التَّطبيعُ مع إسرائيل ليس هو السبب الوحيد لعداء حكَّام الجزائر للمغرب

ما يجب توضيحُه، هو أن ما سماه هؤلاء الحكامُ، مدنيون وعسكريون، تطبيعا، ليس، في الحقيقة، تطبيعا، وإنما استئنافٌ للعلاقات. والعلاقات، بصفة رسمية، تم انطلاقها سنةَ 1994 بعد اتِّفاقية أوسلو، الأولى، سنة 1993. بعد سنة 1994، تم فتحُ مكتب اتصال إسرائيلي، وليس سفارة، بالرباط سنة 1994، و بتل أبيب سنة 1996. السؤال الذي يفرِض نفسَه علينا، هنا، هو الآتي : "لماذا لم يُغيِّر حكام الجزائر موقفَهم السياسي لما أنهى المغربُ علاقاته مع إسرائيل سنة 2000"؟

ولهذا، ما يدَّعيه حكام الجزائر، مدنيون وعسكريون، في وسائل إعلامِهم الرسمية، أن التطبيعَ هو السبب الرئيسي لعدائهم للمغرب، كَذِبٌ ما بعده كذب. والدليل على ذلك، أن ما سُمِّيَ ب"التَّطبيع" حدث في شهر ديسمبر 2020، بينما العداءُ للمغرب بدأ في نوفمبر 1975 مباشرةً بعد المسيرة الخضراء. وما يُسميه حكَّام الجزائر تطبيعاً، هو، في الحقيقة، استئنافٌ للعلاقات بين البلدين.

وبعبارةٍ أخرى، السبب الرئيسي، هو أن حكام الجزائر كانوا تابعين، إيديولوجياً، للاتحاد السوفياني l'Union Soviétique الذي كان خطُّه السياسي يعتمِد الاشتراكية le socialisme والشيوعية le communisme . حينها، كان هذا التيار الإيديولوجي يحارب الرأسمالية le capitalisme والإمبريالية l'impérialisme اللذان كانا يُعتَبَران عَدوين للإنسانية les ennemis de l'humanité. وكانت الأنظمة الملكية، آنذاك وبالخصوص، في العالم العربي، مُصنفة ضمن هذا العداء. وقد تأثَّر بهذا التيار الإيديولوجي كثير من الضباط العسكريين العرب الذين قاموا بانقلابات عسكرية في مصر وسوريا والعراق واليمن.

وقد تبنى بعض الضباط العسكريين هذا التيار الإيديولوجي، وعلى رأسهم، هواري بومدين، الذي كان اسمُه الحقيقي، محمد إبراهيم بوخروبة. والدليل على أن الضباطَ العسكريين، العرب، الذين تبنوا هذا التيار الإيديولوجي، قاموا كلهم بتأميم nationalisation شركات كبرى مثل قناة السويس بمصر وشركة النفط بالعراق والجزائر وشركات أخرى بسوريا واليمن.

ولهذا، فالعداء الذي كنَّه ويكِنُّه حكام الجزائر كان، في بدايتِه، عداءً إيديولوجياً، بما في ذلك، العداء للنظام الملكي. واليوم، أصبح هذا العداءُ سياسيا، لأن حكامَ الجزائر بادروا، انفراديا، بقطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب وإغلاق الحدود البرية ومنع التحليق فوق التراب الجزائري للطائرات المدنية المغربية، ومنع العائلات الجزائرية والمغربية، القاطنة في الحدود أو قربَها من إحياء صلة الرَّحِم.

لكن الخاسرَ الأول والأخير في هذا العداءِ المفتَعَل، هو اقتصاد البلدين المتجاورين. لماذا؟ لأنه كان، من المفروض، أن يعُمَّ بين البلدين تكاملٌ اقتصادي. الجزائر بلد النفط le pétrole والغاز الطبيعي le gaz naturel. والمغرب بلدٌ فلاحي، وسيصبح في المستقبل القريب بلداً صناعياً. كان، من المفروض، أن يحدثَ بين البلدين تبادلٌ تجاري هائل، إضافةً إلى تبادلاتٍ أخرى.

علما أن الخبراء الاقتصاديين قدَّروا هذه الخسارة بما يترواح بين 1,5 و 3% من الناتج الداخلي الخام لكل بلدٍ على حدة. وبما أن الناتج الداخلي الخام يُحسب بملايير الدولارات، فهذه الخسارة ضخمة. مثلاً، بالنسبة للناس الداخلي الخام للمغرب سنة 2025، المُقدَّر ب182,6 مليار دولار، الخسارة، بالنسبة ل1,5%، الخسارة تفوق 27 مليار درهم. أما بالنسبة ل3%، فالخسارة تفوق 54 مليار درهم..

إضافة إلى الخسائر الاجتماعية الإنسانية التي يعاني منها الأفرادُ والعاملات. من بين هذه الخسائر، أذكر، على سبيل المثال : الفصل بين العائلات التي تتوفَّر على قرابة parenté بينها. دون نسيان القيود المفروضة على التنقل بين البلدين، حيث أصبح هذا التنقُّل يتطلَّب مسارات طويلة وشاقة. ومن تداعيات إغلاق الحدود البرية والجوية، تراجع التبادل الثقافي والفني، علماً أن هذا التبادلَ كان قوياً في الثمانينيات، وبالأخص بعد إنشاء اتحاد المغرب الكبير…

كل هذه التَّدعايات لها انعكاسات نفسية على سكان البلدين. لكن حكامَ الجزائر، العسكريين والمدنيين، لا يُعيرون أي اهتمامٍ لهذه الانعكاسات. ما يهمُّهم، هو استِمرار العداء للبلد المجاور، وذلك رغم النجاحات الدبلوماسية التي حقَّقها المغربُ القوية حول قضية افتعلها حكام الجزائر، علما أن البلدان التي تعترف بمَغْرِبِيَةِ الصحراء، تصطفُّ بجانب المغرب، بينما البلدان التي تعترف بعِصابة البوليزاريو وبالجمهورية الوهمية يتقلَّص عددُها اتباعاً. كرِه حكام الجزائر أم لم يكرهوا. قضيتنا الترابية مربوحة دولياً ودبلوماسيا. وبابُ نجاحاتٍ أخرى مفتوحٌ أمامنا. لكل مستمع جيد سلام قلبي à bon .entendeur un salut cordial

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى