أ. د. عادل الأسطة - خربشات ١٨ حزيران من كل عام

١
صباح الخير يا مصر .. صباح الخير يا ا . د . سيد علي :

أشكرك على التوضيح وأبارك جهودك ثانية . نحن نحب مصر طه حسين وجمال عبد الناصر وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب ومحمود أمين العالم وزكي نجيب محمود وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ و ..و ..و .. ومنهم تعلمنا وعلى كتاب الجيب نشأنا . لا أنسى أسامة أنور عكاشة وشكري سرحان وفاتن حمامة و ...و ..
لقد تربينا على الأدب المصري والفن المصري والغناء المصري وصباح الخير يا مصر يا بهية يا أم طرحة وجلابية
٢٠١٣

٢
استغراب أخي من نمط حياتي :

يستغرب أخي من نمط حياتي إذ يراها بلا جدوى ، فلا امرأة أشاركها قهوة الصباح ولا أحد معي في البيت ، لأن روز وفائزة تقيمان ، منذ ربع قرن ، في عمان .
هل قرأ أخي جدارية محمود درويش
:" لا امرأة تقاسمها الكلام الإباحي.. "؟ ربما ! وهذا احتمال بعيد ، فنحن شعب لا يقرأ ، ولأننا كذلك فإن حياتي التي أنفق أكثرها في الكتب والقراءة والكتابة هي في نظر أخي - هي حياة ( فالصو ) .
لمن أعمل ، ولمن أجمع المال - الثروة ؟ ولم لي شقتان ؟
لا أدري بم أجيب أخي . أحيانا أبدو مسرورا بما أنا عليه ، وربما أخطأت في الزواج من امرأة عربية ، لأن أسوأ شيء في الدنيا أن تتزوج من امرأة عربية ، حيث يغدو الزواج زواجا من أسرة كاملة لا من امرأة واحدة ، وهات حلها مع تيوس كثر .
موعد المحاضرة اقترب ولا أريد أن أكون فضائحيا أكثر .
طز فينا وانظزوا ماذا يحدث في الشام وقولوا لي رأيكم فينا ولكن لا أستطيع إلا أن أكون عربيا أطرب لأم كلثوم وعبد الوهاب وأحب اللغة العربية . هل أشط ؟
وهل أخرف ؟
لست أدري و " جايين الدنيا ما نعرف ليه " وصباح الخير يا محمد عبد الوهاب !
٢٠١٣

٣

18/6/2016
( حزيران الذي لا ينتهي ) 14

( تشوش الذاكرة ) :

في تلك الأيام بدأ الناس يتحدثون عن أبناء المخيم المفقودين ، فقد غادر قسم من هؤلاء إلى الأردن ، بعد أن تركوا المخيم وساروا في الحقول ، كما لو أن هؤلاء لم يتعلموا من تجربة أهاليهم في العام 1948، أو كما لو أنهم لم يتذكروا إلا مجازر اليهود في دير ياسين وقبية ، وكان أكثر هؤلاء من شباب المخيم الذين انخرطوا في الدفاع المدني . وقصة خروج الناس ،والأسئلة التي دارت على الألسن ، في حينه ، حولها ، سترد في قصة " الخروج " لمحمود شقير ، القصة التي ظهرت في مجموعته " الولد الفلسطيني " ( 1977 ) ، وهي قصة تقليدية الشكل ، كتبها القاص من منظور الفكر اليساري الذي اعتنقه ، وتأتي على ثنائية الأرض والعرض ، وهي ثنائية تركت أثرها العميق في أبناء الشعب الفلسطيني ، فقد ارتكب اليهود الصهيونيون مجازر واغتصبوا بعض النسوة ، والطريف أنني ، مؤخرا ، قرأت في رواية الكاتبة الايرلندية ( ايثيل مانين ) " الطريق إلى بئر السبع " 1963ما لم أقرأه في روايات النكبة ، إلا إذا خانتني ذاكرتي ، حيث تكتب المؤلفة عن اغتصاب جنديين من عصابات الصهاينة لامرأة من اللد ولخادمتها أيضأ ، وكان من آثار الاغتصاب جنين سيتم إجهاضه .
ومن القصص التي شاعت في المخيم ، في حينه ، عن الشباب واختفاء آثارهم قصة أبو زياد الفرواني التي أتيت على ذكرها من قبل ، وقصة الشهيد راضي الذي التحق بالفدائيين واشترك في إحدى العمليات فاستشهد ، ولم أر والده ، منذ استشهاده ، إلا حزينا وصامتا . لم أر في حياتي كلها رجلا ترك استشهاد ابنه أثره عليه مثل أبو راضي ، والغريب أنني لم أقرأ في الأدب الفلسطيني من وصف ما ألم بالاباء ، بأسلوب يبعث الحزن ، ما ترك أثرا في وجعلني استحضر نصه ، وفي العام 2002 سيكتب الشاعر محمود درويش ديوانه " حالة حصار " وسيأتي على وصف أثر الشهادة على الآباء والأمهات ( أتذكر مارسيل خليفة وأغنيته " أجمل الأمهات " ) . ربما كانت سحر خليفة أتت على الفكرة في روايتها " باب الساحة " وصورت فلسطين على أنها غولة تأكل أبناءها . دائما أرى أبو راضي حزينا ، وإن كان هناك حادث آخر شخصي أثر أيضا فيه . حزن ابو راضي وصمته هو من الأشياء التي ستترك أثرا في .
أحيانا كثيرة أعود إلى ديوان " حالة حصار " لأسترجع ما كتبه درويش عن فقدان الآباء لأبنائهم ، في الصراع ، لأنني أرى مدى نجاح الشاعر في تمثل حالة الآباء ، حتى أنني لأحزن وأنا أقرأ المقطع :
" الشهيد يحذرني : لا تصدق زغاريدهن
وصدق أبي حين ينظر في صورتي باكيا :
كيف بدلت أدوارنا ، يا بني ،
وسرت أمامي ؟
أنا أولا
وأنا أولا ."
.........
كأن أبو راضي ، وأنا أكتب يقف أمامي يبكي ابنه الشهيد راضي ، كما لو أنه بالفعل مازال يسير في شوارع المخيم صامتا حزينا لا يفكر إلا في ابنه الشهيد .
18 / 6 / 2016
٤

المدينة في الخامسة مساء :

الفلافل في كل مكان
وفي كل مكان أيضا العوامة ،
وإلى جانب الفلافل المحشي هناك الكبة
وليست أصابع زينب بعيدة عن العوامة أيضا .
بائع الحمص يدق يدق
وغير بعيد عنه بائع المخللات ،
وأما أيدي الناس فلا تخلو من علب الحلوى
والقطايف " على من يشيل "

*****
وأما أنا فأسير
في سوق الخضار في البلدة القديمة ، حيث الفواكه والخس والنعنع
وزجاجات العصير والتمرهندي
وبقايا الرمان الممزوج بالماء

***ا
الناس صائمون أو أنهم يمثلون ،
وثمة صجيج في الشارع ،
وثمةأصوات مرتفعة وعراك ،
وثمة أناس يفزعون بين عباد الله الصائمين .
أهو خلاف على زبون أم ...؟
والناس في رمضان يصوم بعضهم " ويحمل الله جميلة " أنه صائم .
قبل أيام جلست إلى جوار سائق أخذ يتذمر من سلوك بعض الركاب :
- اه ، اه ، ترى أنا طالعة معاي وواصلي لهون .
وأشار بسبابته إلى أنفه

***
الناس صيام والمدينة تبيع وتشتري
و
و
والمدينة....تسعى .
18/6/2016

٥
لما ترنح نجمك المنحوس
وتعلقت بعرى الحبال رؤوس
ناح الأذان وأعول الناقوس
فالليل أكدر والنهار عبوس
ابراهيم طوقان
اليوم ذكرى إعدام الشهداء الثلاثة جمجوم والزير وحجازي .
1930 / 6 / 17
لقد انهارت بريطانيا العظمى التي لم تغرب الشمس عنها .
سبحان الباقي
17 / 6 / 2017

٦
واسيني 11 : " الأشياء تأتي متاخرة "

لفت نظري في الصفحات الأولى من الرواية عبارة ذات دلالة جاءت عابرة ، ولكنها ، فيما أظن ، تعبر عن مكبوت صادق ، وهذه العبارة تخص علاقة ياسين الأبيض بروز خليل التي اشتركت معه في تأليف الرواية - هنا تحقيق المخطوط ؛ مخطوط " مي ليالي إيزيس كوبيا ثلاثمائة ليلة وليلة في جحيم العصفورية " .
يتذكر ياسين وهو في المطار لحظة بوح بينه وبين روز يأتيان فيها على العلاقة بينهما في أثناء البحث عن المخطوط
وفيها ترد العبارة الآتية :
" - لو التقينا قبل عشرين سنة لما كنا افترقنا أبدا " ( 42 )
ترد روز :
" - لست نادمة على شيء . لقد اخترت عملي وحريتي . ابنتاي ميا وليلي ، تملآن حياتي ، من زواج لم يستمر طويلا ، من رجل جيد ، لكنه لا هو تحملني ولا أنا تحملته . الرجل الشرقي يخاف المرأة القوية " .
روز هنا تختلف عن سحر خليفة التي ابرزت صورة سلبية في المطلق لطليقها .
بعض النساء المطلقات يكن مثل روز وبعضهن مثل سحر وكذلك الرجال .
طبعا حين نقارن بين ياسين وأكثر الأدباء الذين أتت عليهم مي في " ليالي العصفورية "وما بعد ليالي العصفورية نجد الفرق واضحا ، وتحديدا بين صورة ياسين وصورة العقاد وطه حسين والرافعي . وكنت أتيت على هذا من قبل وإن بإيجاز . هل يرسم واسيني لنفسه صورة مختلفة ، هو الذي أنصف مي ؟
ترى لو عاش ياسين في زمن مي وأقام علاقة معها كيف كان سيتصرف؟ هل سيكون مثل أمين الريحاني أم مثل العقاد وطه حسين والرافعي ؟
أعتقد أن شكل العلاقة بينه وبين مي هو ما سيحدد الأمر .

٧

واسيني 3 :
" العناوين "

العنوان الرئيس لرواية واسيني هو " مي ليالي إيزيس كوبيا ثلاثمائة ليلة وليلة في جحيم العصفورية "
وهناك ما يشبه المقدمة عنوانها " في ملابسات مخطوط " ليالي العصفورية " "( 7 - 45 ) تتكون من 14 رقما.
- ص47 هناك وسط الصفحة الآتي " مي زيادة ( ايزيس كوبيا ) ".
- ص49 " ليالي العصفورية : تفاصيل مأساتي ، من ربيع 1936 إلى خريف 1941
النسخة الكاملة التي تم العثور عليها في صحراء الجيزة ، ودير عينطورة في بيروت

تحقيق وترتيب وتعليق
روز خليل وياسين الأبيض
Editions BNF Paris and et LRAL Montreal 2017 "
- ص51 بدء الليالي .
- ص53
1 - مريمتك أنا يا الله ، فلماذا تخليت عني ؟
ليلة 16 أيار / مايو 1936 وما تلاها .
- ص119
2 - وانزويت تتأملني ، كأنك لم تكن معنيا بآلامي
ليلة 2 . حزيران / يونيو 1936 وما تلاها .
- ص173
3 - خصني بحضنك يا الله ، لكي أعرف أنني منك
ليلة 14 أيلول/ سبتمبر 1936 وما تلاها
- ص217
3 - سامحهم يا ربي ، فهم لا يعلمون
ليلة 28 كانون الأول / ديسمبر 1936 وما تلاها
- ص 265
4 - يا أبتاه ... بين يديك ، استودع روحي ( 1 )
ليلة آذار / مارس 1938 وما تلاها .
( 1 ) ( لوقا 23 : 46. )

- ص301
اغسليني يا أمي من دمي ، ودثريني بصدرك
ليلة 2 شباط / فيراير 1939 وما تلاها .
-.ص327 اخر الصفحة -
- ( انتهت يوميات ليالي العصفورية
تمت صباح يوم الأحد في 19 تشرين الأول / اوكتوبر 1941 )
- ص331
هي لم تمت ، لكنها شبهت لهم
ليلة أيلول / سبتمبر 2017 وما تلاها .
- ص347
شكر .
فماذا يعني ما سبق ؟
الكتابة تطول حول هذا وتحتاج إلى دراسة مفصلة .
ولكن:
لماذا كرر الكاتب ياسين الأبيض الرقم 3 مرتين ؟
الليالي ثلاثمائة وليلة والمدة الزمنية للتواريخ المسجلة تفوق لياليها بكثير عدد الليالي المشار إليها .
كتب ياسين الأبيض في النهاية " يوميات " وهي ليال وفوق ما سبق لا نقرأ يوميات مؤرخة . ولو قرأنا يوميات من ربيع 1936 إلى خريف 1941 لوجب أن نقرأ ألفي ليلة وليلة / يومية ويومية .
تحيلنا كلمة " ليالي " إلى ليالي " ألف ليلة وليلة " ، ويفترض أن يكون هناك مخاطب / متكلم ومخاطب /مروي عليه ، وهذا غير موجود .
الاسئلة كثيرة والإجابات تحتاج ، كما ذكرت ، إلى تأن وصبر و تأمل .
٨
واسيني 4 :
" العنوان "

أسفل العنوان ، على غلاف الرواية ، كلمة "رواية " - يعني العقد بين الكاتب واسيني الأعرج والقاريء يقوم على أساس أن ما سيشتريه القاريء هو عمل روائي .
أول ما يتخطى القاريء الصفحات الثلاث التي تتكرر فيها المعلومات والتصدير ببعض عبارات مي وغيرها ، يقرأ عنوانا يقول لنا شيئا آخر .
العنوان الداخلي يقول إننا سنقرأ تحقيق مخطوط لمي ينجزه كاتب اسمه ياسين الأبيض ، لا رواية لواسيني :
" من ملابسات مخطوط ليالي العصفورية " .
وفي ص 45 يكتب المحقق بحرف أسود بارز غامق :
"ليالي العصفورية .. تفاصيل مأساتي ، من ربيع 1936 إلى خريف 1941 " وفي صفحة 49 كتابة واضحة تقول لنا غير ما قرأناه على الغلاف " رواية " وتقول لنا الكتابة إننا سنقرأ ما كتبته مي زيادة عن تجربتها - يعني بعض سيرتها ، وسنكتشف أن الكتابة ليست عن ثلاثمائة ليلة وليلة ، بل وسنعرف أن ما نقرؤه يشمل كتابا ثانيا غير يوميات مي في العصفورية .
في الصفحة 291 نقرأ أن مي بعد كتابة يومياتها في العصفورية " بدأت تكتب كتابا آخر " عن إقامتها في بيروت وأنها دمجت كتابها الثاني في صلب " يومياتي وليالي في العصفورية " وهذه الإشارة توضح لنا الإشكالات الناجمة عن الأزمنة المشار إليها في العناوين الفرعية وأكثر .
على الغلاف المكررة معلوماته في الصفخة 3 نقرأ " ثلاثمائة ليلة وليلة " ولكننا في المتن نقرأ غير مرة دال " يوميات " " يومياتي " كما في الصفحات 264 / 327 على سبيل المثال .
ثم إننا نفتقد تاريخ كل يوم كانت تدون فيه .
لقد خطر ببالي مثلا أن أعد الأرقام التي وضعت في المخطوط والكتاب الثاني لألحظ إن كان عددها حقا 301 . ولكنني متأكد من أن الأرقام لا يصل مجموعها إلى هذا الرقم ، وهذا يعني أن اليوميات لم تكن تكتب يوما يوما .
٢٠١٨

٩
جوخة 30 :
جوخة الحارثي : سيدات القمر ، عبيدات القمر

اتضح مما سبق أن الرواية تأتي على ثنائيات عديدة في حياة المجتمع العماني ويمكن حصرها عموما في الثنائيات الآتية :
- الماضي والحاضر
- القديم والجديد
- الأسياد والعبيد
- البدو والريف
- الرجل والمرأة
- الوطن والمنفى
- الآباء والأبناء
- الواقع والأسطورة
وكل ثنائية من هذه الثنائيات قابلة لأن يخاض فيها بتفصيل أكثر .
اليوم كنت أحاضر حول مدلولات العنوان ، وهو ما توقفت أمامه عموما ، وقد أصغيت إلى اجتهادات الطلاب التي كنت كلفتهم بها وقادني الحوار إلى أكثر مما كتبت تحت عنوان " دال العنوان " .
ما خطر في بالي في المحاضرة هو الآتي :
إن العنوان " سيدات القمر " يفترض غيابا واضحا يتمثل في نقيض دال سيدات وهو عبدات ، والرواية لا تتحدث عن السيدات وحسب ، فهي تأتي على العبدات ، ومقابل نجية على سببل المثال هناك ظريفة التي ترضى بأن تكون عبدة تماما ، ولا تتمرد على عبوديتها إلا في حالة واحدة وذلك حين تذهب إلى حفل الزار .
حين يكون هناك زار تذهب إليه ظريفة غير آبهة لأحد حتى لسيدها سليمان التاجر ، ودون الزار هي عبدة عبودية مطلقة لا تقتصر عليها فهي تستاء حين يتمرد زوجها حبيب وابنها سنجر على عبوديتهما .
تذكرت تحليل ( يوري لوتمان ) للنصوص الرومانية القديمة والثنائيات التي حفلت بها ووجدتني أطبق ما قاله عنها على شخصيات " سيدات القمر " وتحديدا على نجية وظريفة ، باعتبار الأولى تشكل طرفا هو الأسياد والثانية تشكل الطرف الثاني وهو العبيد .
يحضر دال سيدات في العنوان ولا يحضر دال عبدات ، وهنا أشير إلى ثنائية الحضور والغياب باعتبارها خصيصة من خصائص البنيوية .
وكنا لاحظنا أن الشخصية الوحيدة التي نعتت بالقمر ، من طرفها ومن طرف الآخرين ، مثل صديقتها حزينة ورجلها عزان وآخرين ، ولم تنعت أية شخصية أخرى غيرها بهذا ، وهذا دفعني إلى سؤال الطلاب السؤال الآتي :
- ما دامت نجية فقط هي التي وصفت في الرواية بالقمر ، فلماذا لم تختر جوخة الحارثي دال سيدة عوضا عن سيدات ؟ ولماذا لم يكن العنوان " سيدة القمر " لا " سيدات القمر " ؟ إن شخصية واحدة فقط هي التي وصفت بهذا ، فلم توصف به ميا أو أسماء أو خولة أو لندن ؟
وقادنا الحوار إلى الوقوف أمام دال السيد ودال القمر وما يعنيه كل منهما ، وقادنا الحديث إلى الفرق بين مجتمع البدو ومجتمع الريف . إن نجية هي امرأة بدوية والبدو يختلفون عن مجتمع الريف ، والمجتمع الأخير يقوم على فكرة التملك التي رفضتها نجية . وافقت ظريفة على أن تكون خادمة وممتلكة لسيدها ورضيت بهذا ، ورفضت نجية أن يمتلكها أحد وأرادت أن تكون سيدة .
بقي طبعا استخدام الجمع لا المفرد . لماذا سيدات القمر مثلا لا سيدة القمر ما دمنا لم نقرأ أي وصف لأية امرأة أخرى بالقمر ؟
نجية تمثل نفسها وتمثل غيرها من البدويات اللاتي يتصرفن تصرفها . وهي التي تختار رجلها وترفض أن يتملكها وتريد علاقة حرة وتفضل حريتها على أي شيء ، ولما كانت رأت عزان في ليلة اكتمال القمر ، فقد أرادته هو ورفضت غيره وسلكت سلوك الأسياد لا سلوك العبيد ، واختلفت عن ظريفة التي حين غضب منها صاحبها زوجها إلى عبده حببب دون موافقتها ووافقت ولم ترفض .
إن نجية البدوية واحدة قد نجد مثلها في الواقع وإن لم نجد في الرواية ، وهؤلاء النسوة هن سيدات القمر ويبدو أن جوخة الحارثي رأت أنهن هن من يستحققن أن يتسيدن العنوان الروائي ؟
هل شططت ؟
٢٠١٩

١٠
في القدس....مشيت الخطا ذاتها

عادل الاسطة

في يوم الأحد الماضي 16 حزيران وجدتني أزور القدس .
ذهبت إلى رام الله في التاسعة لأنهي معاملات التقاعد في هيئة المتقاعدين ، وعرجت على فندق الرنتو لألتقي بالكاتب زياد عبد الفتاح ، فقد اتفقنا على موعد لنتحاور في قضايا أدبية محورها كتابه الجديد الذي يهيئه للنشر ، وهو كتاب نشره على حلقات في " الفيس بوك " وتابعته وعقبت على كثير من حلقاته .
الروائي زياد عبد الفتاح صديق للشاعر محمود درويش وقد آثر أن يكتب عن علاقتهما معا كما بقيت في الذاكرة . هذا يعني أنه سيكتب عن الجانب الإنساني في شخصية الشاعر ، لا عن الجانب الشعري الذي يشغل قراء الشعر ونقاده ، وقد يكون كثير من هؤلاء مثلي أنا يعرفون عن الشاعر من خلال متابعة أخباره من الصحف والمجلات والمقابلات لا من خلال المعرفة الشخصية عن قرب ، وأظن أن لقاءاتي بالشاعر على كثرة ما كتبت عنه لم تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة .
حين يزور زياد عبد الفتاح رام الله ينزل في فندق الرنتو الذي كان اسمه عنوان رواية زياد الأخيرة التي لم أتشجع لقراءتها ابتداء لظني أنها رواية تاريخية ، ثم لما تجاذبت والروائي أطراف الحديث عن تجربته عرفت أنها تدور في المكان الذي نجلس فيه وعن رواده ، ما ذكرني برواية نجيب محفوظ "ميرامار " .
- ماذا أفعل بعد أن أنفق ساعتين في الحوار مع الروائي ، واليوم هو يوم الأحد لا يوم السبت ؟
في السنوات الأخيرة أخذت ، كلما زرت رام الله في الصباح ، أفكر في زيارة القدس ، ونسيت مرتين أنه لا يسمح لي بدخولها في أيام السبت إن لم أكن أملك تصريحا ، وفي المرتين عدت من حيث أتيت إلى معبر قلندية .
في يوم الأحد لم تكن ثمة أزمة في معبر قلندية ، ووجدتني خلال نصف ساعة داخل السور الجديد ، فلقد صار للمدينة سوران لا سور واحد ، وسوف أجد نفسي أحور في سطر شعري لمحمود درويش هو " في القدس -أعني داخل السور القديم " . لقد وجدتني أقول "في القدس- أعني داخل السور الجديد " ولم أتذكر مطلع قصيدة تميم البرغوثي :
مررنا على دار الحبيب فردنا
عن الدار قانون الأعادي وسورها "
وتميم يقصد بالطبع السور الجديد لا القديم . أتذكر مطلع قصيدة تميم حين أنسى وأذهب إلى القدس يوم سبت .هنا فقط يردني عن دار الحبيب قانون الأعادي والسور الجديد .
عندما تنقلت من رام الله إلى معبر قلندية صعدت في باصات القدس ظانا أنني سوف أصل إلى باب العامود مباشرة دون المرور الفردي بالمعبر . ظننت أن جنديا ما سيصعد إلى الباص وينظر في الهويات ، ولكني اكتشفت غير ذلك . يجب اجتياز المعبر بطريقة فردية - أي يجب النزول من الحافلة . كل ما في الأمر كان يتعلق بالأجرة ، فحين تسافر بحافلة القدس تحتفظ بالتذكرة ولا تدفع الأجرة مرتين .
وفي الحافلة يلتفت مواطن مقدسي من أصول خليلية إلى أنك قطعت تذكرة ثانية فينبهك ، حين يبصر بيدك التذكرة الأولى ، إلى أنك لست بحاجة إليها .
ما الذي جعلك والمواطن تتجاذبان أطراف الحديث عن ارتفاع تكاليف الحياة في القدس وبيت حنينا ؟
المواطن المقدسي قال إن ثمن الشقة في بيت حنينا يصل إلى 350 إلى 400 ألف دولار ، وأن سعر الساندويش الذي يباع في الضفة بثلاثة شواكل يباع في القدس بعشرة شواكل ، وتحدث عن أسعار الفواكه التي لا يصدق ارتفاعها .
وأنا في شارع نابلس ، قرب المكان الذي كان فيه كشك دعنا لبيع الصحف والمجلات ، قررت أن أمشي الخطا ذاتها ؛ الخطا التي ذرعتها آخر مرة في صيف العام 1992 ، وكنت أذرعها باستمرار حين كنت أزور مكاتب جريدة " الشعب " و " المكتب الفلسطيني للصحافة " حيث كانت تصدر مجلة " العودة " .
انعطفت من مكان الكشك السابق صوب شارع صلاح الدين . اشتريت كعكة ومعها الدقة وواصلت المشي .
ما إن رأيت موقف الباصات حتى دخلت إليه . لم أعد أذكر إن كانت باصات نابلس تقف فيه قبل 1967 ، ولكني أذكر أنني في 1970 و1971 كنت استقل الباص منه إلى بيت لحم مباشرة ، فلم أكن أسمع بطريق وادي النار .إن هي إلا ربع ساعة حتى أكون في بيت لحم وبيت ساحور .
مازال موقف الباصات على ما هو عليه يقل الركاب إلى جبل الطور والقرى المجاورة أيضا . تأملت في الموقف وواصلت سيري ملتفتا إلى الريفيات يبعن الفقوس وورق العنب والعنب والكرز والبندورة والخيار .إنه منظر مألوف منذ عشرات السنين .
على رأس الشارع ؛ شارع صلاح الدين نظرت إلى مكتب البريد الذي كنت أرسل منه الكتب إلى زميلي د.خليل الشيخ يوم كان يعد الدكتوراه في جامعة بون . ليس معي الآن كتب أرسلها فلماذا أعرج على المكتب ؟
انعطفت يسارا إلى مكاتب جريدة " الشعب " التي حررت فيها " الشعب الثقافي " ، بتكليف من الصديق القاص أكرم هنية ، وكان ذلك - على فترات متقطعة - في نهاية 70 القرن العشرين ولغاية أيلول من العام 1987 .
أمام مدخل مكاتب الجريدة توقفت كما لو أنني شاعر جاهلي أو كما لو أنني مثل محمود درويش يتوقف على أطلال قريته "البروة " ومدينته حيفا .
نظرت إلى اللافتات المكتوبة . ثمة عيادة أسنان لمواطن مقدسي من آل السلايمة ، وثمة مكتب محامي شرعي .
" لخولة أطلال " والتفت إلى الدكان المقابل وهو لرجل من آل القواسمي .لم أصعد الدرج الذي صعدت إليه قبل عقود مرارا ودخلت إلى محل القواسمي للزجاج والصور والرسوم والإطارات ولطالما دخلت إليه في الزمن السابق .
في شقتي الأولى الآن بعض لوحات تشكيلية كنت اشتريتها من هذا المحل . تأملت في اللوحات الموجودة لربع ساعة لم يسألني الموجودون خلالها أي سؤال عما أبتغيه ، ثم غادرت المكان إلى شارع صلاح الدين .

2-
على زاوية الشارع هناك محل بيع مكسرات وقهوة غالبا ما كنت أشتري منه . دلفت إلى المحل كما لو أنني أواصل حبل ود لم ينقطع . اشتريت نصف أوقية بندق وكاشو وسألت عن قهوة تركية إسرائيلية تاريخ انتهائها بعيد .
واصلت سيري في شارع صلاح الدين ببطء وتوقفت أمام فاترينة مكتبة أمعن النظر في الكتب المعروضة ولاحظت أنها قديمة الصدور . لم أدخل إلى المكتبة وواصلت المشي أبحلق في المحلات حتى وصلت إلى نهاية الشارع الذي كانت فيه مكاتب المكتب الفلسطيني للإعلام .
آخر مرة زرت فيها المكتب كانت في أيلول 1992 . هنا التقيت بالشاعر والصحفي ابراهيم قراعين ، وهنا التقيت بعبد الكريم سمارة و الشاعر المتوكل طه ورضوان أبو عياش الذي كنت أعرفه في مخيم عسكر القديم ، وهنا التقيت بوليد العمري الصحفي الذي سيغدو مشهورا من خلال فضائية الجزيرة و ... و ... وهنا جلست مرارا أنا والشاعر عبداللطيف عقل الذي كان يقرأ شعره ويتحدث عنه بلهفة كما لو أنه يكتبه بدمه .
توقفت مليا أمام مدخل البناية المغلق أقرأ اللافتات التي خلت من اسم مكتب العودة أو المكتب الفلسطيني للإعلام والصحافة . مات رضوان أبوعياش ومات عبد اللطيف عقل ولم أعد أرى ابراهيم قراعين أو عبد الكريم سمارة ، ولم أعد أعرف أخبار كثيرين و وليد العمري هو الوحيد الذي أراه من خلال فضائية الجزيرة .
سوف اسأل أحد أصحاب الدكاكين عن المكتب وزمن إغلاقه وسيخبرني المكتب ما عاد موجودا وأنه لا يعرف بالضبط تاريخ إغلاقه .
أقطع الشارع إلى الجانب الآخر وأتأمل المحلات التجارية . كان الشارع كما وردت الكتابة عنه في أدبيات المقدسيين ، وبخاصة محمود شقير ، كان في 60 القرن العشرين من أكثر شوارع المدينة ازدهارا من ناحية تجارية ، ففيه محلات بيع الملابس الحديثة ومنها تجهز العرائس .
الآن أنظر في بلاط الرصيف وفي واجهات المحلات فأعرف ما يفعله الزمن في البشر والحجر ، أنا وشارع صلاح الدين هرمنا معا .
في الشارع كما في باب العامود تجد الريفيات الفلسطينيات يفترشن الأرض عارضات بضائعهن فتتذكر آمنة في قصة أكرم هنية "بعد الحصار ..... قبل الشمس بقليل " 1979 .
كانت آمنة زوجة أسير تأتي إلى القدس يوميا لتبيع الخضار والفواكه وتنفق على عائلتها ، فما هي قصة كل واحدة من هؤلاء النسوة - في الحافلة وأنا عائد من معبر قلندية إلى نابلس تحدثت امرأة عن عملها في القدس لتنفق على أسرتها وقد انتقدت امرأة كبيرة مريضة ركبت معنا في الحافلة من حوارة تمتهن التسول ولامت أبناءها المقتدرين المتنفذين في مراكزهم كيف يسمحون لأمهم بالتسول ولم استفسر منها عن أبناء المرأة وعن أصلها وفصلها ، وعن معلوماتها هي أيضا ، واختتمت المرأة كلامها بأن التسول مهنة فتذكرت أمي - رحمها الله - وهي تذكر قصة المتسولة التي تزوجت وعاشت في قصر ولكنها وقفت على الدرج ومدت يدها تخاطب الطاقة " يا طاقة بدي رقاقة " - .
أمعن النظر في المحلات علني أتذكر مكاتب منشورات صلاح الدين ، ولكن عبثا أتذكر .لقد أسهمت تلك الدار من خلال منشوراتها في تكويننا الثقافي وعرفتنا بأبرز الكتاب العالميين والعرب التقدميين ؛ من برتولد بريخت إلى الطاهر وطار وزكريا تامر .

3 - أعود إلى باب العامود ل لأدلف إلى البلدة القديمة . أعود بذاكرتي إلى العامين ١٩٨٦و١٩٨٧ وأتذكر روز وفائزة ثم أواصل سيري . لقد آثرت الوحدة و أدمنتها و أخاطب نفسي :
- عليك أن تنسى إن استطعت .
هل كررت سطرا من أغنية محمد عبد الوهاب :" بفكر في اللي ناسيني "؟
أذرع الخطى نفسها . متى كانت أول مرة ذرعت هذا الطريق؟
منذ سبعينيات القرن الماضي وأنا أزور القدس . ثمة ألفة مع المكان .ثمة صلة لا أظن أنها دينية وإن كانت الأماكن الدينية من أماكن القدس التي أزورها في الغالب .
أمعن النظر في البائعات الريفيات الجالسات ، وأمعن النظر في المحلات ، ولفت نظري وأنا عائد من زيارة الأقصى وكنيسة القيامة اختفاء مقهى . هل كان ثمة مقهى هنا في مدخل باب العامود جهة اليسار وأنت تدخل إلى البلدة القديمة ؟
يستبد بي الفضول وأريد اختبار ذاكرتي فاسأل أحد أصحاب المحلات ليؤكد لي أن ذاكرتي لم تخني .
- نعم كان هنا مقهى وأغلق .
أمشي ببطء شديد وكالعادة تقودني قدماي إلى الأقصى .
على الزاوية التي تقود إلى الأقصى ثمة مجندات يحملن السلاح وقد يرشدن سائحا ما وقد .. ولم تمعن النظر فيهن .تنظر بطرف خفي خشية أن تتهم بالتحرش من خلال نظراتك ، فلم يغب عن ذهنك موظفة الجسر المجندة .
كنت مسافرا إلى عمان وسلمتها جواز السفر ونظرت إليها حتى تتأكد من ملامح وجهك وصورتك ، وفجأة صاحت .
أواصل طريقي إلى الأقصى . الأقصى هو الأقصى والصخرة هي الصخرة وبلاط الساحة القديم يحتاج قسم منه إلى ترميم .
في الرابعة مساء لم تر في الأقصى والساحة سوى عشرات وبعض زوار من العالم الإسلامي .شاب مصري بصحبة شابين آخرين يريدان الدخول إلى المسجد ، فيرتاب بهم حارس ظانا أنهم غير مسلمين ، فيتكلم الشاب المصري الذي يبدو مظهره أوروبيا لا مصريا ، يتكلم بعربية سليمة ويخبر الحارس بجنسيته وأصوله المصرية .
على باب المسجد مصلون يقرأون القرآن ويتعلمون تجويده بروح مرحة فكهة فيها ضرب من التنافس والاختبار .
لماذا ألح علي هاجس استبدال الحذاء أو إمكانية سرقته ؟
لعلها الحكايات التي كنت أسمعها ، ولعلها فكرة رواية Shaar Yahia " حذاء إبليس " التي قرأت من عامين أجزاء منها ثم انشغلت عنها ولكنها ما زالت على أجندة القراءة ، فكاتبها دكتور فلسطيني في الفيزياء يقيم في موسكو ، وكان جاري قبل حوالي ٤٠ عاما . هل خفت أن أدخل إلى الأقصى ثم أخرج ولا أعثر على الحذاء . يا لبؤس مخيلتنا أحيانا بخاصة أننا نعيش في وطن سرق بأكمله !
أمشي في درب الآلام . بعض محلات مغلقة وأصحاب محلات أخرى يجلسون أمامها ولا يبيع إلا بائعو العصائر لعدد قليل من الزوار . بدت القدس مدينة فقيرة عادية لا تزاحم فيها .
أواصل سيري واسأل لأتأكد . اسأل عن كنيسة القيامة ومسجد عمر بن الخطاب . وأدخل إلى الكنيسة . كما لو أنها مدينة بابل . لغات شتى . كما لو أنها لندن التي أقرأ عنها ولم أزرها . خليط بشري وبشر من بلاد متعددة . بيض وحنطيون وسود وكاكاويون و .. وأتجول في الكنيسة . أصغي إلى ألسنة تتكلم لغات لا أعرفها وأشاهد حركات تبدو لي غريبة ، كما تبدو لهم بعض حركاتنا في صلاتنا غريبة .
في مدخل الكنيسة مستطيل كما لو أنه ضريح أو قبر لنبي .
أشاهد نسوة بيضا وحنطيات وسمرا وكاكاويات يقرفصن ويضعن رؤوسهن على البلاط ويخرجن أشياءهن من حقائبهن ليباركهن . في الصخرة ثمة مكان إن مر منه القصار فإنهم قد يصبحون طوالا . مرة أخذ والداي أختي لتمر منه لعلها تصبح أطول وما زالت أختي قصيرة . الشعوب كلها لها معتقداتها وسعائرها وطقوسها و .. و .. وأمعن النظر في الحجارة والمباني وصفوف الزوار ليشتروا شيئا أو ليضيئوا شمعة .
وأنا أتأمل بلاط ساحة الأقصى والسور المحيط وحائط البراق وحجارة الكنيسة وداخلها المعتم أتذكر سطر محمود درويش من قصيدته " في القدس " ٢٠٠٣ :
" أمن حجر شحيح الضوء تندلع الحروب ؟"
هل زار الشاعر كنيسة القيامة ولاحظ الضوء الشحيح ؟ ربما ! .
٤-
أتجول حول الكنيسة فأرى المقاهي والمطاعم .ثمة بعض رواد والاكتظاظ يلفت في الكنيسة لا في المطاعم التي حولها .
أغادر المكان وأسير في خان الزيت . أجواء جد جميلة وجد ساحرة . القدس وعكا ونابلس ودمشق وفي ألمانيا بامبرغ وهايدلبرغ وروتنبرغ . إنها مدن تعيش في الذاكرة ولها طعم خاص ومذاق خاص . مدن لها تاريخ تمشي فيها مندهشا مسرورا . مدن تبدو أليفة .
تشتري قطعة كعك مقدسي وترش فيها الدقة وتتذكر زياراتك السابقة وعادتك كلما زرت المدينة . لا بد من شراء الكعك المقدسي وحين تصل باب العامود لا ترى كشك عميرة لبيع الكتب .
هل كررت بيت تميم البرغوثي أم أنه لم يخطر في بالك لأنك لم تشعر بوحشة ؟
"وما كل نفس حين تلقى حبيبها تسر
ولا كل الغياب يضيرها "
من المؤكد أن قول تميم لم يخطر على بالي إطلاقا ، فالسرور الذي شعرت به لم يضاهه أي شعور ، ولا بد من زيارات ، ولا بد من القدس وإن طال الغياب وكثرت المعابر والحواجز و ... و ... .
الجمعة ٢١ حزيران ٢٠١٩

١١
أمجد ناصر وعلي فودة :

لم أقرأ المراجعات التي كتبت حول رواية أمجد ناصر " حيث لا تسقط الأمطار " ، ولا أدري إن كان أي قاريء لها ربط بينها وبين رواية الكاتب الفلسطيني علي فودة " الفلسطيني الطيب " التي منع في ثمانينيات القرن العشرين توزيعها في الأردن .
الأوضاع الآن في الأردن اختلفت وما عادت الدولة الأردنية تتشدد في الرقابة على الكتب ، ولا أدري ماذا كان سيلم ب"حيث لا تسقط الأمطار " لو صدرت زمن صدور رواية علي فودة .
ثمة تقاطعات عموما بين الروايتين ربما مبعثه يكمن في بعض التقاطعات في تجربة الشاعرين أولا الروائيين ثانيا .
من منكم أيها القراء قرأ الروايتين ولاحظ ما لاحظت ؟
كان علي فودة يسمي الأشياء والأماكن بأسمائها و ...
18 حزيران 2019

١٢
أنا والجامعة : لجان مناقشة الرسائل العلمية ٣٨ :

ضعف خطط رسائل الماجستير و" لفلفتها " يقود إلى الكتابة عن تشكيل لجان مناقشتها ، فهل يختلف الأمر أم أنه يتشابه تماما ؟
ما عليك إن أردت أن تتأكد من الأمر إلا أن تنجز دراسة إحصائية للرسائل المناقشة وصلة المناقشين بها ، وستكتشف العجب العجاب في هذا الجانب ، إذ غالبا ما يتم اختيار المناقش على أسس لا تمت لتخصصه بصلة .
إن ما يتحكم في اختيار أعضاء المناقشة هو الموقف من حزم المناقش وعدم حزمه - أي هل سيوافق المناقش على الرسالة ولا يكشف ضعف المشرف ، فالرسالة هي في النهاية للطالب والمشرف معا ، والمشرف غير معني بمناقش قد يرفض الرسالة أو قد يظهر ضعفها ، فإن فعل المناقش هذا ، فهذا يعني أنه يوجه اتهاما للمشرف أولا ، إذ كيف وافق على تقديم رسالة بهذا المستوى للمناقشة .
ووجهة نظري يلخصها المثل الشعبي الفلسطيني " أعط خبزك لخبازه لو حرق نصفه " وغالبا ما لا يحدث هذا . وتكاد لجان المناقشة لكثير من الأساتذة محددة سلفا ، ما دفع الجامعة - هنا جامعة النجاح الوطنية - إلى اتخاذ قرار بتغيير أعضاء المناقشة بين مناقشة ومناقشة .
إن العلاقات الشخصية لا العلمية ، للأسف ، تتحكم في كثير منا في اتخاذ القرار ، وإن كان لا بد من إعطاء مثال مما حدث معي شخصيا ، في أثناء دراستي ، فإن من ناقشني في رسالة الماجستير لم يكن متخصصا في موضوعها ، وصلته بالموضوع تكاد تكون شبه معدومة . لم يختر المشرف الأستاذ المناقش المتخصص في الموضوع لأن علاقتهما معا كانت سيئة جدا .
ما حدث معي في جامعة عربية ينسحب على جامعاتنا في الأرض المحتلة .
إن المناقش المتساهل ، والمتساهل جدا ، هو المنشود ، حتى لو كانت الرسالة تطفح بالأخطاء المعرفية ، والأخطاء المعرفية يمكن للمناقش المتخصص في موضوعها تبيانها والإشارة إليها ، وهي غالبا ما تغيب عن ذهن المناقش غير المتخصص ، حتى لو كان برتبة أستاذ دكتور في تخصصه .
ولقد صرت شخصيا مناقشا غير مرغوب فيه ، وثمة جامعات لم أناقش فيها أية رسالة لتشددي في قبول الرسالة أو رفضها .
ماذا يعني أن يناقش أستاذ رسالة لم يكتب هو شخصيا أية دراسة في موضوعها ، في حين أن هناك أستاذا آخر كتب كتابا في الموضوع ؟ لو كان غير المتخصص تخصصا دقيقا موجودا لتقبل الأمر .
إن النظر في أعضاء لجنة المناقشة والأستاذ المشرف وصلتهم بالموضوع وحزمهم ودقتهم يمنح الرسالة قيمة عليا وقد يدفع دور النشر إلى نشرها ، وحين يتقدم صاحب الرسالة هذه إلى منصب في جامعة محترمة علميا ، فقد يوفر له فرصة عالية للحصول على الشاغر .
حين أحدد لجنة مناقشة رسالة ما ، فإنني غالبا ما أنظر إلى أعضاء هيئة التدريس وما كتبوه في موضوعها أو في موضوع قريب منها ، وأنظر أيضا في سويتهم العلمية قبل كل شيء ؛ سعة اطلاع ومنهجية ودقة ، فما يغيب عن ذهني يمكن أن يشيروا إليه ، وتأتي استشارة الطالب وأخذ رأيه فيما بعد ، وغالبا ما آخذ رأي الطالب بالحسبان ، فاسأله وأستشيره وأقترح عليه وأوضح له الأمر .
في الفترة الأخيرة ، على سبيل المثال ، أنهى طالب رسالة ماجستير يرتكز موضوعها على " رثاء الأقارب والذات في الشعر الفلسطيني : فدوى طوقان ومحمود درويش وسميح القاسم وأحمد دحبور ومريد البرغوثي نموذجا " فاقترحت عليه أسماء مناقشين ذوي صلة بالرسالة وشرحت له مدى صلتهم بموضوع رسالته وعرضت عليه أن يختار مناقشين منهما ، فرأي الطالب في المناقشين قد يشعره بالارتياح ، ولكن رأيه ، كما ذكرت ، يأتي ثانيا .
ولو كانت الأوضاع السياسية في الضفة والقطاع تسمح باختيار مناقشين مناسبين من العالم العربي لما ترددت في اختيار المناقش المتخصص ، وحاولت أكثر من مرة تجريب المناقشة عبر وسيلة " الفيديو كونفرنس " ولكني لم أنجح ، فمرة رأيت أن يناقش الدكتور الجزائري عبد الملك مرتاض رسالة عنوانها " الرواية الفلسطينية وتأثرها بالرواية الجزائرية : يوسف العيلة وأحلام مستغانمي مثالا " ومرة ثانية اقترحت على الأستاذة يمنى العيد أن تناقش دراسة عنوانها " التناص في رواية الياس خوري " باب الشمس " ، والياس خوري كاتب لبناني ، ولقد اتصل الطلاب بالأستاذين الكريمين ؛ مرتاض والعيد ، وتعذر الأمر تكنولوجيا ، ومرة ثالثة اقترحت على طالب ، كتب رسالة عن رواية واسيني الأعرج " البيت الأندلسي " ، أن تناقشه الأستاذة رزان ابراهيم كونها أبرز متخصص في أعمال الروائي ، ولكن تعذر ، في حينه ، حضورها إلى الأرض المحتلة .
ما سبق عموما ، بهذا الشأن ، غيض من فيض ، وهو جانب مهم جدا في الدراسات العليا .
كيف يمكن لمشرف ضعيف ومناقش ضعيف أن يخرجا طالبا وباحثا سيصبح ، بدوره ، باحثا ومشرفا ؟
٢٠٢٠

١٣
ذاكرة أمس ٩٤ :

صباح مبكر في جامعة النجاح ، ولا حنين إلى أي شيء

منذ تقاعدت من عشرين شهرا نادرا ما ذهبت إلى الجامعة في العاشرة صباحا .
أمس غادرت شقتي في الثامنة لكي أرأس لجنة مناقشة رسالة ماجستير للطالبة روان باسل البزور ، وهكذا عدت إلى الجامعة من جديد عضو هيئة تدريس متقاعد .
وأنا في الطريق خطر ببالي أن أسافر إلى يافا متناسيا موعد المناقشة .
ماذا لو فعلت ذلك حقا ؟ ثم وجدتني أشتري الفول لأفطر وأشرب الشاي وأواصل طريقي إلى الجامعة .
هذه ثاني رسالة أرأس لجنة مناقشتها منذ تقاعدت ومنذ " تكورن " العالم أيضا ، ومنذ " تكورن " العالم شاركت في عدة ندوات ومؤتمرات " متزوومما " - عبر الزووم - فلا سفر ولا نقاش في الفندق حول قضية أدبية ، أو حول مائدة الطعام ، ولا تعرف إلى زملاء جدد ، ولا تبادل كتب ، ولا سهر حتى ساعة متأخرة في بهو الفندق ، ولا عشاء على شرف جهة ما . هل فقدت المؤتمرات والندوات وهجها وبريقها وحيويتها وألقها ؟ ومثلها أيضا جلسات مناقشات الرسائل العلمية ؟
كان عدد الحضور أمس ، عدا أعضاء لجنة المناقشة ، ستة أفراد ، ومع ذلك فقد كانت جلسة ناجحة ، وما أضفى عليها قدرا من البهجة والفرح حضور زميلات روان واحتفالهن بزميلتهن .
هل انتابني أمس حنين إلى الجامعة وأيامها ؟
في الجامعة مرحبت بعض الموظفين ممن أعرف ، ويخيل إلي أن وباء الكورونا ألقى بثقله على حياتنا كلها حيث استنفد التفكير بأي شيء آخر ، ما يعني أنه قضى على الحنين إلى أي شيء .
ما زالت مباني الجامعة خلوا من الطلاب ، وما زالت الساحات مقفرة ، فلم يستأنف بعد التعليم الوجاهي . هل نجحت الكورونا في عمل Delete لسبعة وثلاثين عاما أنفقتها في الجامعة ؟
لا حنين إلى أي مكان .
لا حنين إلى صداقات أو زمالة .
لا حنين إلى مكتبة الجامعة .
لا حنين إلى مكتبي في الجامعة . وشغفي كله في هذه الأيام هو السير في البلدة القديمة وذرع شارع النصر والجلوس في مقهى أو في باب الساحة وتأمل الأشياء والتساؤل :
- لماذا تخلو نابلس من ساحة كبيرة كساحة مدينة ( براغ ) أو ساحة ( المارين بلاتز ) في ( ميونخ ) ؟
ماذا لو هدمت بلدية نابلس بنايات سوق الذهب والبنايات المجاورة وعبدت المكان وجعلته ساحة واسعة ومقاهي رصيف ؟
عندنا مثل يقول " الفاضي بعمل قاضي " وهناك مثل ثان يقول " قلة الشغل بتعلم التطريز " وحين يكون المرء بلا عمل ينعت بأنه " مهندس شوارع " . هل صرت مهندس شوارع ؟
لو كان ثمة بحر في نابلس لوجدتني أسكن قريبا من شطه أتأمل أمواجه وأنظر إلى البعيد ! لو ! وبحر أهلي ؛ بحر يافا سرقه أبناء العمومة وسرقوا منا الرغيف كله وأعطونا مقاطعة في رام الله وأخرى في نابلس وثالثة في أريحا ورابعة في الخليل وخامسة في جنين ، ولا نصير ولا معين ، وما دام الرئيس بخير فالوطن كله بخير - أي والله !
١٨ حزيران ٢٠٢١ .

١٤
اليهود الأفغان في الرواية العربية : رواية ليلى الأطرش " لا تشبه ذاتها "

( مقالي اليوم الأحد في جريدة الأيام الفلسطينية متوسعا فيه ٢٠ حزيران ٢٠٢١ )


أ . د عـــــــادل الأسطــــــة

لا أعرف الكثير عن حضور الأفغان في فلسطين ، ولكني أتذكر شخصا كلما غضب من قريبة له ، يراها حقودة ، عايرها بأنها ابنة الأفغانية ، وكانت ملامحها تشبه ملامح الأفغان .
في المخيم الذي ولدت فيه ، وأيضا في مخيم مجاور ، أكثر من عائلة تنسب إلى أفغانستان " الأفغاني " . وقد شاهدت ، في طفولتي ، مسنا متجولا يبيع الكسبة ، ولم أعد أتذكر ملامحه .
رواية ليلى الأطرش " لا تشبه ذاتها " ذهبت إلى مناطق بعيدة ؛ إلى القدس ولندن وأفغانستان والأردن ، وكان للعائلات الأفغانية وحياتها في بلادها وفي المنفى فيها حضور لافت ، ولم يقتصر الأمر على الأفغان المسلمين ، فقد ظهرت فيها شخصيات يهودية أفغانية .
هل عرفت ليلى الأطرش أبطال روايتها ؟
هل التقت بساردتها الأفغانية حبيبة العين الأفغانية المتعلمة التي درست الطب وتخصصت في أمراض الجلد وأصغت إليها تقص عن حياتها في أفغانستان وفي المنفى ، في لندن وعمان ، بعد انقلاب الأحوال في بلدها الأصلي ؟ أم أن الساردة / المؤلفة الضمنية أعطت روايتها لليلى لتقدمها لنا ؟
في " لاتشبه ذاتها " نقرأ أن الساردة تكتب حكايتها ؟
ثمة مؤلفة ضمنية تروي حكايتها وتكتب روايتها :
" الآن لا أريد لذاك السر أن يطوى ، ومعرفة حقيقة ما حدث من حق منار وحدها . طلبت فردوس ألا أشير إليه في روايتي ، لكن من حق منار أن تعرف ما جملت أمي في حكايات الأسلاف ، ومن واجبي البوح وأنا أسابق العمر " ( ص ١٨٢ ) .
إنها تروي عن تشابك العلاقات والصراع الإسرائيلي الفلسطيني والصراع الداخلي في أفغانستان . صراع الأهالي في البلاد البعيدة وصراع الإخوة مع بعضهم وصراع الزوجة مع زوجها .
والسؤال هو :
- لماذا ذهبت ليلى إلى أفغانستان ، لتكتب عن تلك البلاد وسكانها ؛ مسلمين ويهودا ، ثم لتحضرهم إلى بلادنا ؟
عندما بدأت أكتب رسالة الدكتوراه ، في العام ١٩٨٨ ، عن صورة اليهود في الأدب العربي لم أعثر على نصوص كثيرة ، لأدباء عرب ، تأتي على اليهود أو تصورهم . وانعكس ذلك ، بدوره ، على الدراسات ، فجل ما كتب لم يتجاوز بضع دراسات قصيرة مكثفة نشر أكثرها بالإنجليزية ، أما ما كتب بالعربية فلم يتعد دراسة حمودة زلوم العابرة المفتقدة إلى المنهج .
ظلت الدراسات عن صورة اليهود في الأدب العربي قليلة ، لأن النصوص ، باستثناء نصوص الأدب الفلسطيني ، كانت قليلة ، وهو ما اختلف بعد توقيع اتفاقية أوسلو في العام ١٩٩٣ .
كان عنوان أطروحتي للدكتوراه " اليهود في الأدب العربي " ثم قصرتها ، للأسباب السابقة ، على الأدب الفلسطيني .
منذ العام ١٩٩٣ حتى الآن كثر حضور اليهود في الأدب العربي وكثرت ، تبعا لذلك ، الدراسات والمؤتمرات والندوات والملفات التي تناقش الموضوع . وغالبا ما أتيت على هذا في السنوات الخمس الأخيرة .
صارت الشخصية اليهودية تحضر ، وعاد روائيون كثر إلى أزمنة سابقة ليكتبوا عن يهود البلدان العربية قبل هجرتهم إلى فلسطين بعد تأسيس الدولة الإسرائيلية ، ما دفعني مرة إلى نشر مقالة عنوانها " اليهود في الرواية العراقية في القرن الحادي والعشرين " ، وما دفع دارسة هي أمل أبو حنيش إلى إنجاز رسالة دكتوراه عن الشخصية اليهودية والشخصية العربية في نماذج من الرواية العربية في القرن ٢١ . في الأسابيع الثلاثة الأخيرة كتبت عن الموضوع في روايتين ؛ جزائرية صورت يهود الجزائر هي رواية الكاتب الحبيب السايح " انا وحاييم " ، وسورية كتبت عن يهود القامشلي هي رواية الكاتب السوري سليم بركات " ماذا عن السيدة اليهودية راحيل " ، وكنت من قبل كتبت عن روايات عديدة لكل من واسيني الأعرج " البيت الأندلسي " و" سوناتا لأشباح القدس " والطاهر وطار " الزلزال " وعلاء الأسواني " شيكاغو " وابراهيم الجبين " يوميات يهودي من دمشق " ، عدا كتابي " جدل الذات والآخر : اليهود في الرواية العربية " حيث تناولت فيه صورة اليهود في روايات عبد الرحمن منيف وممدوح عدوان والياس خوري .
ليلى الأطرش ذهبت أبعد مما ذهب إليه السابقون ، فكتبت عن يهود أفغانستان واختارت نماذج منهم أقاموا في تلك البلاد ثم غادروها ولم يبق منهم إلا أقل القليل ممن حرسوا الكنس اليهودية فيها قائمين على خدمتها . لقد حفلت روايتها " لا تشبه ذاتها " بغير نموذج يهودي أنفق قسم منهم شطرا من حياته في أفغانستان ، وشطرا آخر في لندن ، مثل سارة وابراهام ، وأنفق قليلون حياتهم كلها في أفغانستان ولم يغادروها مثل الملا بنيامين ، وألمحت الرواية إلى هجرة كثيرين ، بعد احتلال القدس في العام ١٩٦٧ ، إلى الدولة العبرية .
ظل الملا بنيامين مقيما في أفغانستان يحرس الكنيس ويقوم على خدمته ، والملا شخصية طريفة كان المسلمون يلجأون إليه ليقرأ لهم مستقبلهم وليكتب لهم التمائم ، وغالبا ما كان يتذاكى ، ما دفع إحدى الشخصيات التي اكتشفت تذاكيه إلى القول " يظل يهوديا " . كان الملا يستكثر أن يكتب للمسلمين تمائم فيها صلوات عبرية خوفا من أن يلقيها المسلمون بأماكن نجسة أو في القمامة ، وكان يكتب التمائم وفيها آيات من القرآن . وعندما تعجب به طفلة مسلمة ويميل إليها لجمالها ينسخ لها سورة الفلق .
هل اختلف بقية اليهود في صفاتهم ونشاطهم ومهنهم عما عرف عنهم في الآداب العالمية ؟
سارة وابراهام كانا في أفغانستان على صلة بأسرة الساردة الإقطاعية وكانت تربطهما بها علاقة حسنة وطيدة تأكل الأسرة من طعامهما ، فالمقولة الإسلامية عن العلاقة بأهل الكتب هي " كل عند اليهودي ونام عند المسيحي " ، وحين تمدح الساردة الطعام الأفغاني تفتخر سارة بدور اليهود في التجارة وتعريف الأفغان بالبهارات وجلبها إلى بلادهم ، كما لو أن سارة تتعالى .
كانت سارة في أفغانستان تتاجر بالفراء وحققت سمعة طيبة ، وعندما هربت تركت كل ما تملك للملا بنيامين ، وحين استقرت في لندن واصلت تجارتها وظلت على صلة وثيقة بالعائلة الأفغانية التي هربت أيضا ، بل إن سارة تستقبلها وتسهل لها حياتها غير متناسية الود القديم . كما لو أن اليهود أوفياء لاصدقائهم القدامي المنفتحين غير المتشددين .
هناك شخصيات يهودية أخرى مثل ابراهام وعزرا ، وهما لا يختلفان عن سارة في نشاطهما التجاري ، فما يهمهما هو المال والأرباح بالدرجة الأولى ، ووجود اليهود في شركة يميزها ولو إلى حين " وجود عزرا ميز الشركة إلى حين " ( ص ١٨٢ ) . اليهود بارعون في التجارة .
ويبقى السؤال حول الصورة السلبية للفلسطيني في الرواية ، ( وقد كتبت عنها في الأسبوع الماضي ١٣ حزيران ٢٠٢١ ) ، وصورة اليهود مشرعا للنقاش .

الجمعة والسبت
١٨ و ١٩ حزيران ٢٠٢١ .

١٥
غزة ( ٢٥٦ ) :
ليست الحرب نزهة : عن الافتعال والسرقات

في جدلي المتواصل مع الأدباء الذين يكتبون عن مكان لم يقيموا فيه وزمان لم يكونوا شاهدين عليه خسرت صداقة عدد منهم .
غالبا ما اتكأت على رأي محمد يوسف نجم في كتابه " فن القصة " ورأي الكاتب الفرنسي ( جان جينيه ) في نصه " أربع ساعات في شاتيلا " ، وفي بداية الحرب الدائرة حاليا كتبت عن الكتابة من داخل غزة والكتابة من خارجها ، وربما أكون أول من التفت إلى هذا الجانب .
أمس أدرجت على صفحتي فقرة لناشط من داخل غزة تعزز رأيي وما رآه نجم وحينيه ، والناشط هو سامي مشتهى - متابعة .
يقول سامي إن الحرب ليست نزهة ، وإن بعض من يجملونها حتى من داخل غزة ، ممن يصورون أشرطة فيديو لخيام مزينة تبدي الحياة مقبولة ، ليس لهم هدف إلا التسويق واحصاء أعداد المعجبين ونيل رضا الجهة الممولة - هكذا فهمت ، ولكن الأهم مما سبق هو أن هؤلاء لا يصورون جحيم الحياة في الخيمة ، حيث الحرارة مرتفعة جدا . الحرارة لا تظهر في الصورة التي يشاهدها من لم يعش في الخيام ، بل إن من يصور مدفوع الأجر سرعان ما يجلس في الظل يحصي مرابحه الشخصية .
وأمس ادرجت على صفحتي أيضا فقرة عن المستفيدين من جمع الأموال يسرقون الكثير منها كتبها
Mahmud Hams
تحت عنوان " أنواع السرقات على صيت الحرب على غزة " .
نحن في العيد نجلس في بيوتنا نتابع عبر الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي ، وقد ينظر قسم منا إلى ما تقدمه لضيفك في العيد لينعتك بصفة من صفتين : الكرم والبخل ، وينسى ما أدرجه " لا أعياد وغزة تباد "
شتم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس " أبو مازن " (...) أخت الصين. ، وأما أنا فسوف استعير من نجيب سرور الكاتب المصري عنوان أحد دواوينه وهو " ( .. ) امباتنا " .
" ( ... ) أمياتنا "
١٨ / ٦ / ٢٠٣٤

١٦
غزة 621 :
الله لا يصبحنا بخير

هل يلام الغزيون/ الغزاويون حين يشتموننا ، نحن المشتبكين الهوائيين ، لأننا لم ندن ، حتى اللحظة ، ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ، وندين الاحتلال الإسرائيلي ونعود إلى جذر المشكلة ١٩٤٨ ، بل و ١٨٧٨ تاريخ إنشاء أول مستوطنة يهودية في فلسطين ؟
بالتأكيد لا يلام من يده في النار ، وربما لو كنا هناك في غزة لكفرنا .
تردد الصديق أكرم مسلم في نشر مقالي " هواجس من وحي ما يجري في غزة : أنظر للناس يا الله !" لأنني أتيت فيه على نماذج فلسطينية ؛ في الأدب والواقع ، خاطبت الذات الإلهية وتساءلت عن سبب صمتها إزاء ما يجري . ولعل رئيس التحرير ، بعد عودته من سفره ، يوافق على نشره .
لا يلام الغزيون حين يشتمون المشتبكين الهوائيين . وقد قرأت شتيمتنا في تعليقين على منشور كتبه الصديق شجاع الصفدي هذا اليوم " أيها المشتبكون الهوائيون " ، وعقبت : تمام . ولكن ماذا فعل أهلنا في العام ١٩٤٨ حين طردوا من بلادهم ؟
حتى القرى التي لم يشارك أهلها في هجمات على المستعمرات اليهودية ، فسالموا من فيها وأقاموا معهم علاقات ، تم طردهم .
كان قائد القوات اليهودية المهاجمة قبل أن يتخذ قرارا بشأن القرى المسالمة يتصل بقيادته يسألها :
ماذا نفعل بسكانها ؟
فتأتيه الإجابة :
- اطردوهم !
هل اختلف الأمر في حيفا ؟
عندما اتصل قائد العصابات التي احتلت حيفا ب ( بن غوريون ) سأله الأخير :
- هل بقي عرب في المدينة ؟
فأجابه :
- بضعة آلاف .
- اطردوهم .
- ولكننا إن طردناهم لا يبقى من يخبز وينظف الشوارع ويجمع القمامة . ( ورد هذا في كتاب ايلان بابيه " التطهير العرقي " ) .
كتابات أبناء قطاع غزة في هذا الصباح تتشابه ، فتحكي قصصا عن الموت والطحين والفقدان ، وكذلك أشرطة الفيديو . انظروا ما كتبه Abed Alkarim Ashour " يحدث في غزة : أنا وبائع البسكويت " وما كتبه الكاتب محمد نصار " الطحين الأسود ق .. ق .. " وغيرهما .
في العام ١٩٥٥ كتب غسان كنفاني قصته الشهيرة " القميص المسروق " وأتى فيها على افتعال أزمة الطحين وتوزيعه وسرقته ، وبعده كتبت سميرة عزام قصتها " لأنه يحبهم " ، وبعدها كتب ماجد أبو شرار قصص مجموعته " الخبز المر " و " طول عمرك يا زبيبة في طيزك هالعودة " .
حالة تعبانة يا زبيبة !
١٨ / ٦ / ٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى