقسوة حين يكونون غاضبين، ويصفقونه وراءهم حين يستعجلون الرحيل، أو يطرقون عليه بقبضاتهم العنيفة لكي يطلبوا الإذن بالدخول. إنه يتلقى كل هذه الإهانات اليومية بصمت، ودون أن يبرح مكانه.

والباب يملك لغته الخاصة؛ ذلك الصرير الحزين الذي يطلقه حين تصدأ مفاصله، ليس مجرد صوت ميكانيكي، بل هو آهة احتجاج وتأوه من ثقل السنين ومن كثرة العابرين الذين يمرون عبر جسده دون أن يلتفت إليه أحد.

إنه الحارس الوفي الذي يمنح الأمان للداخل، ويعزل صخب الخارج. لكن المفارقة الكبرى في حياة الباب، هي أنه لا يملك الخيار في من يعبره؛ إنه يفتح ذراعيه للجميع: للصديق، للغريب، وللريح الباردة على حد سواء. وحين يُغلق أخيراً في الليل، فإنه يفعل ذلك لكي يحمي عزلة الآخرين، بينما يظل هو وحيداً، واقفاً في الظلام بين عالمين."
........
ريتسوس ‏(1909 – 1990)

قصيدة: الكرسي الخالي

"تُركَ الكرسيُّ وحيداً في زاوية الغرفة.
لم يعد أحدٌ يجلسُ عليه،
لكنه ما زال يحتفظُ بانحناءةِ الجسدِ الذي غادره.
في الليل،
عندما تهدأ الأصوات،
يمتدُّ خشبُه في الظلام،
كأنه يسترجعُ غابته القديمة،
أو كأنه ينتظرُ يداً حانيةً تلمسُ مسندهُ البارد.
الأشياءُ لا تموتُ حين يرحلُ أصحابها،
بل تبدأُ حياةً أخرى..
حياةً من الانتظارِ الصامت."

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى