عندما يتحوَّل التخصُّص في العلوم الدينية إلى سلطة

أول انتقاد يمكن توجيهُه لعلماء وفقهاء الدين المُتخصِّصون في العلوم الدينية، هو أن القرآن الكريم الذي يحمل رسالةَ الإسلامِ (الدين)، موجَّهٌ للبشرية جمعاء، وليس لناسٍ أو لقومٍ دون آخرين. فلماذا هذا الاستحواذ المُخالِف لما جاء به القرآن الكريم؟ علماً أن آياتٍ كثيرةً من القرآن تؤكد هذا الاتِّجاه. من بين هذه الآيات، أذكر، على سبيل المثال ما يلي :

1."وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" (سبأ، 28).

2."تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا" (الفرقان، 1).

3."يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآَمِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ" (النساء، 170).

هذه الآيات الثلاثة تبين، بوضوح، أن القرآن الكريم الحامل لرسالةِ الإسلام (الدين)، موجَّه للبشرية جمعاء. وما دام موجَّهًا لجميع الناس قاطِبةً، فالاطِّلاع على هذا القرآن يجب أن يكونَ مباشرا، أي بدون وسطاء، ليتمَّ التواصلُ الإيماني بين الخالِق والناس. إذن، من المفروض، أن لا يكونَ هناك وسطاء بين هذا الخالق وهؤلاء الناس.

ولهذا، فدور علماء وفقهاء الدين، هو تعليمُ الناس الأحكامَ الشرعيةَ، وتوضيح وشرحُ النصوص الدينية، وهداية الناس لِما لهم فيه خيرٌ، وطِبقًا لِما جاء به القرآن الكريم وما يسمُّونه السُّنة.

لكن هؤلاء العلماء والفقهاء، عوض أن يكتفوا بالتعليم والتوضيح والشرح والهِداية، فإنهم يتقلَّقون، ويرفعون أصواتَهم، وتهتم أطراف أجسامِهم، عندما يحاول أحدُهم، و بالأخص، المثقفون أن يوجِّهَ لهم انتقادًا يخصُّ أمرًا من الأمور الدينية. حينها يكون ردُّهم الفوري، "لستَ مُتخصِّصا حتى تدليَ برأيِك في هذا الأمر". فماذا يمكن أن نستخلصَه من هذا الرد؟

ما يمكن استِخلاصُه من هذا الرد، عدَّة أشياء.

أوَّلاً، ما يمكن استِخلاصُه من هذا الرد، هو أعلماء وفقهاء الدين، الأحياء منهم والأموات، تصرَّفوا ويتصرَّفون كأن الدين الإسلامي مِلكٌ لهم أو كأنهم أوصياء على الناس في حياتِهم العقائدية. ولهذا، فإنهم يتجاوزون الدَّورَ المنوط بهم، أي التعليم والتوضيح والشرح والهداية.

السؤال الذي يفرِض نفسَه علينا، هنا، هو : "لماذا يُكفِّرون، بسهولةٍ فائقةٍ، كلَّ مَن ينتقدهم ويقول لهم إنكم مخطِئون في هذا الأمر أو ذاك؟ علما أن التكفيرَ وضعٌ يرجع أمرُه إلى الله، سبحانه وتعالى، الذي يعلم سرائر النفوس البشرية وما تُعلنِه وما تُخفيه. إن دلَّ التكفير الذي يقوم به علماء وفقهاء الدين، على شيءٍ، إنما يدل على أن علماء وفقعاء الدين، الحاليين، لا يزالون يعتقدون أن الدينَ ملكٌ لهم وأنهم، كما سبق الذكرُ، أوصِياء على الناس في حياتِهم العقائدية.

وما يمكن، كذلك، لستخلاصُه، ثانياً، من هذا الرد، هو أن أي إنسان، كيفما كان مستواه الفكري، لا يمكِنه أن يفهمَ القرآن حسب هذا المستوى، وبالتالي، لا يمكِنه أن يربِطً علاقةً روحيةً مع خالقه، بدون وسيطٍ.

ثالثا، فهمُ القرآن الكريم وتدبُّرُه مُتاحان لجميع الناس، وحسب مستوياتِهم الفكرية. ولهذا، تمَّت ترجمة القرآن إلى كثيرِ من اللغات. وتدبُّر آيات القرآن الكريم يكون طِبقًا لِما جاء، بالتَّتابع، في الآيات رقم 29 و82 و24 من سُوَرِ ص والنساء ومحمد :

1."كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ"

2."أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا"

3."أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا".

فكيف لعلماء وفقهاء الدين أن يخالِفوا الأوامرَ الإلهية التي تدعو الناسَ لفهمٍ القرآن وتدبُّر آياته، علما أنه لا يوجد، في هذا القرآن، ولو آية واحدة تبيِّن بأن الدين الإسلامي مِلكٌ لعلماء وفقهاء الدين. كما لا توجد ولو آية واحدة تبيٍِن أنهم أوصياء على الناس في حياتِهم العقائدية. وحتى الرسول (ص) أمره الله، سبحانه وتعالى، بتبليغ الرسالة، ولا سيطرةَ له على الناس. بل القرآن يُلِحّ على المسؤولية الفردية للإنسان أمام الله، ويُلح، كذلك، على أن دورَ الرسلَ والعلماء ينحصِر في التبليغ والتِّبيان.

غير أن علماءَ وفقهاءَ الدين خالفوا الأوامر الإلهية ونصَّبوا أنفسَهم أوصياء على الناس في ممارسة ما يتطلبه الإسلام من فرائض وثوابت. فإذا كان علماءُ وفقهاء الدين أوصياء على الناس، في هذه الممارسة، فلماذا الله، سبحانه وتعالى، يخاطب الناسَ مباشرةً ويدعوهم للتَّخلِّي عن الشرك والكفر واعتناق دين الله الذي هو الإسلام. يقول، سبحانه وتعالى، في هذا الشأن :

1.الآية رقم 21 من سورة البقرة : "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ".

2.الآية رقم 170 من سورة النساء : "يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا".

ما هو واضحٌ، في الآيتين السابقتين، هو خطَابُ الله، سبحانه وتعالى، المباشر للناس. لو كان، فعلاً، علماء وفقهاء الدين أوصياء على الناس، لخَاطبَهم، أولاً، وطلب منهم دعوة الناس للإيمان. لكنه، عزَّ وجلَّ، لم يفعل. بل قال "...وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ…" بمعنى أن الله غني عن شِركهم وعن كُفرهم، وحتى عن إيمانِهم. بل الله غني عن العالمين، كما جاء ذلك في الآية رقم 6 من سورة العنكبوت : "وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ"، بما فيهم علماء وفقهاء الدين.

إن فهم القرآن الكريم وتدبرَه متاح لجميع الناس، وذلك، حسب مستوياتهم الفكرية، فالله تعالى خاطب الناس جميعاً في القرآن ليعقلوا هذا القرآن ويتدبَّروا آياتِه. وتدخُّلُ علماء وفقهاء الدين يكون للرفع من مستوى هذا الفهم وتوجيهه نحو ما أراده الله، سبحانه وتعالى، من هدايةٍ وإرشادٍ للطريق المستقيم.

غير أن علماء وفقهاء الدين، كما سبق الذكرُ، يتقَلَّقُون عندما ينتقِدونهم المثقفون ويُوجهون لهم اللومَ عندما يُخطئون. لماذا؟

لأن علماء وفقهاء الدين، علاوةً على ظنِّهم أن الدينَ ملكٌ لهم وعلى تنصيب أنفسِهم أوضياء على الناس في حياتِهم العقائدية، يظنون أن تفسيرَهم للنصوص الدينية، القرآن وما يسمونه السُّنة، هو تفسيرٌ مطلق لهذه النصوص، أي تفسيرٌ عبارة عن صورة طبق الأصل لِما أراده الله، سبحانه وتعالى، للناس من إيمانٍ وهدايةٍ. أي أن تفسيرَهم للنصوص الدينية واحد أوحد la seule et unique explication des textes religieux.

بينما الحقيقة، كل الحقيقة أن تفسيرَ علماء وفقهاء الدين للنصوص الدينية، تفسيرٌ مرتبطٌٌ بالزمان والمكان، وبالتالي، فهو تفسير قابلٌ، منطِقيا، للنقاش والتغيير، إذا تغيَّر الزمان والمكان. وهذا التفسير، في جلِّ أطوارِه، لم يتغيَّر، رغم تغيير الزمان والمكان تغييراً جذرياً. وهذا هو ما جعل علماء وفقهاء الدين، القدامى والحاليين، يعتقدون أن تفسيرَههم للنصوص الدينية تفسيرٌ واحد أوحد ومطلق.

ولا داعيَ للقول أن تفسيرَ علماء وفقهاء الدين، القدامى، للنصوص الدينية، هو إنتاج فكري بشري une production .intellectuelle humaine وما دام البشر يُصيبون ويُخطئون، فتَفسير علماء وفقهاء الدين، القدامى والحاليين، للنصوص الدينية، قابل للنقاش discutable. وهذا "التفسير القابل للنقاش" هو الذي يُقلق علماء وفقهاء الدين، الحاليين، لأنهم يعتقدون، اعتِقادا راسِخاً، بأن تفسيرَهم واحد أوحد.

بينما تفسيرُهم، أي تفسير علماء وفقهاء الدين، القدامى، ليس إلا إفرازُ للخلفيات الفكرية والثقافية التي كانت سائدةً في حياتهم العامة واليومية. وبعبارة أخرى، ما يسمونه تفسيرا واحدا أوحد، هو، في الحقيقة، إدراكُهم، هم، لهذه النصوص الدينية، علماُ أن هذا الإدراكَ مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالثقافة الدينية التي كانت سائدةً في عهدِهم.

في ختام هذه المقالة، إن ما يسعى إلى تحقيقيه علماء وفقهاء الدين الحاليين، هو توظيف instrumentalisation التخصُّص في العلوم الدينية، واتخاذه كمطية لبسط سيطرتِهم على العقول البشرية وتجميدها، بل إنهم يحتكرون فهمَ الدين أكثر من غيرهم، علماً أن القرآن الكريم ليس فيه ولو آية واحدة تشير إلى وجود وسطاء بين الخالق والأفراد الذين اتخذوا الإسلامَ كدينٍ أو كعقيدةٍ. بل، كما سبق الذكر، العلاقة بين الإنسان وخالِقه مباشرة. وإلا لماذا قال، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 186 من سورة البقرة : "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى