يحيى بركات - كريم خان... هل خان؟ في بعض الأفلام لا يكون السؤال: من القاتل؟ بل: من التالي؟

تسقط شخصية.
ثم أخرى.
ثم ثالثة.
ويظل المشاهد منشغلًا بالأسماء، بينما تكون القصة الحقيقية تجري في مكان آخر.
في الأفلام الجيدة لا يبدأ المشهد من الجريمة.
يبدأ من شيء أصغر بكثير.
من نظرة.
من ظرف مغلق.
من هاتف يرن في ساعة متأخرة من الليل.
من درج يُفتح ببطء.
ومن يدٍ تعرف تمامًا ماذا تبحث عنه.
ثم تمضي الأحداث.
يموت شخص.
يسقط آخر.
تختفي شخصية.
وتظهر فضيحة.
وينشغل الجمهور بالأسماء.
بينما تكون الحكاية الحقيقية مختبئة في مكان آخر.
في السياسة أيضًا يحدث الأمر نفسه.
نقرأ الخبر.
نختلف حول الخبر.
نلعن أبطال الخبر أو نصفق لهم.
لكننا نادرًا ما نسأل:
من كتب السيناريو؟
ومن قرر توقيت العرض؟
ومن اختار لحظة فتح الدرج؟
حين ظهر اسم كريم خان على الشاشات العالمية، انشغل العالم بالسؤال الخطأ.
هل الرجل مذنب؟
هل الاتهامات صحيحة؟
هل سقط؟
هل انتهى؟
لكن السؤال الذي شدني لم يكن أيًا من ذلك.
كنت أسأل نفسي:
لماذا لم يصبح كريم خان مشكلة عندما أصدر مذكرة توقيف بحق فلاديمير بوتين؟
ولماذا أصبح مشكلة عندما اقترب من بنيامين نتنياهو؟
الرجل نفسه.
المحكمة نفسها.
القانون نفسه.
المنصب نفسه.
لكن العالم لم يكن هو العالم نفسه.
حين كان الاتهام موجهًا إلى بوتين، بدا كريم خان في صورة رجل العدالة الدولية.
صفق له الغرب.
واحتفت به العواصم التي تحب القانون حين يكون القانون متجهًا إلى خصومها.
لم يخرج أحد ليسأل عن حياته الخاصة.
لم تتحول سيرته إلى ملف عالمي.
لم تُفتح عليه الأدراج.
لم يصبح القاضي نفسه متهمًا.
كان القانون يعمل.
وكان العالم يصفق.
ثم تحركت البوصلة نحو غزة.
نحو نتنياهو.
نحو غالانت.
نحو الحرب التي تُبث أمام العالم كما تُبث الأفلام الطويلة، ولكن بلا نهاية وبلا عدالة.
وفجأة لم يعد الحديث عن الجريمة.
بل عن حامل الملف.
كأن العدسة انتقلت من المتهم إلى القاضي.
ومن القضية إلى من تجرأ على حملها.
ومن غزة إلى كريم خان.
وهنا بدأت الحكاية بالنسبة لي.
لا أعرف إن كان كريم خان مذنبًا أو بريئًا.
ولا أكتب لأبرئ الرجل أو لأدينه.
ولست قاضيًا كي أحكم عليه.
لكنني أعرف أن السؤال صار أكبر من الرجل.
وأكبر من المحكمة.
وأكبر حتى من نتنياهو.
هل خان كريم خان؟
أم أن العدالة الدولية هي التي خانته؟
هل خان الرجل قضيته؟
أم أن النظام الدولي كله خانه حين اقترب من النقطة التي لا يريد أحد الاقتراب منها؟
هنا تكمن قوة العنوان.
ليس في اتهام كريم خان شخصيًا.
بل في اللعب على المعنى الأعمق لكلمة “خان”.
هل خان؟
أم خُذل؟
هل سقط؟
أم أُسقط؟
هل كان الملف موجودًا منذ البداية؟
ربما.
هل كانت الاتهامات تستحق التحقيق؟
ربما.
لكن لماذا أصبح كل شيء عاجلًا في هذه اللحظة بالذات؟
ولماذا لم يكن عاجلًا قبلها؟
هذه ليست أسئلة قانونية فقط.
هذه أسئلة سياسية.
فالسياسة لا تسأل دائمًا إن كان الملف موجودًا.
السياسة تسأل:
متى يجب فتحه؟
ومن يجب أن يتضرر من فتحه؟
ومن يجب أن يستفيد؟
لا أحد يرى الأدراج.
نحن نرى الرؤساء.
نرى القضاة.
نرى الجنرالات.
نرى الملوك.
نرى المذيعين.
نرى المليارديرات.
لكننا لا نرى الأدراج.
الأدراج لا تظهر في الصور الرسمية.
ولا في نشرات الأخبار.
ولا في المؤتمرات الصحفية.
ومع ذلك، ربما تكون هي أكثر ما يحكم العالم.
تخيل للحظة أن كل شخصية مؤثرة على هذا الكوكب لديها درج خاص بها.
في أحد الأدراج صورة.
وفي آخر تسجيل.
وفي ثالث علاقة سرية.
وفي رابع حساب مصرفي.
وفي خامس امرأة.
نعم...
امرأة.
فالمرأة في قصص الحب هي أجمل ما في الحياة.
لكنها في عالم الاستخبارات قد تتحول إلى سلاح.
منذ آلاف السنين لم تتغير القاعدة.
حين تفشل الجيوش في الوصول إلى الرجل، تُرسل إليه الرغبة.
وحين تفشل السياسة في كسره، يُبحث عن نقطة ضعفه.
وفي كثير من الأحيان لا يكون السقوط بسبب الخيانة الوطنية.
بل بسبب الخيانة الإنسانية العادية.
لحظة ضعف.
نزوة.
وهم.
أو اعتقاد ساذج بأن أحدًا لا يراقب.
كم مسؤولًا سقط؟
كم قائدًا انتهى؟
كم رجلًا ظن أنه يصنع التاريخ، بينما كانت الكاميرا تصنع ملفه؟
وليس الجنس وحده.
هناك المال.
ذلك الإله الصامت الذي لا يرفع صوته أبدًا.
لا يخطب.
لا يغني.
لا يكتب بيانات.
لكنه يفتح الأبواب المغلقة.
ويغلق أفواهًا كثيرة.
كم دولة تغيرت سياساتها لأن قرضًا وصل؟
أو لأن استثمارًا انسحب؟
أو لأن عقوبة فُرضت؟
أو لأن مليارات تحركت من حساب إلى حساب؟
كم ثورة نجحت لأن المال أراد لها أن تنجح؟
وكم ثورة ماتت لأن المال أراد لها أن تموت؟
كم زعيم ظن أنه يحكم شعبه، ثم اكتشف أن كرسيه مربوط بحسابات لا يراها الناس؟
وكم دولة نامت على خطاب سيادي، ثم استيقظت على فاتورة لا تستطيع دفعها؟
ثم تأتي المصالح.
المصالح التي لا دين لها.
ولا أخلاق لها.
ولا ذاكرة لها.
ولا أصدقاء دائمين لها.
بالأمس كان الرجل إرهابيًا.
واليوم أصبح رئيس دولة.
بالأمس كان حليفًا.
واليوم أصبح ديكتاتورًا.
بالأمس كان مناضلًا.
واليوم أصبح مطلوبًا.
وفي الغد قد يحدث العكس.
هكذا تعمل المصالح.
لا تنظر إلى الوجوه.
بل إلى الوظائف.
وحين تنتهي وظيفة شخص ما...
ينتهي الشخص.
لهذا لا أستغرب أن يخرج ملف من درج.
ولا أستغرب أن تختفي فضيحة.
ولا أستغرب أن يتحول قاضٍ إلى متهم.
أو صحفية إلى هدف.
أو رئيس إلى خبر قديم.
ما يثير دهشتي حقًا هو أننا ما زلنا نتعامل مع هذه الأشياء كما لو أنها أحداث منفصلة.
جون كيندي هنا.
رابين هناك.
فالدهايم في زاوية أخرى.
كريم خان في لاهاي.
آمال خليل تحت الركام.
إبستين في زنزانته.
كلينتون مع مونيكا.
ترامب يتحدث عن الدولة العميقة.
وسوريا تتحول من دولة إلى ساحة دولية مفتوحة، ومن كان مطلوبًا بالأمس قد يصبح جزءًا من مشهد الحكم اليوم.
ننظر إلى كل مشهد وحده.
فنفقد الفيلم.
بينما الحقيقة ربما تكون أبسط وأكثر رعبًا.
هناك من يجمع المعلومات.
وهناك من يجمع النفوذ.
وهناك من يجمع المال.
وهناك من يجمع نقاط الضعف.
ثم يأتي الوقت المناسب.
ويُفتح الدرج المناسب.
أما الشعوب...
فتبقى مشغولة بالحدث.
بينما القصة الحقيقية كانت تُكتب منذ سنوات طويلة في مكان آخر.
جون كيندي لم يكن تفصيلًا عابرًا في هذا المشهد.
رئيس أمريكي شاب، يقف في قلب الإمبراطورية، ويقترب من واحد من أكثر الملفات حساسية: المشروع النووي الإسرائيلي.
ضغط.
سأل.
طالب بالوضوح.
أراد أن يعرف ماذا يجري في ديمونا.
ثم خرج من المسرح.
وبقي المشروع.
لا أقول أكثر من ذلك.
ولا أحتاج أن أقول أكثر من ذلك.
أحيانًا يكفي أن تضع المشهدين بجانب بعضهما.
رئيس يزعج السر.
ثم يختفي الرئيس.
ويبقى السر.
كورت فالدهايم أيضًا ليس مجرد اسم في أرشيف الأمم المتحدة.
رجل جلس على رأس المنظمة الدولية.
ثم صار رئيسًا للنمسا.
وحين اصطدم بإسرائيل أو ضايق روايتها السياسية، استيقظ فجأة ملف قديم من زمن الحرب العالمية الثانية.
ربما كان الملف حقيقيًا.
وربما كان يجب أن يُفتح منذ البداية.
لكن السؤال الذي لا يموت:
لماذا استيقظ الملف في تلك اللحظة؟
لماذا لم يستيقظ قبلها؟
ولماذا لا تستيقظ كل الملفات بالعدالة نفسها والسرعة نفسها؟
ثم يأتي رابين.
جنرال من داخل البيت الإسرائيلي.
ليس ملاكًا.
ولا صديقًا للفلسطينيين.
ولا رجلًا خرج من روايتنا.
لكنه فتح نافذة.
نافذة صغيرة.
تكتيكية ربما.
ناقصة بالتأكيد.
لكنها نافذة.
وفي عالم يريد الجدران، تصبح النافذة جريمة.
فخرجت الرصاصة من داخل البيت نفسه.
وأغلقت النافذة.
ومنذ ذلك اليوم بقي السؤال معلقًا:
هل قُتل رابين لأنه أحب السلام؟
ربما لا.
لكن هل قُتل لأنه تجاوز حدود ما يسمح به المتطرفون داخل إسرائيل؟
هذا ما يقوله المشهد كله، حتى قبل أن يقوله المؤرخ.
أما آمال خليل، فقصتها ليست في موتها فقط.
بل في ما سبق موتها.
صحفية صغيرة في جنوب لبنان.
لا تملك جيشًا.
ولا دولة.
ولا قنبلة نووية.
تملك كاميرا.
وصوتًا.
ووجودًا في المكان الذي يريد القاتل أن يبقى بلا شهود.
تحدثت عن تهديدات.
ثم جاءت الغارة.
ثم بقيت تحت الركام.
وبقي التسجيل.
وبقي السؤال.
هل كانت آمال خليل ضحية حرب؟
أم أن الحرب كانت المسرح الذي وقعت عليه الجريمة؟
هنا لا يحتاج الكاتب إلى وثيقة سرية كي يشعر بثقل المشهد.
فالتهديد الذي يسبق الموت ليس تفصيلًا.
إنه ظل طويل يمشي خلف الجنازة.
ثم يأتي إبستين.
ليس لأنه رجل منحرف.
العالم مليء بالمنحرفين.
لكن لأن حكايته كشفت شيئًا أبعد من الانحراف.
كشفت أن النخب السياسية والاقتصادية والإعلامية قد تعيش سنوات طويلة فوق حقل من الأسرار.
كشفت أن المعرفة قد تكون أقوى من السلاح.
وأن الصورة في مكان مغلق قد تكون أثقل من خطاب في الأمم المتحدة.
وأن الإنسان الذي يجلس في القمة قد يكون، في لحظة ما، مجرد شخص يخاف من فتح درج.
هذا هو الرعب الحقيقي في ملف إبستين.
ليس الفضائح وحدها.
بل السؤال:
من كان يعرف؟
ومن كان يحتفظ؟
ومن كان ينتظر؟
ومن كان يخاف؟
حتى البيت الأبيض نفسه لم يكن بعيدًا عن هذه الجمهورية الخفية.
حين طُرحت اتهامات التجسس والتنصت قرب البيت الأبيض، مر الخبر كما تمر عاصفة يعرف الجميع أنها وقعت، ثم يتصرفون كأن الهواء لم يتحرك.
وحين تصبح المفاوضات مع إيران ملفًا مفتوحًا على الحرب والسلام، لا تعود المعلومة تفصيلًا.
تصبح المعلومة سلاحًا.
من يعرف ماذا قال المفاوض قبل أن يعلنه، يملك لحظة إضافية في التاريخ.
ومن يملك لحظة إضافية، قد يغير قرارًا.
وقد يؤخر حربًا.
وقد يصنع حربًا.
وقد يفتح درجًا.
لهذا لا أبحث هنا عن القاتل.
ولا عن المتآمر.
ولا عن اليد الخفية.
هذه مهمة المحققين.
أما أنا فأبحث عن شيء آخر.
أبحث عن الإنسان.
ذلك الكائن الذي يظن أنه حر.
بينما يقضي عمره كله هاربًا من ملف قد لا يعرف أصلًا أنه موجود.
أبحث عن العدالة حين تقترب من الأقوياء.
عن القاضي حين يتحول من سائل إلى مسؤول عن الإجابة.
عن الشاهد حين يصبح وجوده خطرًا.
عن الصحفي حين تصبح الكاميرا التي يحملها سببًا كافيًا لقتله.
عن الرئيس حين يقترب من سر لا يجوز الاقتراب منه.
عن العالم حين يصفق للعدالة وهي تلاحق خصومه، ثم يرتبك عندما تقترب العدالة من أصدقائه.
هنا يعود كريم خان.
ليس كبطل.
ولا كضحية مؤكدة.
ولا كخائن مثبت.
بل كباب.
كريم خان مجرد باب.
مجرد شخصية دخلت المشهد في الفصل الأخير.
العقدة الحقيقية ليست هو.
العقدة الحقيقية هي:
ماذا يحدث للإنسان عندما يقترب من الملف الذي لا يريد أحد فتحه؟
ماذا يحدث للقاضي عندما يقترب من الجريمة المحمية؟
ماذا يحدث للعدالة عندما تصل إلى حدود القوة؟
وماذا يحدث للعالم عندما يكتشف أن القانون الذي يتغنى به ليس واحدًا على الجميع؟
ماذا لو اختفى كريم خان غدًا من المشهد؟
هل ستختفي معه ملفات غزة؟
هل ستختفي صور الأطفال؟
هل ستختفي المقابر الجماعية؟
هل ستختفي المستشفيات المحترقة؟
هل ستختفي صرخات الأمهات؟
هل ستختفي الأسئلة التي دفعت المحكمة أصلًا إلى فتح التحقيق؟
هنا يصبح اسم الرجل تفصيلًا.
ويصبح السؤال الحقيقي:
هل العدالة الدولية قوية بما يكفي لمحاسبة الأقوياء؟
أم أنها قوية فقط عندما يكون المتهم ضعيفًا؟
هل القانون ميزان؟
أم باب له مفاتيح لا يملكها إلا الأقوياء؟
هل المحكمة بيت للعدالة؟
أم غرفة أخرى داخل جمهورية الأدراج؟
ربما يكون كريم خان مذنبًا.
وربما يكون بريئًا.
وربما لن نعرف الحقيقة كاملة أبدًا.
لكن الحقيقة التي أعرفها أن التاريخ لا يتذكر أسماء المحققين كثيرًا.
ولا أسماء القضاة.
بل يتذكر اللحظات التي تراجع فيها العالم عن مبادئه.
يتذكر اللحظة التي تصبح فيها العدالة شجاعة وهي تطارد الضعفاء.
ومترددة وهي تقترب من الأقوياء.
يتذكر اللحظة التي يتحول فيها القاضي من باحث عن الحقيقة إلى جزء من القضية.
ومن حامل للملف إلى ملف يُفتح عليه.
عندها لا يعود السؤال:
هل خان كريم خان؟
بل:
من الذي خان العدالة أولًا؟
الرجل؟
أم العالم الذي أقسم أن يجعل القانون فوق الجميع، ثم وضع فوق القانون استثناءً واحدًا لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه؟
ربما لهذا لا يخيفني العالم الذي تملؤه الصواريخ وحدها.
بل العالم الذي تملؤه الأدراج.
فالصاروخ يقتل مدينة.
أما الملف...
فقد يغيّر مصير أمة.
الصاروخ يترك دخانًا.
أما الملف فيترك خوفًا.
الصاروخ يُرى من بعيد.
أما الملف فيعمل في الظلام.
الصاروخ يحتاج إلى زر.
أما الملف فيحتاج إلى توقيت.
وفي هذا العالم، لا تكمن المأساة في أن هناك أسرارًا.
المأساة أن مصائر الشعوب قد تُصنع أحيانًا من أسرار لا يعرفون عنها شيئًا.
من صورة لم يروها.
من تسجيل لم يسمعوه.
من علاقة لم يعرفوها.
من مال لم يلمسوه.
من صفقة لم يشاركوا فيها.
ومن درج لم يملكوا مفتاحه يومًا.
ولهذا، حين أسأل:
كريم خان... هل خان؟
لا أبحث عن إجابة تخص الرجل وحده.
أنا أسأل عن العدالة.
عن السياسة.
عن القوة.
عن الخوف.
عن الإنسان.
وعن هذا العالم الذي وعدنا أن القانون فوق الجميع، ثم ظل يبحث، في كل مرة، عن شخص أو دولة أو كيان يقول له:
إلا هنا.
إلا هذا الملف.
إلا هذا الدرج.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
10/6/2026


FB_IMG_1781048233109.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى