يحيى بركات - من يتحدث عن البيت؟

قبل أيام رأيت رجلاً من غزة يقف أمام كومة حجارة.

لم يكن يبكي.
ولم يكن يصرخ.
ولم يكن يبحث عن كاميرا أو صحفي أو ميكروفون.

كان ينظر فقط.
ينظر إلى المكان الذي كان فيه بيته.

ثم قال جملة قصيرة ومضى:
"هنا كانت غرفة ابني."

توقفت عند الجملة طويلاً.
لم يقل:
هنا كانت فلسطين.

ولم يقل:
هنا كانت المقاومة.

ولم يقل:
هنا كانت السلطة.

قال فقط:
"هنا كانت غرفة ابني."
وربما لهذا السبب بدت الجملة أكبر من السياسة كلها.

منذ ذلك اليوم وأنا أتابع ما يجري بطريقة مختلفة.
أقرأ عن اجتماعات القاهرة.
وعن السلاح.
وعن اللجان.
وعن قوات الاستقرار.
وعن اليوم التالي في غزة.
وأقرأ عن محمد دحلان.
وعن حماس.
وعن السلطة.
وعن انتخابات المجلس الوطني.
وعن نتائج مؤتمر حركة فتح.
وأشعر أن الجميع يتحدث عن شيء واحد.
لكن كل واحد يسميه باسم مختلف.

محمد مشارقة يرى فرصة.
هاني المصري يرى فخاً.
خالد عبد المجيد يعود إلى الميثاق الوطني.
عبد الرحيم جاموس يبحث عن الخارج الفلسطيني الذي بدأ يختفي من المشهد.
إبراهيم أبراش يحذر من "دحلانستان".
وآخرون يتحدثون عن السلاح.
وعن الأمن.
وعن اللجان.
وعن الإدارة.

لكن كلما قرأت أكثر شعرت أن الجميع يقف حول البيت نفسه.

كل واحد ينظر إلى جدار.
أو نافذة.
أو باب.
أو غرفة.
لكن أحداً لا يتحدث عن البيت كله.

فجأة أصبح السؤال الفلسطيني:
من يدير غزة؟
من يدير السلاح؟
من يدير اللجنة؟
من يدير المرحلة القادمة؟
ومن يملك المفتاح؟

أتذكر أياماً أخرى.
أياماً كنا نجلس فيها حتى الفجر في الجامعات والمخيمات ومكاتب التنظيمات.
كنا نختلف حول كل شيء تقريباً.
حول الدولة الديمقراطية العلمانية.
حول الكفاح المسلح.
حول البرنامج المرحلي.
حول التسوية.
حول الأمم المتحدة.
حول العرب.
حول العالم.
لكننا كنا نختلف حول فلسطين.

أما اليوم فأخشى أننا أصبحنا نختلف حول إدارة نتائج الكارثة أكثر مما نختلف حول الخروج منها.

لا أحد يختلف على ضرورة وقف المذبحة في غزة.
ولا أحد يختلف على حق الناس في الحياة.
ولا أحد يختلف على ضرورة إعادة الإعمار.
ولا أحد يختلف على أهمية الأمن والسلم الأهلي.
كل ذلك ضروري.
بل مقدس.
لكنني أخشى أن يتحول المقدس المؤقت إلى غاية دائمة.
وأن يصبح النقاش حول الإدارة أكبر من النقاش حول المشروع.

وأنا أتابع أخبار القاهرة، لم يشغلني كثيراً اسم الرجل الذي قد يظهر في المشهد.
دحلان أو غير دحلان.

فالأسماء تتغير.
لكن الأسئلة تبقى.
وما يقلقني ليس من سيجلس على الكرسي.
بل شكل الغرفة التي وُضع فيها الكرسي.
وما يقلقني ليس من سيمسك المفتاح.
بل إن كنا ما زلنا نتذكر شكل البيت.
لأن الفلسطينيين لم يدفعوا كل هذه التضحيات من أجل لجنة.
ولا من أجل سلطة.
ولا من أجل إدارة.
ولا من أجل ترتيبات انتقالية.
دفعوا أثماناً هائلة من أجل فكرة أكبر من ذلك كله.
فكرة اسمها فلسطين.

الفلسطيني الذي مات في مخيم بلبنان لم يمت من أجل غزة وحدها.

والفلسطيني الذي استشهد في القدس لم يمت من أجل الضفة وحدها.

والفلسطيني الذي عاش منفياً نصف عمره لم يحمل مفتاح بيته من أجل سلطة أو وزارة أو مؤسسة.

كان يحمل فلسطين.
كل فلسطين.

لهذا أخشى أن تكون المشكلة أكبر من كل الأسماء التي نتجادل حولها.

أكبر من دحلان.
وأكبر من حماس.
وأكبر من فتح.
وأكبر من السلطة نفسها.

فالأوطان لا تضيع حين تختلف شعوبها على من يديرها.
الأوطان تبدأ بالضياع حين يصبح السؤال عن الإدارة أكبر من السؤال عن الوطن.

وحين يصبح البحث عن الحارس أهم من البحث عن البيت.

وحين تتحول المؤسسات التي وُجدت لتحمل الحلم إلى غاية قائمة بذاتها.

عندها لا يعود الناس يتذكرون لماذا بُني البيت أصلاً.

في التاريخ، لم تنتصر الشعوب لأنها امتلكت أفضل الإدارات.

بل لأنها امتلكت فكرة أكبر من الإدارات.

فكرة جعلت الناس يتحملون السجون والمنافي والحروب والجوع والانتظار.

وكان اسم تلك الفكرة عند الفلسطينيين: فلسطين.

لا غزة وحدها.
ولا الضفة وحدها.
ولا السلطة.
ولا المنظمة.
ولا أي فصيل.

فلسطين التي حملها اللاجئ في مفتاح بيته.
وحملها الطالب في جامعته.
وحملها الأسير في زنزانته.
وحملها الشهيد وهو يعرف أنه قد لا يرى النهاية.

لهذا، قبل أن نختلف على من يدير المرحلة القادمة، ربما علينا أن نتفق أولاً على شيء أبسط وأصعب:

أن البيت لم يُبنَ من أجل الحراس.
بل بُني من أجل أهله.
وأن فلسطين كانت دائماً أكبر من الذين حكموها...
وأكبر من الذين اختلفوا عليها...
وستبقى أكبر من الذين يتفاوضون اليوم على كيفية إدارتها.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
10/6/2026


FB_IMG_1781112675048.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى