إلغاء بروتوكول الخليل: خطوة نحو الضم الفعلي وتقويض النظام القانوني الناظم للأراضي الفلسطينية المحتلة

إلغاء بروتوكول الخليل: خطوة نحو الضم الفعلي وتقويض النظام القانوني الناظم للأراضي الفلسطينية المحتلة

قراءة سياسية وقانونية واستراتيجية في أبعاد القرار الإسرائيلي وتداعياته


بقلم: المحامي علي أبو حبلة رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة – باحث في القانون الدولي

لم يكن إعلان وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إلغاء ما يعرف بـ"بروتوكول الخليل" الموقع عام 1997 حدثاً إدارياً عادياً أو مجرد تعديل في صلاحيات التخطيط والبناء داخل المدينة، بل يمثل تطوراً سياسياً وقانونياً بالغ الخطورة يندرج ضمن استراتيجية إسرائيلية متكاملة تستهدف إعادة صياغة الوضع القانوني والسياسي للضفة الغربية المحتلة، وصولاً إلى فرض السيادة الإسرائيلية عليها بصورة تدريجية ومنهجية.

وتكمن خطورة القرار في أنه لا يستهدف مدينة الخليل وحدها، وإنما يشكل سابقة سياسية وقانونية قد تمتد آثارها إلى مجمل الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما يعكس انتقال الحكومة الإسرائيلية الحالية من إدارة الاحتلال إلى هندسة مشروع الضم الفعلي، في تحدٍ مباشر للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة والاتفاقيات الثنائية الموقعة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.

أولاً: الخلفية التاريخية والقانونية لبروتوكول الخليل

جاء بروتوكول الخليل الموقع في 15 كانون الثاني/يناير 1997 تنفيذاً للمرحلة الانتقالية المنبثقة عن اتفاق أوسلو واتفاقية طابا (أوسلو الثانية) لعام 1995.، وقضى البروتوكول بتقسيم المدينة إلى منطقتين:؟؟ منطقة (H1) وتشكل نحو 80% من مساحة المدينة وتخضع للإدارة المدنية والأمنية الفلسطينية. ، منطقة (H2) وتشكل نحو 20% من مساحة المدينة وتبقى تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية، وتضم البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي والمستوطنات المقامة داخل المدينة.

ورغم الانتقادات الفلسطينية الواسعة لهذا الترتيب، إلا أنه ظل يشكل إطاراً قانونياً ناظماً للعلاقة بين الطرفين في الخليل، باعتباره جزءاً من الاتفاقات الثنائية المعترف بها دولياً.

ثانياً: سموتريتش ومشروع الضم التدريجي

لا يمكن فهم القرار بمعزل عن المشروع الأيديولوجي الذي يتبناه سموتريتش وحلفاؤه في حكومة اليمين الديني والقومي المتطرف ، فالرجل لا يخفي رفضه لفكرة الدولة الفلسطينية، ويعتبر الضفة الغربية جزءاً لا يتجزأ مما يسميه "أرض إسرائيل" ومنذ تشكيل الحكومة الحالية عمل على:- توسيع الاستيطان. وشرعنة البؤر الاستيطانية. ونقل صلاحيات الإدارة المدنية من الجيش إلى الوزارات الإسرائيلية.

تقليص دور الإدارة العسكرية لصالح مؤسسات مدنية إسرائيلية.

ويرى عدد من خبراء القانون الدولي أن هذه الإجراءات تشكل مؤشرات واضحة على الانتقال من الاحتلال المؤقت إلى الضم الفعلي، وهو ما تحظره قواعد القانون الدولي الإنساني.

ثالثاً: مخالفة القرار للقانون الدولي

ينص ميثاق الأمم المتحدة على مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة. كما تؤكد:- اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949. ولوائح لاهاي لعام 1907. والرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بشأن الجدار عام 2004.والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر عام 2024 بشأن الاحتلال الإسرائيلي. جميعها تؤكد أن الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، أراضٍ محتلة تخضع لقواعد الاحتلال الحربي.

وتحظر المادة (47) من اتفاقية جنيف الرابعة على دولة الاحتلال اتخاذ إجراءات تؤدي إلى تغيير الوضع القانوني للأرض المحتلة أو حرمان السكان الواقعين تحت الاحتلال من الحقوق المقررة لهم بموجب الاتفاقية.

كما تنص المادة (49) من الاتفاقية على حظر نقل سكان دولة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة، وهو ما ينطبق على النشاط الاستيطاني الإسرائيلي.

وبالتالي فإن إلغاء بروتوكول الخليل بصورة أحادية يمثل خرقاً مزدوجاً:- ويعد أولاً: انتهاكاً للاتفاقيات الثنائية الموقعة.

ثانياً: انتهاكاً لقواعد القانون الدولي الناظمة للاحتلال.، رابعاً: قرارات الأمم المتحدة وموقف الشرعية الدولية وتؤكد قرارات الأمم المتحدة بصورة متكررة عدم شرعية الإجراءات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، ومن أبرزها:- قرار مجلس الأمن 242 لعام 1967. قرار مجلس الأمن 338 لعام 1973. قرار مجلس الأمن 446 لعام 1979. قرار مجلس الأمن 465 لعام 1980. قرار مجلس الأمن 2334 لعام 2016.

وأكد القرار 2334 بصورة واضحة أن المستوطنات الإسرائيلية "ليس لها أي شرعية قانونية وتشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي".كما شدد على عدم الاعتراف بأي تغييرات على خطوط الرابع من حزيران 1967 إلا ما يتم الاتفاق عليه من خلال المفاوضات.

ومن هذا المنطلق فإن أي خطوة أحادية لإلغاء الاتفاقيات أو فرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء من الضفة الغربية تعد باطلة قانونياً وفقاً لموقف المجتمع الدولي.

خامساً: الخليل في قلب المشروع الاستيطاني

تمثل الخليل حالة خاصة داخل المشروع الاستيطاني الإسرائيلي. ، فالمدينة تضم أحد أكثر النماذج تعقيداً للاحتكاك بين السكان الفلسطينيين والمستوطنين. ويعيش عشرات الآلاف من الفلسطينيين في محيط بضع مئات من المستوطنين الذين يتمتعون بحماية عسكرية واسعة.

ومن شأن القرار الجديد أن:- يوسع النفوذ الاستيطاني داخل البلدة القديمة. ويضعف الصلاحيات الفلسطينية. ويسرع عمليات التهويد.ويفرض وقائع جديدة يصعب التراجع عنها مستقبلاً.

الأمر الذي يجعل الخليل مختبراً عملياً لتطبيق نموذج الضم التدريجي في مناطق أخرى من الضفة الغربية.

سادساً: هل انتهت فعلياً مرحلة أوسلو؟

يثير القرار تساؤلات جوهرية حول مستقبل اتفاق أوسلو ذاته. ؟؟؟ فإذا كانت إسرائيل تقوم بإلغاء أحد أهم البروتوكولات التنفيذية المنبثقة عنه، فإن ذلك يعني عملياً أن الحكومة الإسرائيلية الحالية لم تعد تعتبر نفسها ملتزمة بروح الاتفاق أو أهدافه السياسية.

وقد حذر عدد من الباحثين الإسرائيليين والدوليين من أن استمرار هذه السياسة سيؤدي إلى انهيار ما تبقى من البنية القانونية التي قامت عليها السلطة الفلسطينية والعلاقة التعاقدية بين الجانبين.

وفي هذه الحالة يصبح الحديث عن "مرحلة انتقالية" أمراً فاقداً للمعنى بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على توقيع الاتفاق.

سابعاً: انعكاسات القرار على حل الدولتين

يُعد حل الدولتين أحد المرتكزات الأساسية للمجتمع الدولي في معالجة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

غير أن السياسات الإسرائيلية الحالية تضع هذا الحل أمام تحديات غير مسبوقة. ، فكل توسع استيطاني جديد، وكل نقل للصلاحيات إلى مؤسسات إسرائيلية مدنية، وكل خطوة نحو الضم الفعلي، يؤدي إلى تقليص المساحة المتاحة لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً وقابلة للحياة. ويرى العديد من الخبراء أن استمرار هذه السياسات قد يقود إلى أحد احتمالين:

الأول: تكريس نظام ضم فعلي طويل الأمد.

الثاني: الانتقال إلى واقع الدولة الواحدة غير المتساوية الحقوق، بما يحمله ذلك من تداعيات سياسية وقانونية وأمنية عميقة.

ثامناً:
التداعيات الفلسطينية والعربية والدولية

يفرض القرار تحديات متعددة المستويات:؟؟ فلسطينياً:؟؟ ضرورة بلورة استراتيجية قانونية ودبلوماسية موحدة. ،تفعيل أدوات المساءلة الدولية. وتعزيز الصمود في المناطق المستهدفة.

عربياً: ؟؟ إعادة القضية الفلسطينية إلى سلم الأولويات السياسية. والعمل على تفعيل القرارات العربية الرافضة للضم والاستيطان.

دولياً:؟؟ الانتقال من بيانات الإدانة إلى إجراءات عملية. وفرض التزامات قانونية على إسرائيل بصفتها قوة احتلال. والعمل على حماية حل الدولتين من الانهيار الكامل.

خاتمة

إن قرار إلغاء بروتوكول الخليل لا يمثل مجرد تعديل إداري أو خلافاً حول صلاحيات التخطيط والبناء، بل يشكل محطة مفصلية في مسار التحول الإسرائيلي من إدارة الاحتلال إلى تكريس الضم الفعلي للأراضي الفلسطينية المحتلة.

فالقرار يعكس رؤية سياسية تتبناها الحكومة الإسرائيلية الحالية تقوم على تفكيك الأسس القانونية التي قامت عليها عملية السلام، وفرض وقائع ميدانية جديدة تجعل من قيام الدولة الفلسطينية أمراً أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

وفي ظل غياب تحرك دولي فاعل، فإن الخليل قد تتحول إلى النموذج الأول لتطبيق مشروع الضم الشامل، بما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على مستقبل القضية الفلسطينية، وعلى النظام القانوني الدولي الذي قام منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على مبدأ رفض الاستيلاء على الأراضي بالقوة واحترام حق الشعوب في تقرير

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى