كاظم حسن سعيد - مجهر سيكولوجي على قصيدة بم التعلل للمتنبي.. موقفه من العشق (ج 1)

(ج 1)

تُعدّ قصيدة "بِمَ التَّعَلُّلُ؟" لأبي الطيب المتنبي وثيقةً سيكولوجيةً شديدة الكثافة؛ إذ صِيغت في حلب (عام 346 هـ) في لحظة انكسار واقتلاع من بلاط سيف الدولة الحمداني إثر الوشايات والمكائد.

لم تكن القصيدة مجرد وداعٍ لحلب، بل كانت صراعَ بقاءٍ نفسيّاً يواجه فيه المتنبي صدمة الخذلان وآلية "الإلغاء والقتل المعنوي" التي مارسها أعداؤه بحقه، والتي تجسدت في شائعة مقتله أو انتهائه، لينطلق من مطلعها المأساوي:
بِمَ التَّعَلُّلُ لا أَهْلٌ وَلا وَطَنُ؟ ... وَلا نَدِيمٌ وَلا كَأْسٌ وَلا سَكَنُ؟
لكن المتنبي سرعان ما يفعّل أعلى درجات آليات الدفاع النفسي (كالاستعلاء والنرجسية التعويضية)، ليقفز فوق أوهام البشر ومحدودية أمانيهم معلناً بيته الأشهر:
مَا كُلُّ مَا يَتَمَنَّى المَرْءُ يُدْرِكُهُ ... تَجْرِي الرِّيَاحُ بِمَا لا تَشْتَهِي السُّفُنُ
أُرِيدُ مِنْ زَمَنِي ذَا أَنْ يُبَلِّغَنِي ... مَا لَيْسَ يَبْلُغُهُ مِنْ نَفْسِهِ الزَّمَنُ
ثم يتوج هذا الصراع النفسي بصفعة قيامية ينتفض فيها بوجه كل من حاول دفنه نادباً أو شامتاً، مستعيداً ذاته الجبارة:
كَمْ قَدْ قُتِلْتُ وَكَمْ قَدْ مُتُّ عِنْدَهُمُ ... ثُمَّ انْتَفَضْتُ فَزَالَ القَبْرُ وَالكَفَنُ!
في الجزء الثاني نتناول الأبيات التالية التي تجسد موقف المتنبي من العشق بالاستعانة بمختلف النظريات السيكولوجية التي أُشبعت الظاهرة بحثاً:
مِمّا أَضَرَّ بِأَهلِ العِشقِ أَنَّهُمُ ... هَوُوا وَما عَرَفوا الدُّنيا وَما فَطِنوا
تَفنى عُيونُهُمُ دَمعاً وَأَنفُسُهُم ... في إِثرِ كُلِّ قَبيحٍ وَجهُهُ حَسَنُ

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى