يحيى بركات - الحرب التي خسرها ترامب… ويحاول أن يربحها على الشاشة

في البيت الأبيض، ما زال الفيلم مستمراً.

ترامب أمام الميكروفون.
خلفه الأعلام. أمامه الكاميرات. الكلمات كبيرة كعادتها: إيران تنهار، العقوبات ستكون قاتلة، الاقتصاد يختنق، الجيش لا يجد رواتبه، والنصر قريب.

ثم تنتقل الصورة إلى الاستوديو.

ناطق أميركي. محلل عربي. خبير عسكري. خريطة كبيرة للخليج. أسهم تتحرك على الشاشة. سؤال عن الصواريخ، سؤال عن النووي، سؤال عن الاقتصاد الإيراني.

والمشهد نفسه يتكرر.

أميركا تضغط.

إيران تتراجع.

ترامب يمسك بكل الأوراق.

لكن خارج هذا الفيلم، جلس رجل في هارفارد اسمه ستيفن والت أمام تاكر كارلسون وقال بهدوء ما لا يريد الفيلم أن يسمعه:

الولايات المتحدة خسرت الحرب مع إيران.

ليست العبارة صادرة من طهران.

وليست بياناً للحرس الثوري.

ستيفن والت واحد من أبرز منظّري المدرسة الواقعية في السياسة الخارجية الأميركية، والرجل الذي أمضى حياته الأكاديمية يدرس القوة الأميركية، وتحالفاتها، وحدود قدرتها على تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية.

والت لا يقول إن إيران أصبحت أقوى من أميركا.

ولا يقول إن الجيش الإيراني هزم الجيش الأميركي في مواجهة تقليدية.

يقول شيئاً أبسط وأخطر:

الحروب لا تقاس بعدد القنابل التي ألقيتها، بل بالهدف الذي ذهبت من أجله.

إذا دخلت حرباً لتفرض إرادتك على خصمك، ثم لم تستطع فرضها، فأنت لم تنتصر.

وفي حالة إيران، يذهب والت أبعد من ذلك:

أميركا خسرت.

هنا فقط تبدأ الحكاية.

لأن ترامب لا يستطيع أن يقول ذلك.

الرجل الذي بنى صورته على أنه المنتصر دائماً، وصانع الصفقات، والرئيس الذي يخشاه الخصوم، لا يستطيع أن يقف أمام الأميركيين قبل انتخابات التجديد النصفي ويقول لهم:

دخلت حرباً وعدتكم بأنها ستكون حاسمة، ولم أستطع أن أنهيها بشروطي.

لذلك لم تنته الحرب.

تغيّر الفيلم.

ابتعدت الكاميرا قليلاً عن حاملات الطائرات، واقتربت من وزارة الخزانة.

تراجعت القنبلة خطوة، وتقدم الدولار.

وجاء الاسم كأنه اسم عملية إنزال عسكري:

«اليوم الاقتصادي الحاسم».

عقوبات جديدة على عشرات الكيانات والأفراد والسفن، وتهديد لكل من يتعامل مع إيران بأن يجد نفسه أمام العقوبات الأميركية.

الحرب العسكرية التي لم تنتج الاستسلام المطلوب، يجري استكمالها بحرب اقتصادية يفترض أن تنتج ما عجزت عنه الطائرة.

ترامب لم يخرج من الحرب.

لقد غيّر سلاحه.

واللافت أن السلاح الجديد له حدوده أيضاً.

فواشنطن تريد خنق الاقتصاد الإيراني، وتضغط على مشتري النفط والمتعاملين مع طهران، لكنها تعرف أن الخنق الكامل لإيران ليس عملية جراحية يمكن عزلها عن الاقتصاد العالمي.

هنا يعود النفط.

ويعود مضيق هرمز.

وتعود الأسواق.

وتعود محطة البنزين الأميركية إلى الكادر.

ويحاول بعض المدافعين عن ترامب الآن إعادة كتابة الفيلم من بدايته:

المسألة لم تكن هرمز.

الهدف كان دائماً منع إيران من امتلاك السلاح النووي.

حسناً.

فلنترك الذاكرة تتحدث.

لأن النووي وهرمز والطاقة والحرب لم تكن عوالم منفصلة عندما كان ترامب يتحدث عنها جميعاً، ولم تصبح منفصلة إلا عندما احتاجت الرواية الجديدة إلى ذلك.

وهنا تبدأ الحرب الثالثة.

ليست عسكرية.

وليست اقتصادية.

إنها حرب على الذاكرة.

المطلوب من الأميركي أن يتذكر آخر تصريح وينسى الذي سبقه.

أن ينسى الأهداف الكبيرة عندما بدأت الحرب.

وينسى الحديث عن انهيار إيران.

وينسى الوعود بالحسم.

ثم يستمع إلى الهدف بصيغته الجديدة:

منع إيران من امتلاك السلاح النووي.

المشكلة أن ذاكرة الناس أصبحت أطول من عمر التصريح.

وهذا ليس تفصيلاً قبل انتخابات التجديد النصفي.

ترامب يحتاج إلى نصر.

ليس بالضرورة نصراً عسكرياً.

يحتاج إلى صورة نصر.

تنازل إيراني.

ورقة.

توقيع.

جملة يستطيع الوقوف بها أمام الأميركيين والقول:

لقد أجبرتهم.

ولهذا تصبح زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران مثيرة للاهتمام.

لا نستطيع أن نقول إن الرجل ذهب إلى طهران فقط ليصنع لترامب نصراً انتخابياً؛ لا دليل لدينا على ذلك.

لكن من حقنا أن نسأل:

إذا كانت إيران تنهار كما يقول ترامب، فلماذا تحتاج القوة الأعظم في العالم إلى وسيط يصل إلى طهران؟

وإذا كان خصمك على وشك السقوط، فلماذا تبحث معه عن طاولة؟

ربما لأن العقوبات ليست إعلان نصر.

إنها أداة تفاوض.

ترامب يريد أن يجعل كلفة الرفض الإيراني أكبر، وأن يضغط على مشتري النفط والمتعاملين مع طهران، حتى تتحول الضغوط الاقتصادية إلى تنازل سياسي يستطيع تقديمه في الداخل الأميركي باعتباره النتيجة التي جاء بها من الحرب.

لكن الإيرانيين يعرفون هذا الطريق.

عاشوا تحت العقوبات عقوداً.

وهذا لا يعني أنهم لا يتألمون.

الاقتصاد الإيراني مأزوم، والعملة والتضخم والحرب والعقوبات تضرب حياة الناس بقسوة.

لكن السؤال الذي لا تجيب عنه العقوبات بمجرد إعلانها هو:

كم من الألم الاقتصادي تحتاج حتى يتحول الألم إلى استسلام سياسي؟

لا أحد يعرف.

والتاريخ لا يقدم ضمانة بأن المجتمع الذي تجوّعه العقوبات سينقلب على حكومته.

قد يفعل.

وقد يفعل العكس.

وهنا تظهر مفارقة لا تظهر كثيراً على الخرائط الملونة في الاستوديوهات:

من المأزوم اقتصادياً؟

إيران؟

بالتأكيد.

لكن قبل أن يجيب المعلق، دعونا نحرك الكاميرا هذه المرة في الاتجاه الآخر.

نعبر المحيط.

ندخل الولايات المتحدة.

ثم نتوقف أمام عداد آخر.

40,000,000,000,000 دولار.

أربعون تريليون دولار.

هذا هو الدين القومي الأميركي الذي تجاوزه للمرة الأولى في آب/أغسطس 2026.

وحين عاد ترامب إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير 2025، كان الدين يقارب 36.2 تريليون دولار.

أي أن العداد أضاف خلال نحو تسعة عشر شهراً من رئاسته الثانية قرابة 3.8 تريليون دولار.

نحو مئتي مليار دولار في الشهر في المتوسط.

أكثر من ستة مليارات دولار في اليوم إذا وزعنا الزيادة حسابياً على تلك الفترة.

ولا يتوقف الأمر عند حجم الدين.

فوائد هذا الجبل من الاقتراض أصبحت تقترب من 1.2 تريليون دولار في السنة المالية الحالية، وأصبحت خدمة الدين واحدة من أكبر بنود الإنفاق الفيدرالي.

والدين الذي تجاوز الأربعين تريليوناً ليس كله من صنع ترامب بالطبع.

تراكم عبر إدارات جمهورية وديمقراطية، وحروب وأزمات مالية وجائحة وإنفاق اجتماعي وتخفيضات ضريبية.

لكن الرقم ارتفع أيضاً في عهده، وقانونه الضريبي والإنفاقي الأخير يتوقع أن يضيف تريليونات أخرى خلال السنوات المقبلة.

إذن عندما يقول ترامب إن الاقتصاد الإيراني يختنق، لا ينبغي أن يكون ردنا أن الاقتصاد الأميركي ينهار.

هذا غير صحيح.

أميركا ما زالت أكبر قوة اقتصادية ومالية في العالم.

لكن من حقنا أن نضع الرقمين في الكادر نفسه.

اقتصاد إيراني يعاني تحت العقوبات والحرب.

وقوة عظمى تخوض الحرب وهي تحمل فوق كتفيها أكثر من 40 تريليون دولار من الدين، وتدفع قرابة تريليون ومئتي مليار دولار لخدمته.

ثم نسأل:

من يستطيع أن يتحمل حرب الاستنزاف أطول؟

السؤال هنا يصبح أكثر تعقيداً من أن يجيب عنه ناطق باسم البيت الأبيض في ثلاثين ثانية.

فالإيراني الذي عاش سنوات طويلة تحت العقوبات يعرف شكل الأزمة.

أما الأميركي، فإن الحرب تصل إليه بطريقة مختلفة.

لا يسمع صفارة إنذار.

لا يرى طائرة فوق بيته.

يراها على لوحة الأسعار في محطة الوقود.

وفي فاتورة البيت.

وفي سعر الفائدة.

وفي التضخم.

وفي الضرائب التي ستدفع مستقبلاً فوائد ديون صنعتها أجيال من القرارات السياسية.

ولهذا تصبح محطة البنزين الأميركية جزءاً من ساحة المعركة.

والناخب الذي يقف أمام المضخة لا يسأل عن عدد الطائرات التي حلقت فوق إيران.

ينظر إلى الرقم الذي أمامه.

ثم إلى راتبه.

ثم إلى صندوق الاقتراع.

هنا يصبح الاقتصاد الإيراني جزءاً من الحرب.

ويصبح الاقتصاد الأميركي جزءاً منها أيضاً.

ولهذا فإن الدعاية ليست ملحقاً بالحرب.

الدعاية نفسها أصبحت جبهة.

وهنا نصل إلى شاشاتنا العربية.

أنا لا أحتاج إلى استطلاع رأي كي أقول إنني أرى وأسمع تحولاً في طريقة استقبال الناس لهذا الخطاب.

أتابع البرامج.

أقرأ ردود المشاهدين.

أسمع الأسئلة.

وأرى أن البروباغندا الترامبية لم تعد تمر في منطقتنا بسهولة كما كانت تمر ذات يوم.

فالناس هنا لا يشاهدون حرباً أميركية للمرة الأولى.

العراق مر من هنا.

أفغانستان مرت من هنا.

غزة أمام أعينهم.

والآن إيران.

لذلك أصبح المشاهد أكثر قدرة على التمييز بين المعلومة الأميركية والرواية الأميركية عن المعلومة.

وهذه مسافة هائلة.

الناطق باسم الإدارة الأميركية عندما يظهر على الشاشة يؤدي وظيفته.

يدافع عن رئيسه.

يختار الوقائع التي تخدم روايته.

ويحاول إقناع المشاهد بأن الحرب تسير كما يريد البيت الأبيض.

هذا مفهوم.

السؤال ليس ماذا يفعل الناطق الأميركي.

السؤال:

ماذا يفعل الإعلام العربي أمامه؟

هل يستضيفه ليسأله؟

أم يستضيفه لكي يمنحه شاشة أخرى؟

هل يواجه تصريح اليوم بتصريح الأمس؟

هل يسأله عن الهدف الذي اختفى من الخطاب؟

هل يضع أمامه كلام ستيفن والت؟

هل يسأله: إذا انتصرتم، لماذا لم تنته الحرب؟

إذا انهارت إيران، لماذا الوساطة؟

إذا حسم الجيش المعركة، لماذا احتجتم إلى حرب اقتصادية جديدة؟

وإذا كانت إيران وحدها هي التي تدفع الثمن، فلماذا أصبح سعر البنزين والتضخم والدين والفائدة جزءاً من القلق السياسي الأميركي قبل الانتخابات؟

هذه ليست أسئلة مؤيدة لإيران.

هذه صحافة.

والأخطر عندما تتحول الحلقة الحوارية نفسها إلى مونتاج.

ضيف يتحدث طويلاً.

وضيف آخر تقاطعه الأسئلة.

خبير أميركي تُمنح روايته هالة «المصدر».

ومحلل عربي يعيد الرواية نفسها بلغة عربية.

وأحياناً يغيب عن الشاشة صوت إيراني متمكن وموضوعي وقادر على تقديم الرواية المقابلة بحجة ومعلومة.

عندها لا نكون أمام مناظرة.

نكون أمام اختيار مسبق لمن سيدخل الكادر ومن سيبقى خارجه.

والكاميرا لا تكذب فقط عندما تصور شيئاً غير موجود.

يمكنها أن تكذب أيضاً عندما تمنع شيئاً موجوداً من الدخول إلى الصورة.

لكن هذه اللعبة أصبحت مكشوفة.

لأن المشاهد لم يعد أسير الشاشة.

في يده شاشة أخرى.

يستعيد عليها تصريح ترامب القديم.

يسمع ستيفن والت.

يقرأ الرواية الإيرانية.

يقارن.

ويعود إلى الحلقة فيكتشف أحياناً أن «النقاش» الذي يشاهده كان قد اختار نتيجته قبل أن يبدأ.

لهذا لا أعتقد أن المشكلة اليوم أن ترامب يكذب أو يبالغ.

المشكلة الأكبر هي أن:

ذاكرة المشاهد أصبحت أطول من عمر كذبته.

وهنا يفقد الفيلم سحره.

ليس لأن إيران انتصرت في كل شيء.

لم تنتصر.

تلقت ضربات قاسية، وخسرت بشراً وقدرات ومالاً، واقتصادها تحت ضغط شديد.

وليس لأن أميركا أصبحت ضعيفة.

ليست ضعيفة.

ما زالت القوة العسكرية والاقتصادية الأكبر في العالم.

لكن بين هاتين الحقيقتين توجد حقيقة ثالثة يريد ستيفن والت أن نراها:

امتلاك القوة لا يعني امتلاك النتيجة.

يمكنك أن تملك السماء ولا تملك النهاية.

يمكنك أن تدمر أكثر ولا تستطيع أن تفرض أكثر.

يمكنك أن تجعل خصمك يتألم، من دون أن تجعله يستسلم.

وهنا يقع مأزق ترامب.

دخل الحرب بالقاذفة.

ثم استدعى الدولار.

ثم استدعى الوسيط.

والآن يحتاج إلى الكاميرا.

القاذفة تضرب.

العقوبات تخنق.

الوسيط يبحث عن تنازل.

والكاميرا مطالبة بأن تجمع كل ذلك في صورة واحدة اسمها:

النصر.

لكن هناك مشكلة صغيرة.

خارج الاستوديو يقف التاريخ.

لا يحمل بطاقة حزب.

ولا يشاهد المؤتمر الصحفي.

ولا يعنيه كم مرة قال الرئيس إنه انتصر.

ينتظر فقط حتى ينتهي الفيلم.

ثم يسأل سؤالاً واحداً:

ذهبتَ إلى الحرب كي تفرض إرادتك على إيران… هل فرضتها؟

ستيفن والت أجاب.

أميركا خسرت الحرب.

ترامب لم يقبل النهاية بعد.

لذلك نقل الحرب من السماء إلى الاقتصاد، ومن الاقتصاد إلى التفاوض، ومن التفاوض إلى الشاشة.

وفي بعض الاستوديوهات العربية ما زال هناك من يحاول مساعدته على تصوير المشهد الأخير.

لكن المشاهد تغيّر.

يرى الميكروفون.

ويرى الكاميرا.

ويرى المونتاج.

والأهم…

أنه أصبح يرى ما تركوه خارج الكادر.

يحيى بركات
25 /8/ 2026



FB_IMG_1787689739833.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى