علي سيف الرعيني -| وللكاتب مع الضجيج حكاية مختلفة !!

غالبا مايكون الكاتب بحاجة الى لحظات هدوءفهو لا يطلب قصرا ولا عزلة كاملة وإنما يطلب شيئًا بسيطًا: مساحة يستطيع فيها أن يسمع صوته الداخلي
الأمر لا يتعلق بالكاتب وحده
فالضجيج المستمر يغير علاقتنا بأنفسنا. حين يعيش الإنسان طوال الوقت وسط أصوات متلاحقة، يصبح الصمت شيئًا غير مألوف، وربما يشعر بالقلق عندما يحيط به
وهنا تحدث مفارقة غريبة: نبحث عن الهدوء، لكننا في الوقت نفسه نخاف من الصمت؛ لأن الصمت يضعنا وجهًا لوجه أمام أنفسنا
في الضجيج يمكن للإنسان أن يهرب من أفكاره، أما في السكون فلا شيء يحجبه عن أسئلته
ولهذا يهرب البعض من الهدوء إلى الهاتف، ومن الهاتف إلى التلفاز، ومن التلفاز إلى مواقع التواصل، وكأن الإنسان الحديث أصبح يخشى أن يجلس دقائق قليلة دون صوت يأتيه من الخارج اما السلام الداخلي فيولد
عندما يستطيع الإنسان أن يمنح نفسه فرصة للتأمل، وأن يراجع ما يعيشه، وأن يسأل: ماذا أريد؟ إلى أين أمضي؟ وما الذي يستحق كل هذا القلق
في كثير من أحيائنا، أصبحت الدراجات النارية جزءًا لا ينفصل عن المشهد اليومي. بعضها يمر بهدوء، وبعضها يعلن عن حضوره بصوت محرك مرتفع، خصوصًا في ساعات الراحة
ثم يأتي البائع المتجول، يرفع صوته كي يسمعه الجميع ويكرر النداء مرة بعد أخرى. وبعده أصوات المارة، وأحاديث الجيران، وأبواق السيارات، وأصوات الأطفال
كل صوت بمفرده قد يبدو بسيطًا، لكن اجتماع هذه الأصوات على مدار ساعات طويلة يصنع بيئة مرهقة
المشكلة إذن ليست في وجود الصوت، وإنما في غياب ثقافة احترام المساحة الصوتية للآخرين
فالشارع ملك للجميع، والحرية لا تعني أن أستخدمها بطريقة تسلب الآخرين حقهم في الراحة
وإذا كنا نطالب بالطرق النظيفة والأحياء المنظمة والبيئة الصحية، فمن حقنا أيضًا أن نتحدث عن البيئة الصوتية التي نعيش فيها
لطالما تعاملنا مع الهدوء كأنه امتياز لا يحصل عليه إلا من يعيشون في أماكن بعيدة عن المدن، أو من يملكون بيوتًا واسعة وحدائق خاصة
إنه حاجة للعقل، وراحة للأعصاب، ومساحة للتفكير، وشرط من شروط الاستقرار النفسي والاجتماعي
الإنسان يحتاج إلى لحظات لا يسمع فيها شيئًا سوى أفكاره يحتاج إلى أن يقرأ دون مقاطعة، وأن يتأمل دون تشويش، وأن يجلس مع أسرته دون أصوات تقتحم حديثهم، وأن ينام دون أن تتحول ساعات الليل إلى امتداد لفوضى النهار
وحين نفتقد هذه المساحة، يصبح البيت نفسه عاجزًا عن أداء وظيفته الأساسية: أن يكون مكانًا للسكينة
اعتدنا أن نقيس جمال البيوت بمظهرها الخارجي، وبالأثاث، والديكور والمساحة، والموقع
لكن ثمة معيارًا أكثر عمقًا لا يظهر في الصور
قد يكون البيت متواضعًا، لكنه يمنح ساكنيه شعورًا بالأمان والراحة، فيصبح أجمل من قصر لا يعرف أهله فيه الهدوء
فالبيت ليس جدران وسقف وأثاث فقط إنه الحالة النفسية التي يصنعها المكان في نفوس من يعيشون فيه
وحين يستطيع الإنسان أن يغلق بابه، ويجلس قليلًا دون ضجيج، ويقرأ أو يكتب أو يتحدث مع أسرته أو يترك أفكاره تمر بسلام، فإن البيت يكون قد أدى إحدى أقدس وظائفه: حماية الإنسان من قسوة الخارج
لا يمكن أن نطلب من المدن أن تصمت، ولا من الحياة أن تتوقف. الأصوات جزء من طبيعة المجتمعات، والباعة لهم أرزاقهم، والمارة لهم حياتهم، ووسائل النقل ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها
لكن ما يمكن تغييره هو السلوك
يمكن أن نتعلم أن خفض الصوت احترام، وأن مراعاة ساعات الراحة مسؤولية، وأن استخدام المركبات بطريقة أكثر هدوءًا سلوك حضاري، وأن البائع يستطيع أن يبحث عن وسيلة تصل بها رسالته إلى الناس دون أن يحول الحي بأكمله إلى سوق مفتوحة للصوت
نحتاج إلى أن نفهم أن خلف كل نافذة إنسانًا قد يكون نائمًا، أو مريضًا، أو طالبًا يدرس، أو أمًا ترهقها مسؤوليات الحياة، أو كاتبًا يحاول أن ينقذ فكرة من الضياع.
إن احترام الهدوء في الأماكن السكنية ليس ترفًا اجتماعيًا، بل صورة من صور احترام الإنسان
ربما لهذا كان الصمت دائمًا ملاذًا للذين يبحثون عن معنى أعمق للحياة
في السكون نستطيع أن نسمع ما لا نسمعه في الضجيج.
نسمع قلقنا، وأحلامنا، وأخطائنا، وذكرياتنا، وربما نسمع ذلك الصوت الخافت في أعماقنا الذي يذكرنا بما فقدناه ونحن نركض خلف كل شيء
والكاتب تحديدا يحتاج إلى هذا السكون؛ لأنه يحول الضجيج الذي يراه في الشارع إلى معنى، ويحول معاناة الناس إلى كلمات، ويحول التفاصيل الصغيرة إلى أسئلة كبيرة.
إنه لا يكتب بعيدا عن الحياة، بل يكتب بعد أن يترك للحياة فرصة كي تهدأ داخله
ولهذا فإن الصمت ليس عدوًا للمدينة، ولا نقيضًا للحياة، وإنما هو المساحة التي نستعيد فيها قدرتنا على فهم الحياة
وفي عالم يتسارع فيه كل شيء، قد يكون الهدوء أحد أشكال الحكمة
وقد يكون خفض صوتنا أحيانًا أكثر إنسانية من رفعه، وقد يكون احترام نوم الآخرين أبلغ من كثير من الخطب عن الأخلاق، وقد تكون نافذة مغلقة على ضجيج الشارع نافذة مفتوحة على السلام الداخلي
لا يُقاس جمال البيت بكثرة ما فيه، وإنما بقدر ما يمنحه من سكينة. ولا يُقاس وفاق الإنسان مع الحياة بكثرة ما يسمع، وإنما بقدرته على أن يسمع نفسه وسط كل هذا الضجيج
فالسكون ليس فراغا
السكون مساحة للحياة كي تتنفس، وللعقل كي يفكر، وللقلب كي يطمئن، وللكاتب كي يكتب
وربما كان أجمل ما يمكن أن نمنحه لأنفسنا ولمن حولنا، في زمن امتلأ بالأصوات، أن نتعلم متى نتحدث، ومتى نخفض أصواتنا، ومتى نترك للصمت أن يقول ما عجزت الكلمات عن قوله
فحين يهدأ البيت، قد يهدأ الإنسان؛ وحين يهدأ الإنسان يبدأ في استعادة نفسه!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى