لم يبدُ لي ديوان «صندوق عتاب» نصًا يبحث عن قارئ، بل نصًا يترك قارئه يبحث عن نفسه. ليس لأنه غامض، بل لأنه مكتوب من تلك المنطقة التي لا تُسمّى عادة: المنطقة التي يتشكل فيها التعب ببطء، ويتحوّل إلى طريقة للنظر إلى العالم. كل صفحة في هذا الديوان لا تقدّم حدثًا ولا حكاية، بل تقدّم إيقاعًا داخليًا يشبه ما يبقى في الروح بعد أن يمرّ الحزن ويترك مكانه فارغًا. وهذه القراءة ليست محاولة لشرح الديوان، بل محاولة لمرافقة صوته، ذلك الصوت الذي لا يرفع نبرته، لكنه يترك أثره بطريقة لا ننتبه لها إلا حين نبتعد قليلًا عن النص.
في عام 2001 تقريبًا، أو هكذا يصرّ الزمن على أن يذكّرني، كنت أعيش في شمال الأردن، في مدينة إربد، بينما كانت الرمثا القريبة تستضيف مهرجانًا للشعر العربي؛ واحدًا من تلك المهرجانات التي كانت تجمع شعراء وشاعرات من بلدان مختلفة، قبل أن يصبح العالم العربي أكثر تعبًا، وأكثر انقطاعًا عن نفسه، وأكثر ميلًا إلى ذلك الصمت الذي لا يشبه الحكمة.
ضمن برنامج المهرجان، كانت تُنظَّم رحلة إلى البتراء، تتبعها أمسية شعرية في معان. يومها، كان الباص ممتلئًا بالشعراء والضيوف، بالقصائد العابرة، بالأحاديث السريعة، وبذلك النوع من التعارف المؤقت الذي يحدث في المهرجانات ثم يتبخر بعد ساعات، كأنه لم يكن. جلستُ بالصدفة إلى جانب شابة لا أعرفها، ولم تكن تعرفني. لم أكن معروفًا في الوسط الشعري أصلًا، ولم يكن في الأمر ما يدعو إلى أكثر من حديث عابر يقطعه الطريق الطويل إلى الجنوب.
سألتها عن اسمها، فقالت: «كولالة». أتذكر أن الاسم بدا لي غريبًا وجميلًا في الوقت نفسه، اسمًا لم يمرّ على أذني من قبل. سألتها عن معناه، فقالت إنه اسم كردي، وإنها من كركوك، وتكتب الشعر بالعربية والكردية. لم يكن في الأمر ما يوحي بأن هذا اللقاء سيترك أثرًا، أو أن هذا الاسم سيعود إليّ بعد ربع قرن، لا من الذاكرة وحدها، بل من اللغة نفسها.
انتهت الرحلة، وانتهى المهرجان، ومضت السنوات كما تمضي دائمًا: بسرعة لا نشعر بها إلا حين نلتفت فجأة ونكتشف أننا قطعنا نصف العمر. لم أعد أعرف عن كولالة شيئًا بعد ذلك اللقاء، ولم يخطر ببالي، وأنا أتنقل بين خرائبي الخاصة ومنافيّ الطويلة، أن هذا الاسم سيعود إليّ يومًا، لا بوصفه ذكرى، بل بوصفه صوتًا شعريًا مكتملًا.
حين بدأتُ مشروع القراءة عن الشاعرات والشعراء، عاد الاسم من ذاكرتي. بحثت عنه، وجدتها، ثم وجدتني هذه المرة أمام شاعرة لم تعد تلك التي كانت في طريقها إلى البتراء، بل أمام تجربة كاملة: شاعرة عراقية كردية من كركوك، تعيش اليوم في الولايات المتحدة، وتحمل دكتوراه في الأدب الإنجليزي، ولها تاريخ طويل في الشعر والترجمة والعمل الثقافي.
لكن الغريب أنني، وأنا أقرأ ديوانها «صندوق عتاب»، لم أشعر أنني ألتقي شخصًا غاب طويلًا ثم عاد، بل شعرت بشيء أكثر التباسًا: كأن الزمن نفسه هو الذي عاد. لا بوصفه ذكرى، بل بوصفه أثرًا بقي حيًا في مكان ما، ثم وجد طريقه أخيرًا إلى اللغة.
منذ الصفحات الأولى، بدا لي أن هذا الديوان لا يُكتب من داخل الحزن وحده، بل من داخل التعب الذي يلي الحزن. هناك فرق بين الاثنين. الحزن ما يزال يملك حرارة الانفعال، أما التعب فهو ما يبقى بعد أن تبرد الأشياء، بعد أن يتوقف الإنسان عن الصراخ، ويكتفي بالنظر إلى الخراب بصمت يشبه المعرفة.
لهذا لم أشعر أن «صندوق عتاب» ديوان يريد أن يحتج أو يعلن خساراته بصوت مرتفع. بالعكس، أكثر ما يلفت في هذه النصوص أنها تتحرك بهدوء داخلي عميق، كأن القصائد لا تحاول أن تقول ما حدث، بل أن تتعايش مع ما لم يعد ممكنًا إصلاحه. حتى العتاب نفسه لا يظهر بوصفه لومًا مباشرًا. لا أحد يعاتب أحدًا بشكل واضح. العتاب هنا يتحول إلى إقامة داخل الخذلان، داخل ذلك الشعور البطيء بأن الأشياء التي ظننا يومًا أنها ثابتة، كانت تتآكل بصمت منذ البداية.
في أكثر من موضع، شعرت أن القصائد لا تتجه نحو العالم، بل تنسحب منه قليلًا، كأن الصوت الشعري يحاول أن يحمي هشاشته الأخيرة من الضجيج الخارجي. ولهذا تأتي اللغة هادئة إلى هذا الحد، خالية تقريبًا من الرغبة في الإبهار، لكنها تحمل في داخلها رجفة خفية لا تحتاج إلى رفع صوتها كي تُسمع.
وتبدو القصائد، في كثير من الأحيان، كأنها كُتبت من مكان يعرف العالم جيدًا، لكنه لم يعد يثق به تمامًا. حتى الأشياء البسيطة — البيت، المدينة، الحب، الانتظار — تظهر كما لو أنها فقدت معناها الأول، أو فقدت قدرتها القديمة على منح الطمأنينة. هناك دائمًا شعور خفي بأن الإنسان يحمل داخله جزءًا معطوبًا يواصل السير معه مهما تغيّرت الأمكنة والأزمنة، وأن الخسارات القديمة لا تختفي، بل تتبدل أشكالها وهي تعبر معنا من مرحلة إلى أخرى.
في هذا السياق، لا يبدو الانتظار حالة عابرة، بل يكاد يتحول إلى بنية داخلية كاملة. الانتظار هنا ليس ترقبًا لشيء سيأتي، بل شكلًا من أشكال العيش نفسه. ولهذا بقيت هذه الجملة عالقة في ذهني:
«الانتظار
شجرة متسلقة حول الروح
كلما نمت غطّت مقبض الفؤاد.»
هذه ليست استعارة جميلة فقط، بل توصيف للطريقة التي يتحول بها الانتظار، مع الوقت، من شعور إلى كائن حي يلتف حول الداخل ببطء.
وأنا أقرأ، شعرت أن كولالة لا تكتب القصيدة بوصفها مساحة للبوح، بل بوصفها طريقة للاحتمال. اللغة هنا لا تحاول النجاة من الألم، بل تمنحه شكلًا يمكن العيش داخله. ولهذا لا تبدو النصوص متوترة خارجيًا، رغم أن شيئًا ثقيلًا يتحرك تحتها باستمرار، كأن القصائد كلها تتنفس من منطقة منخفضة في الروح، من ذلك المكان الذي لا يعود فيه الإنسان قادرًا على الصراخ، لكنه أيضًا لا يستطيع التوقف عن الإحساس.
كلما تقدّمتُ في قراءة «صندوق عتاب»، شعرت أن الديوان لا يتحرك بوصفه مجموعة قصائد منفصلة، بل بوصفه حالة واحدة تتبدّل درجاتها فقط. هناك خيط داخلي يربط النصوص كلها، حتى حين تختلف موضوعاتها أو صورها أو نبرتها الظاهرة. كأن القصائد لا تُكتب من أمكنة متعددة، بل من جرح واحد يغيّر شكله باستمرار، جرح يعرف كيف يتخفّى، وكيف يظهر، وكيف يعود في اللحظة التي نظن فيها أننا تجاوزناه.
وأظن أن أكثر ما يمنح هذا الديوان وحدته الخفية هو تلك العلاقة المرتبكة بين الإنسان والزمن. الزمن هنا لا يظهر بوصفه مرورًا طبيعيًا للأيام، بل بوصفه شيئًا يترك أثره على الروح كما يترك الماء أثره على الحجر. ليس هناك حدث واضح يمكن الإمساك به، ولا حكاية مركزية، لكن ثمة إحساس مستمر بأن شيئًا ما تآكل في الداخل، وأن القصائد كلها تحاول أن تلمس هذا التآكل دون أن تسميه بالكامل.
ولهذا لا تبدو الذاكرة في هذا الديوان مكانًا دافئًا للعودة، بل مساحة معقدة مليئة بالتعب. الأشياء لا تعود بوصفها حنينًا خالصًا، بل بوصفها آثارًا يصعب التخلص منها. كأن الإنسان لا يتذكر حين يكون سعيدًا، بل حين يفقد قدرته على تصديق ما كان يراه. الماضي هنا لا يعود كفردوس مفقود، بل كشيء يواصل العيش داخل الجسد النفسي حتى بعد مرور الزمن عليه.
وأنا أقرأ، شعرت أكثر من مرة أن القصائد لا تواجه العالم مباشرة، بل تواجه آثاره بعد أن يمرّ. كأن التجربة لا تُكتب في لحظتها، بل بعد أن تهدأ قليلًا وتتحول إلى ندبة داخلية. ولهذا تأتي اللغة مقتصدة إلى هذا الحد، لا تشرح نفسها، ولا تدافع عن عاطفتها، بل تترك الجملة أحيانًا عند حافتها، كأن الشاعرة تعرف أن بعض الأشياء تفقد صدقها حين تُقال كاملة.
وفي قصيدة «لعبة الطفل الأثيرة»، تكتب كولالة نوري:
«أغمس شفاهي في الحلم
لألوّنها بعينيك التي لا أعرفها جيدًا،
كأمٍّ لدزينة من الأطفال متعبة طوال النهار
تحدّق ساهيةً في قناة غريبة.»
هنا لا يظهر الحلم بوصفه خلاصًا أو صورة رومانسية مكتملة، بل بوصفه محاولة هشّة لتلوين العالم بما ينقصه. حتى العلاقة مع الآخر تبدو غير مكتملة، «بعينيك التي لا أعرفها جيدًا»، كأن القرب نفسه يبقى ناقصًا، أو معلّقًا عند مسافة لا تُردم تمامًا.
ولهذا تبدو القصائد وكأنها تتحرك دائمًا بين مستويين: مستوى داخلي هش يحاول الاحتفاظ بشيء لم ينكسر بالكامل، ومستوى خارجي ثقيل تضغط فيه الحياة على الروح حتى تكاد تفقد قدرتها على الاحتمال.
ولهذا أيضًا، يبدو التعب في هذا الديوان أعمق من مجرد تعب نفسي. إنه تعب من الاستمرار نفسه، من المحاولة الطويلة للاحتفاظ بصورة متماسكة للعالم بينما كل شيء يتفكك ببطء. التعب هنا ليس إرهاقًا فقط، بل وعيٌ بأن العالم لم يعد كما كان، وأن الإنسان لم يعد قادرًا على حمل كل ما كان يحمله سابقًا.
حتى الحب لا يظهر هنا بوصفه خلاصًا. لا توجد في النصوص تلك الثقة القديمة بالعاطفة، ولا ذلك اليقين بأن الآخر قادر على إنقاذنا من وحدتنا. بالعكس، العلاقات كلها تبدو محاطة بشعور خفي بالغياب، كأن كل اقتراب يحمل داخله احتمال الفقد منذ البداية. ولهذا تأتي هذه الكلمات في قصيدة «لا تنتظر» كأنها تلخيص لطبقة كاملة من التجربة:
«الذين تركوكَ وحيدًا
أصبحوا خلفك جدارًا بلا باب،
دموعك بحر، إياك أن تجففها
واجعل المناديل شراعًا.»
الخذلان هنا لا يظهر كحادثة شخصية فقط، بل كتحول داخلي يصيب الإنسان بعد أن تتراكم الخسارات داخله. الذين غادروا لم يعودوا مجرد أشخاص، بل صاروا «جدارًا بلا باب»، شيئًا مغلقًا يستحيل العبور منه أو العودة عبره. وحتى الدموع لا تظهر بوصفها ضعفًا، بل بوصفها مساحة نجاة أخيرة. ولهذا تقول الشاعرة: «واجعل المناديل شراعًا»، كأن الحزن نفسه قد يتحول، بطريقة ما، إلى وسيلة لعبور ما تبقّى من التعب.
لكن ما يلفتني أكثر من الحزن نفسه، هو الطريقة التي يُكتب بها هذا الحزن. لا توجد رغبة في تضخيم الألم أو تحويله إلى بطولة شعرية. بالعكس، النصوص تبدو أحيانًا كأنها تخفف من لغتها كي لا تخون هشاشتها الداخلية. وهذا، بالنسبة لي، أحد أجمل ما في هذا الديوان: أنه لا يستعرض جراحه، بل يعيشها بهدوء ثقيل، هدوء يشبه المعرفة أكثر مما يشبه الاستسلام.
في مواضع كثيرة، شعرت أن كولالة نوري تكتب كما لو أنها تتحدث مع نفسها بصوت منخفض، لا مع قارئ خارجي. وربما لهذا تبدو القصائد صادقة إلى هذا الحد؛ لأنها لا تحاول إقناع أحد بشيء، ولا تسعى إلى بناء صورة شعرية عن ذاتها. الذات هنا ليست بطلة النص، بل كائن متعب يحاول فقط أن يفهم كيف وصل إلى هذا القدر من الوحدة.
وفي قصيدة «المتلصصون»، تظهر هذه النظرة القاسية إلى العالم بشكل أكثر وضوحًا:
«المتلصصون
لا ينامون جيدًا،
ويتناوبون بينهم التفاسير.»
الجملة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تكشف شيئًا مهمًا في بنية الديوان كلها: أن العالم لم يعد يُرى من زاوية البراءة، بل من زاوية القلق الدائم. حتى أولئك الذين يراقبون حياة الآخرين أو يتسللون إلى هشاشاتهم، لا يعيشون في طمأنينة حقيقية. هناك تعب خفي يتحرك تحت الجميع، كأن كل واحد منهم يحمل عسرَه الداخلي بطريقته، ويحاول أن يفسّر العالم كي يخفف من ارتباكه أمامه.
وما يلفتني هنا أن كولالة لا تُدين هؤلاء بقدر ما تكشف هشاشتهم. «المتلصصون» ليسوا شخصيات خارجية فقط، بل صورة أخرى عن الإنسان حين يفقد سكينته، ويصبح عاجزًا عن النظر إلى العالم دون خوف أو نقص أو قلق مكتوم.
وأنا أتابع القراءة، بدأت أشعر أن «صندوق عتاب» لا يكتب عن الخسارات الكبيرة فقط، بل عن ذلك التآكل البطيء الذي يحدث داخل الإنسان دون أن ينتبه له أحد. القصائد لا تصرخ، لكنها تترك أثرًا يشبه التعب الذي يبقى في الجسد بعد مرض طويل. ولهذا لا تنتهي النصوص بانفعال حاد، بل بذلك النوع من الصمت الذي يأتي بعد الكلام الكثير، حين لا يعود الإنسان متأكدًا إن كان ما يشعر به حزنًا فعلًا… أم مجرد إرهاق طويل من محاولة النجاة.
ومع الوصول إلى القسم الأخير من «صندوق عتاب»، بدأت أشعر أن الديوان كله كان يتحرك ببطء نحو هذه المنطقة تحديدًا: منطقة التعب الذي لم يعد يبحث عن خلاص كامل، بل عن طريقة محتملة للاستمرار. في البداية، ظننت أن النصوص تتحرك داخل الحزن فقط، ثم بدا لي أنها تتحرك داخل الذاكرة، ثم داخل الانتظار، لكن كل هذه الطبقات كانت تقود في النهاية إلى شيء أكثر هدوءًا وأشد قسوة: ذلك الإحساس الخفي بأن الإنسان، بعد سنوات طويلة من الخسارات، لا يعود يبحث عن النجاة بالمعنى القديم، بل عن مكان يضع فيه تعبه.
ولهذا لا يبدو المنفى في هذا الديوان تجربة جغرافية فقط، رغم أن كولالة نوري تعيش بعيدًا عن العراق منذ سنوات. المنفى هنا أعمق من الانتقال بين البلدان. إنه منفى يحدث داخل اللغة نفسها، داخل العلاقة مع الذات، داخل ذلك الشعور بأن الأمكنة كلها أصبحت مؤقتة، وأن الإنسان يحمل غربته معه أينما ذهب.
في قصيدة «لكنتُ كاليفورنيا»، تكتب كولالة نوري:
«لو أصبحتَ ما أتمنى
لكنتُ كاليفورنيا
لاستقبلتُ ضحكتك الأولى
ولكنتُ شاهدةً كتومةً لأحزانك
التي تكبتها إلا ما تيسر من الغفلة
أو ما مرّرها صراخك في كابوس
لكنتُ كل شوارع ساندياغو التي لم تخنك يومًا
وأنت تقطعها عبثًا وتضغط عليها حنقًا
أو هاربًا منهم أو منك
لكنتُ أمواج كاليفورنيا.»
هنا لا تظهر كاليفورنيا بوصفها مكانًا للمنفى، بل بوصفها رغبة في التحول إلى مساحة تحتمل تعب الآخر، مدينة لا تخونه، وشوارع تستطيع أن تحمل ارتباكه وهروبه. كأن الشاعرة لا تتكلم عن مكان فعلي، بل عن الحلم بمكان لا يطردنا من هشاشتنا.
وما يلفتني أكثر في هذا المقطع أن الغربة لا تظهر بوصفها ابتعادًا عن الوطن فقط، بل بوصفها تعبًا من الذات أيضًا. لهذا تقول: «أو هاربًا منهم أو منك»، وكأن أقسى المنافي ليست تلك التي تفصلنا عن الأمكنة، بل تلك التي تجعل الإنسان عاجزًا عن الاحتماء حتى بنفسه.
وأنا أقرأ هذا المقطع، تذكرت فجأة تلك الرحلة القديمة إلى البتراء قبل خمسة وعشرين عامًا، وتلك الشابة القادمة من كركوك التي قالت لي يومها إنها تكتب بالعربية والكردية. لم أكن أعرف آنذاك أن الحياة ستأخذها بعيدًا إلى هذا الحد، ولا أنني سأقرأها بعد ربع قرن وأنا أحاول، مثلها ربما، أن أفهم كيف يستطيع الإنسان أن يحمل كل هذه الأمكنة داخله دون أن يتشقق.
في هذا الديوان، لا يظهر الوطن كيقين. لا توجد تلك العلاقة الرومانسية القديمة بالمكان. بالعكس، الأمكنة كلها تبدو ناقصة ومؤقتة، غير قادرة على منح الطمأنينة الكاملة. ولهذا بدا لي نص «المأوى» واحدًا من أكثر نصوص الديوان قسوة وصدقًا.
تكتب كولالة نوري:
«ضع ما تبقّى من رأسك
على طبقٍ من الهرب
اركض… طويلًا
حتى تتقطع أنفاسك القديمة الثقيلة
أنفاسك التي كانت تهشم صدرك مثل المطرقة
وأنت تتجاهلها لتبقى
لتتفادى الموت؟
أم كنت تستمتع بتلاشي خلاياك واحدة بعد الأخرى؟
كي تعيش أكثر؟»
هنا لا يعود الركض محاولة للوصول، بل محاولة لتأجيل الانهيار. كأن الإنسان لا يهرب من مكان محدد، بل من ثقله الداخلي نفسه، من تلك «الأنفاس القديمة الثقيلة» التي تواصل تحطيمه ببطء.
وما يلفتني في هذا المقطع أن الشاعرة لا تمنح الهرب أي بطولة. الركض لا يقود إلى خلاص، بل إلى مزيد من الاستنزاف، حتى يصبح البقاء نفسه سؤالًا مرهقًا. ولهذا يبدو «المأوى» هنا شيئًا ملتبسًا: ليس مكانًا نحتمي فيه، بل مجرد طريقة مؤقتة للاستمرار قبل أن يلحق بنا تعبنا مرة أخرى.
لكن ما يلفتني في «صندوق عتاب» أن هذا الوعي القاسي لا يتحول إلى يأس كامل. ثمة شيء صغير يبقى حيًا داخل النصوص، شيء يشبه الرغبة الخافتة في التصالح مع العالم رغم كل شيء، حتى لو كان هذا التصالح مؤقتًا وملتبسًا.
في أحد النصوص، تكتب كولالة نوري:
«هذه المدينة لا تمتعنى
أحجارها بشرٌ
غادروا منذ دهر معاقلهم
نحو نهر لا يشبههم.
لا أصبحوا موجة
ولا جذبوا مسرى.
أنا هنا فقط
لأنك تتركني كما أنا
أبغض مدينتك
وتحبني.»
هنا لا تبدو المدينة مكانًا يمكن الانتماء إليه بالكامل، بل مساحة باردة يعبرها بشرٌ فقدوا علاقتهم الأولى بأنفسهم. وما يوجع في المقطع أن المدينة لا تُرفض وحدها، بل تُرفض وهي مرتبطة بمن نحب. كأن الحب لا يكفي للمصالحة مع المكان، ولا يمنح المنفيّ قدرة كاملة على قبول العالم الذي وجد نفسه فيه.
ولهذا تأتي الجملة الأخيرة، «أبغض مدينتك / وتحبني»، كواحدة من أكثر لحظات الديوان التباسًا: قربٌ لا يلغي الغربة، وحبٌّ لا يصنع وطنًا، وبقاءٌ مؤقت داخل مكان لا يشبه الروح.
وفي أكثر من موضع، شعرت أن الديوان كله يتحرك بين رغبتين متناقضتين: الرغبة في النجاة، والرغبة في الاختفاء قليلًا من ثقل العالم.
حتى الموت لا يظهر هنا ككارثة كبرى، بل كظل خفيف يمر داخل النصوص دون ضجيج. هناك تعب طويل يجعل الأشياء كلها أقل حدّة: الحب، الغياب، المدن، وحتى الفقد نفسه. كأن الشاعرة لم تعد تنظر إلى الحياة من زاوية الصدمة، بل من زاوية الإرهاق البطيء الذي تتركه السنوات في الداخل.
ولهذا لا تنتهي القصائد فعلًا. كل نص يبدو كأنه يفتح بابًا لنص آخر، وكل ذكرى تقود إلى أخرى، وكل خيبة تجر خلفها سلسلة طويلة من الخيبات القديمة. الديوان لا يُغلق لأنه مكتوب من منطقة لا تعرف الإغلاق أصلًا. الكتابة هنا ليست حلًا، ولا علاجًا، بل طريقة للتعايش مع ما لا يمكن إصلاحه بالكامل.
وربما لهذا بقي هذا الديوان معي بعد القراءة، لا بسبب لغته فقط، ولا بسبب موضوعاته، بل بسبب ذلك الصدق الهادئ الذي يتحرك تحته باستمرار. كولالة نوري لا تكتب كي تنتصر على خساراتها، ولا كي تحول الألم إلى بطولة شعرية. إنها تكتب كما لو أن الكتابة نفسها محاولة أخيرة لترتيب هذا الخراب الداخلي ومنحه شكلًا يمكن احتماله.
الحياة هنا لا تبدو شيئًا يُعاش بسهولة، بل شيئًا يحتاج إلى جهد داخلي مستمر كي يبقى ممكنًا. ولهذا لا تتحول القصائد إلى صرخات، بل إلى ذلك الصوت الخافت الذي يواصل عبور العتمة دون ادعاء للنجاة الكاملة.
لهذا، لا أظن أن «صندوق عتاب» ديوان عن الحزن فقط. إنه، في العمق، ديوان عن الإنسان حين يتعب من العالم دون أن يفقد قدرته على الإحساس به.
أيّار – مايو 2026
شاهر خضرة
شاعر وكاتب سوري – ألمانيا
في عام 2001 تقريبًا، أو هكذا يصرّ الزمن على أن يذكّرني، كنت أعيش في شمال الأردن، في مدينة إربد، بينما كانت الرمثا القريبة تستضيف مهرجانًا للشعر العربي؛ واحدًا من تلك المهرجانات التي كانت تجمع شعراء وشاعرات من بلدان مختلفة، قبل أن يصبح العالم العربي أكثر تعبًا، وأكثر انقطاعًا عن نفسه، وأكثر ميلًا إلى ذلك الصمت الذي لا يشبه الحكمة.
ضمن برنامج المهرجان، كانت تُنظَّم رحلة إلى البتراء، تتبعها أمسية شعرية في معان. يومها، كان الباص ممتلئًا بالشعراء والضيوف، بالقصائد العابرة، بالأحاديث السريعة، وبذلك النوع من التعارف المؤقت الذي يحدث في المهرجانات ثم يتبخر بعد ساعات، كأنه لم يكن. جلستُ بالصدفة إلى جانب شابة لا أعرفها، ولم تكن تعرفني. لم أكن معروفًا في الوسط الشعري أصلًا، ولم يكن في الأمر ما يدعو إلى أكثر من حديث عابر يقطعه الطريق الطويل إلى الجنوب.
سألتها عن اسمها، فقالت: «كولالة». أتذكر أن الاسم بدا لي غريبًا وجميلًا في الوقت نفسه، اسمًا لم يمرّ على أذني من قبل. سألتها عن معناه، فقالت إنه اسم كردي، وإنها من كركوك، وتكتب الشعر بالعربية والكردية. لم يكن في الأمر ما يوحي بأن هذا اللقاء سيترك أثرًا، أو أن هذا الاسم سيعود إليّ بعد ربع قرن، لا من الذاكرة وحدها، بل من اللغة نفسها.
انتهت الرحلة، وانتهى المهرجان، ومضت السنوات كما تمضي دائمًا: بسرعة لا نشعر بها إلا حين نلتفت فجأة ونكتشف أننا قطعنا نصف العمر. لم أعد أعرف عن كولالة شيئًا بعد ذلك اللقاء، ولم يخطر ببالي، وأنا أتنقل بين خرائبي الخاصة ومنافيّ الطويلة، أن هذا الاسم سيعود إليّ يومًا، لا بوصفه ذكرى، بل بوصفه صوتًا شعريًا مكتملًا.
حين بدأتُ مشروع القراءة عن الشاعرات والشعراء، عاد الاسم من ذاكرتي. بحثت عنه، وجدتها، ثم وجدتني هذه المرة أمام شاعرة لم تعد تلك التي كانت في طريقها إلى البتراء، بل أمام تجربة كاملة: شاعرة عراقية كردية من كركوك، تعيش اليوم في الولايات المتحدة، وتحمل دكتوراه في الأدب الإنجليزي، ولها تاريخ طويل في الشعر والترجمة والعمل الثقافي.
لكن الغريب أنني، وأنا أقرأ ديوانها «صندوق عتاب»، لم أشعر أنني ألتقي شخصًا غاب طويلًا ثم عاد، بل شعرت بشيء أكثر التباسًا: كأن الزمن نفسه هو الذي عاد. لا بوصفه ذكرى، بل بوصفه أثرًا بقي حيًا في مكان ما، ثم وجد طريقه أخيرًا إلى اللغة.
منذ الصفحات الأولى، بدا لي أن هذا الديوان لا يُكتب من داخل الحزن وحده، بل من داخل التعب الذي يلي الحزن. هناك فرق بين الاثنين. الحزن ما يزال يملك حرارة الانفعال، أما التعب فهو ما يبقى بعد أن تبرد الأشياء، بعد أن يتوقف الإنسان عن الصراخ، ويكتفي بالنظر إلى الخراب بصمت يشبه المعرفة.
لهذا لم أشعر أن «صندوق عتاب» ديوان يريد أن يحتج أو يعلن خساراته بصوت مرتفع. بالعكس، أكثر ما يلفت في هذه النصوص أنها تتحرك بهدوء داخلي عميق، كأن القصائد لا تحاول أن تقول ما حدث، بل أن تتعايش مع ما لم يعد ممكنًا إصلاحه. حتى العتاب نفسه لا يظهر بوصفه لومًا مباشرًا. لا أحد يعاتب أحدًا بشكل واضح. العتاب هنا يتحول إلى إقامة داخل الخذلان، داخل ذلك الشعور البطيء بأن الأشياء التي ظننا يومًا أنها ثابتة، كانت تتآكل بصمت منذ البداية.
في أكثر من موضع، شعرت أن القصائد لا تتجه نحو العالم، بل تنسحب منه قليلًا، كأن الصوت الشعري يحاول أن يحمي هشاشته الأخيرة من الضجيج الخارجي. ولهذا تأتي اللغة هادئة إلى هذا الحد، خالية تقريبًا من الرغبة في الإبهار، لكنها تحمل في داخلها رجفة خفية لا تحتاج إلى رفع صوتها كي تُسمع.
وتبدو القصائد، في كثير من الأحيان، كأنها كُتبت من مكان يعرف العالم جيدًا، لكنه لم يعد يثق به تمامًا. حتى الأشياء البسيطة — البيت، المدينة، الحب، الانتظار — تظهر كما لو أنها فقدت معناها الأول، أو فقدت قدرتها القديمة على منح الطمأنينة. هناك دائمًا شعور خفي بأن الإنسان يحمل داخله جزءًا معطوبًا يواصل السير معه مهما تغيّرت الأمكنة والأزمنة، وأن الخسارات القديمة لا تختفي، بل تتبدل أشكالها وهي تعبر معنا من مرحلة إلى أخرى.
في هذا السياق، لا يبدو الانتظار حالة عابرة، بل يكاد يتحول إلى بنية داخلية كاملة. الانتظار هنا ليس ترقبًا لشيء سيأتي، بل شكلًا من أشكال العيش نفسه. ولهذا بقيت هذه الجملة عالقة في ذهني:
«الانتظار
شجرة متسلقة حول الروح
كلما نمت غطّت مقبض الفؤاد.»
هذه ليست استعارة جميلة فقط، بل توصيف للطريقة التي يتحول بها الانتظار، مع الوقت، من شعور إلى كائن حي يلتف حول الداخل ببطء.
وأنا أقرأ، شعرت أن كولالة لا تكتب القصيدة بوصفها مساحة للبوح، بل بوصفها طريقة للاحتمال. اللغة هنا لا تحاول النجاة من الألم، بل تمنحه شكلًا يمكن العيش داخله. ولهذا لا تبدو النصوص متوترة خارجيًا، رغم أن شيئًا ثقيلًا يتحرك تحتها باستمرار، كأن القصائد كلها تتنفس من منطقة منخفضة في الروح، من ذلك المكان الذي لا يعود فيه الإنسان قادرًا على الصراخ، لكنه أيضًا لا يستطيع التوقف عن الإحساس.
كلما تقدّمتُ في قراءة «صندوق عتاب»، شعرت أن الديوان لا يتحرك بوصفه مجموعة قصائد منفصلة، بل بوصفه حالة واحدة تتبدّل درجاتها فقط. هناك خيط داخلي يربط النصوص كلها، حتى حين تختلف موضوعاتها أو صورها أو نبرتها الظاهرة. كأن القصائد لا تُكتب من أمكنة متعددة، بل من جرح واحد يغيّر شكله باستمرار، جرح يعرف كيف يتخفّى، وكيف يظهر، وكيف يعود في اللحظة التي نظن فيها أننا تجاوزناه.
وأظن أن أكثر ما يمنح هذا الديوان وحدته الخفية هو تلك العلاقة المرتبكة بين الإنسان والزمن. الزمن هنا لا يظهر بوصفه مرورًا طبيعيًا للأيام، بل بوصفه شيئًا يترك أثره على الروح كما يترك الماء أثره على الحجر. ليس هناك حدث واضح يمكن الإمساك به، ولا حكاية مركزية، لكن ثمة إحساس مستمر بأن شيئًا ما تآكل في الداخل، وأن القصائد كلها تحاول أن تلمس هذا التآكل دون أن تسميه بالكامل.
ولهذا لا تبدو الذاكرة في هذا الديوان مكانًا دافئًا للعودة، بل مساحة معقدة مليئة بالتعب. الأشياء لا تعود بوصفها حنينًا خالصًا، بل بوصفها آثارًا يصعب التخلص منها. كأن الإنسان لا يتذكر حين يكون سعيدًا، بل حين يفقد قدرته على تصديق ما كان يراه. الماضي هنا لا يعود كفردوس مفقود، بل كشيء يواصل العيش داخل الجسد النفسي حتى بعد مرور الزمن عليه.
وأنا أقرأ، شعرت أكثر من مرة أن القصائد لا تواجه العالم مباشرة، بل تواجه آثاره بعد أن يمرّ. كأن التجربة لا تُكتب في لحظتها، بل بعد أن تهدأ قليلًا وتتحول إلى ندبة داخلية. ولهذا تأتي اللغة مقتصدة إلى هذا الحد، لا تشرح نفسها، ولا تدافع عن عاطفتها، بل تترك الجملة أحيانًا عند حافتها، كأن الشاعرة تعرف أن بعض الأشياء تفقد صدقها حين تُقال كاملة.
وفي قصيدة «لعبة الطفل الأثيرة»، تكتب كولالة نوري:
«أغمس شفاهي في الحلم
لألوّنها بعينيك التي لا أعرفها جيدًا،
كأمٍّ لدزينة من الأطفال متعبة طوال النهار
تحدّق ساهيةً في قناة غريبة.»
هنا لا يظهر الحلم بوصفه خلاصًا أو صورة رومانسية مكتملة، بل بوصفه محاولة هشّة لتلوين العالم بما ينقصه. حتى العلاقة مع الآخر تبدو غير مكتملة، «بعينيك التي لا أعرفها جيدًا»، كأن القرب نفسه يبقى ناقصًا، أو معلّقًا عند مسافة لا تُردم تمامًا.
ولهذا تبدو القصائد وكأنها تتحرك دائمًا بين مستويين: مستوى داخلي هش يحاول الاحتفاظ بشيء لم ينكسر بالكامل، ومستوى خارجي ثقيل تضغط فيه الحياة على الروح حتى تكاد تفقد قدرتها على الاحتمال.
ولهذا أيضًا، يبدو التعب في هذا الديوان أعمق من مجرد تعب نفسي. إنه تعب من الاستمرار نفسه، من المحاولة الطويلة للاحتفاظ بصورة متماسكة للعالم بينما كل شيء يتفكك ببطء. التعب هنا ليس إرهاقًا فقط، بل وعيٌ بأن العالم لم يعد كما كان، وأن الإنسان لم يعد قادرًا على حمل كل ما كان يحمله سابقًا.
حتى الحب لا يظهر هنا بوصفه خلاصًا. لا توجد في النصوص تلك الثقة القديمة بالعاطفة، ولا ذلك اليقين بأن الآخر قادر على إنقاذنا من وحدتنا. بالعكس، العلاقات كلها تبدو محاطة بشعور خفي بالغياب، كأن كل اقتراب يحمل داخله احتمال الفقد منذ البداية. ولهذا تأتي هذه الكلمات في قصيدة «لا تنتظر» كأنها تلخيص لطبقة كاملة من التجربة:
«الذين تركوكَ وحيدًا
أصبحوا خلفك جدارًا بلا باب،
دموعك بحر، إياك أن تجففها
واجعل المناديل شراعًا.»
الخذلان هنا لا يظهر كحادثة شخصية فقط، بل كتحول داخلي يصيب الإنسان بعد أن تتراكم الخسارات داخله. الذين غادروا لم يعودوا مجرد أشخاص، بل صاروا «جدارًا بلا باب»، شيئًا مغلقًا يستحيل العبور منه أو العودة عبره. وحتى الدموع لا تظهر بوصفها ضعفًا، بل بوصفها مساحة نجاة أخيرة. ولهذا تقول الشاعرة: «واجعل المناديل شراعًا»، كأن الحزن نفسه قد يتحول، بطريقة ما، إلى وسيلة لعبور ما تبقّى من التعب.
لكن ما يلفتني أكثر من الحزن نفسه، هو الطريقة التي يُكتب بها هذا الحزن. لا توجد رغبة في تضخيم الألم أو تحويله إلى بطولة شعرية. بالعكس، النصوص تبدو أحيانًا كأنها تخفف من لغتها كي لا تخون هشاشتها الداخلية. وهذا، بالنسبة لي، أحد أجمل ما في هذا الديوان: أنه لا يستعرض جراحه، بل يعيشها بهدوء ثقيل، هدوء يشبه المعرفة أكثر مما يشبه الاستسلام.
في مواضع كثيرة، شعرت أن كولالة نوري تكتب كما لو أنها تتحدث مع نفسها بصوت منخفض، لا مع قارئ خارجي. وربما لهذا تبدو القصائد صادقة إلى هذا الحد؛ لأنها لا تحاول إقناع أحد بشيء، ولا تسعى إلى بناء صورة شعرية عن ذاتها. الذات هنا ليست بطلة النص، بل كائن متعب يحاول فقط أن يفهم كيف وصل إلى هذا القدر من الوحدة.
وفي قصيدة «المتلصصون»، تظهر هذه النظرة القاسية إلى العالم بشكل أكثر وضوحًا:
«المتلصصون
لا ينامون جيدًا،
ويتناوبون بينهم التفاسير.»
الجملة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تكشف شيئًا مهمًا في بنية الديوان كلها: أن العالم لم يعد يُرى من زاوية البراءة، بل من زاوية القلق الدائم. حتى أولئك الذين يراقبون حياة الآخرين أو يتسللون إلى هشاشاتهم، لا يعيشون في طمأنينة حقيقية. هناك تعب خفي يتحرك تحت الجميع، كأن كل واحد منهم يحمل عسرَه الداخلي بطريقته، ويحاول أن يفسّر العالم كي يخفف من ارتباكه أمامه.
وما يلفتني هنا أن كولالة لا تُدين هؤلاء بقدر ما تكشف هشاشتهم. «المتلصصون» ليسوا شخصيات خارجية فقط، بل صورة أخرى عن الإنسان حين يفقد سكينته، ويصبح عاجزًا عن النظر إلى العالم دون خوف أو نقص أو قلق مكتوم.
وأنا أتابع القراءة، بدأت أشعر أن «صندوق عتاب» لا يكتب عن الخسارات الكبيرة فقط، بل عن ذلك التآكل البطيء الذي يحدث داخل الإنسان دون أن ينتبه له أحد. القصائد لا تصرخ، لكنها تترك أثرًا يشبه التعب الذي يبقى في الجسد بعد مرض طويل. ولهذا لا تنتهي النصوص بانفعال حاد، بل بذلك النوع من الصمت الذي يأتي بعد الكلام الكثير، حين لا يعود الإنسان متأكدًا إن كان ما يشعر به حزنًا فعلًا… أم مجرد إرهاق طويل من محاولة النجاة.
ومع الوصول إلى القسم الأخير من «صندوق عتاب»، بدأت أشعر أن الديوان كله كان يتحرك ببطء نحو هذه المنطقة تحديدًا: منطقة التعب الذي لم يعد يبحث عن خلاص كامل، بل عن طريقة محتملة للاستمرار. في البداية، ظننت أن النصوص تتحرك داخل الحزن فقط، ثم بدا لي أنها تتحرك داخل الذاكرة، ثم داخل الانتظار، لكن كل هذه الطبقات كانت تقود في النهاية إلى شيء أكثر هدوءًا وأشد قسوة: ذلك الإحساس الخفي بأن الإنسان، بعد سنوات طويلة من الخسارات، لا يعود يبحث عن النجاة بالمعنى القديم، بل عن مكان يضع فيه تعبه.
ولهذا لا يبدو المنفى في هذا الديوان تجربة جغرافية فقط، رغم أن كولالة نوري تعيش بعيدًا عن العراق منذ سنوات. المنفى هنا أعمق من الانتقال بين البلدان. إنه منفى يحدث داخل اللغة نفسها، داخل العلاقة مع الذات، داخل ذلك الشعور بأن الأمكنة كلها أصبحت مؤقتة، وأن الإنسان يحمل غربته معه أينما ذهب.
في قصيدة «لكنتُ كاليفورنيا»، تكتب كولالة نوري:
«لو أصبحتَ ما أتمنى
لكنتُ كاليفورنيا
لاستقبلتُ ضحكتك الأولى
ولكنتُ شاهدةً كتومةً لأحزانك
التي تكبتها إلا ما تيسر من الغفلة
أو ما مرّرها صراخك في كابوس
لكنتُ كل شوارع ساندياغو التي لم تخنك يومًا
وأنت تقطعها عبثًا وتضغط عليها حنقًا
أو هاربًا منهم أو منك
لكنتُ أمواج كاليفورنيا.»
هنا لا تظهر كاليفورنيا بوصفها مكانًا للمنفى، بل بوصفها رغبة في التحول إلى مساحة تحتمل تعب الآخر، مدينة لا تخونه، وشوارع تستطيع أن تحمل ارتباكه وهروبه. كأن الشاعرة لا تتكلم عن مكان فعلي، بل عن الحلم بمكان لا يطردنا من هشاشتنا.
وما يلفتني أكثر في هذا المقطع أن الغربة لا تظهر بوصفها ابتعادًا عن الوطن فقط، بل بوصفها تعبًا من الذات أيضًا. لهذا تقول: «أو هاربًا منهم أو منك»، وكأن أقسى المنافي ليست تلك التي تفصلنا عن الأمكنة، بل تلك التي تجعل الإنسان عاجزًا عن الاحتماء حتى بنفسه.
وأنا أقرأ هذا المقطع، تذكرت فجأة تلك الرحلة القديمة إلى البتراء قبل خمسة وعشرين عامًا، وتلك الشابة القادمة من كركوك التي قالت لي يومها إنها تكتب بالعربية والكردية. لم أكن أعرف آنذاك أن الحياة ستأخذها بعيدًا إلى هذا الحد، ولا أنني سأقرأها بعد ربع قرن وأنا أحاول، مثلها ربما، أن أفهم كيف يستطيع الإنسان أن يحمل كل هذه الأمكنة داخله دون أن يتشقق.
في هذا الديوان، لا يظهر الوطن كيقين. لا توجد تلك العلاقة الرومانسية القديمة بالمكان. بالعكس، الأمكنة كلها تبدو ناقصة ومؤقتة، غير قادرة على منح الطمأنينة الكاملة. ولهذا بدا لي نص «المأوى» واحدًا من أكثر نصوص الديوان قسوة وصدقًا.
تكتب كولالة نوري:
«ضع ما تبقّى من رأسك
على طبقٍ من الهرب
اركض… طويلًا
حتى تتقطع أنفاسك القديمة الثقيلة
أنفاسك التي كانت تهشم صدرك مثل المطرقة
وأنت تتجاهلها لتبقى
لتتفادى الموت؟
أم كنت تستمتع بتلاشي خلاياك واحدة بعد الأخرى؟
كي تعيش أكثر؟»
هنا لا يعود الركض محاولة للوصول، بل محاولة لتأجيل الانهيار. كأن الإنسان لا يهرب من مكان محدد، بل من ثقله الداخلي نفسه، من تلك «الأنفاس القديمة الثقيلة» التي تواصل تحطيمه ببطء.
وما يلفتني في هذا المقطع أن الشاعرة لا تمنح الهرب أي بطولة. الركض لا يقود إلى خلاص، بل إلى مزيد من الاستنزاف، حتى يصبح البقاء نفسه سؤالًا مرهقًا. ولهذا يبدو «المأوى» هنا شيئًا ملتبسًا: ليس مكانًا نحتمي فيه، بل مجرد طريقة مؤقتة للاستمرار قبل أن يلحق بنا تعبنا مرة أخرى.
لكن ما يلفتني في «صندوق عتاب» أن هذا الوعي القاسي لا يتحول إلى يأس كامل. ثمة شيء صغير يبقى حيًا داخل النصوص، شيء يشبه الرغبة الخافتة في التصالح مع العالم رغم كل شيء، حتى لو كان هذا التصالح مؤقتًا وملتبسًا.
في أحد النصوص، تكتب كولالة نوري:
«هذه المدينة لا تمتعنى
أحجارها بشرٌ
غادروا منذ دهر معاقلهم
نحو نهر لا يشبههم.
لا أصبحوا موجة
ولا جذبوا مسرى.
أنا هنا فقط
لأنك تتركني كما أنا
أبغض مدينتك
وتحبني.»
هنا لا تبدو المدينة مكانًا يمكن الانتماء إليه بالكامل، بل مساحة باردة يعبرها بشرٌ فقدوا علاقتهم الأولى بأنفسهم. وما يوجع في المقطع أن المدينة لا تُرفض وحدها، بل تُرفض وهي مرتبطة بمن نحب. كأن الحب لا يكفي للمصالحة مع المكان، ولا يمنح المنفيّ قدرة كاملة على قبول العالم الذي وجد نفسه فيه.
ولهذا تأتي الجملة الأخيرة، «أبغض مدينتك / وتحبني»، كواحدة من أكثر لحظات الديوان التباسًا: قربٌ لا يلغي الغربة، وحبٌّ لا يصنع وطنًا، وبقاءٌ مؤقت داخل مكان لا يشبه الروح.
وفي أكثر من موضع، شعرت أن الديوان كله يتحرك بين رغبتين متناقضتين: الرغبة في النجاة، والرغبة في الاختفاء قليلًا من ثقل العالم.
حتى الموت لا يظهر هنا ككارثة كبرى، بل كظل خفيف يمر داخل النصوص دون ضجيج. هناك تعب طويل يجعل الأشياء كلها أقل حدّة: الحب، الغياب، المدن، وحتى الفقد نفسه. كأن الشاعرة لم تعد تنظر إلى الحياة من زاوية الصدمة، بل من زاوية الإرهاق البطيء الذي تتركه السنوات في الداخل.
ولهذا لا تنتهي القصائد فعلًا. كل نص يبدو كأنه يفتح بابًا لنص آخر، وكل ذكرى تقود إلى أخرى، وكل خيبة تجر خلفها سلسلة طويلة من الخيبات القديمة. الديوان لا يُغلق لأنه مكتوب من منطقة لا تعرف الإغلاق أصلًا. الكتابة هنا ليست حلًا، ولا علاجًا، بل طريقة للتعايش مع ما لا يمكن إصلاحه بالكامل.
وربما لهذا بقي هذا الديوان معي بعد القراءة، لا بسبب لغته فقط، ولا بسبب موضوعاته، بل بسبب ذلك الصدق الهادئ الذي يتحرك تحته باستمرار. كولالة نوري لا تكتب كي تنتصر على خساراتها، ولا كي تحول الألم إلى بطولة شعرية. إنها تكتب كما لو أن الكتابة نفسها محاولة أخيرة لترتيب هذا الخراب الداخلي ومنحه شكلًا يمكن احتماله.
الحياة هنا لا تبدو شيئًا يُعاش بسهولة، بل شيئًا يحتاج إلى جهد داخلي مستمر كي يبقى ممكنًا. ولهذا لا تتحول القصائد إلى صرخات، بل إلى ذلك الصوت الخافت الذي يواصل عبور العتمة دون ادعاء للنجاة الكاملة.
لهذا، لا أظن أن «صندوق عتاب» ديوان عن الحزن فقط. إنه، في العمق، ديوان عن الإنسان حين يتعب من العالم دون أن يفقد قدرته على الإحساس به.
أيّار – مايو 2026
شاهر خضرة
شاعر وكاتب سوري – ألمانيا