منذ البداية، لا يتقدّم عبد الفتاح كيليطو بوصفه قارئًا للشعر بقدر ما يظهر كمن يصغي إليه من تخومٍ أخرى؛ تخوم السرد، والحكاية، وألعاب التأويل. فالشعر، في أفقه، لا يشكّل موضوعًا معزولًا، بل يتسرّب داخل نسيج القراءة بوصفه طاقة كامنة في اللغة ذاتها، تُضيء المتن السردي وتُربك حدوده. إن كيليطو يقترب مما لمّح إليه رولان بارت حين جعل الأدب فضاءً لتعدّد الأصوات لا لمركزية النوع، حيث لا تُقرأ النصوص وفق انتمائها الأجناسي، بل وفق قدرتها على إنتاج المعنى في تداخله وتحوّله.
كما أن اعتراف كيليطو بابتعاده النسبي عن الشعر لا يُفهم بوصفه إقصاءً، بل كإزاحةٍ واعية لمركز الاهتمام، تتيح للشعر أن يعود في هيئة أثرٍ خفيّ، أو كـ"شبح نصّي" على حد تعبير جاك دريدا، يسكن الكتابة دون أن يُعلن حضوره بشكل مباشر. وهو ما التقطه خالد بلقاسم، في تقديمه لكتاب "كيليطو والشعر" الصادر حديثا عن بيت الشعر بالمغرب، حين أشار إلى أن خيوط الشعر تمتدّ داخل أعمال كيليطو عبر مسالك غير مباشرة، تتخذ من السرد والتأويل وسيطًا لها، فتغدو الحكاية مجالًا لإعادة إنصاتٍ إلى اللغة في أقصى توتراتها.
في هذا السياق، لا تبدو كتب مثل "الأدب والغربة" أو "الحكاية والتأويل" أو "أبو العلاء المعري أو متاهات القول" مجرد دراسات في التراث، بل مختبرات قرائية تُعاد فيها مساءلة العلاقة بين القول الشعري وبنيات السرد، حيث يستعيد كيليطو تقاليد كبرى في البلاغة العربية، من عبد القاهر الجرجاني إلى ابن المعتز وأبو تمام وأبو العلاء المعري، لا بوصفهم حراسًا لماضٍ مكتمل، بل بوصفهم شركاء في حوار متجدد حول اللغة ومعناها. وهو ما يذكّر بأفق هانس روبرت ياوس في جعل القراءة حدثًا تاريخيًا متحوّلًا، حيث لا يعود النص ثابتًا، بل يتغيّر بتغيّر أفق التلقي.
من هذا المنظور، يطرح سؤال "تسلّل الشعر" إلى أعمال كيليطو نفسه بوصفه سؤالًا مضلّلًا جزئيًا؛ لأن الأمر لا يتعلق بتسلّل عرضي، بل بتواطؤ بنيوي بين السرد والشعر داخل التراث العربي، حيث تتقاطع المقامة مع القصيدة، والحكاية مع البلاغة، في نسيج واحد. وهو ما يتيح فهم المقامات، عند بديع الزمان الهمذاني والحريري، كفضاء هجين تتجاور فيه الصناعة البلاغية مع المتعة السردية، وتُختبر فيه اللغة في حدودها القصوى.
اشتغال كيليطو على هذا التراث لا ينفصل عن حسّ نقدي مزدوج، يستمد أدواته من تقاليد عربية راسخة ومن نظريات حديثة في آن. هذا التوتر بين مرجعيتين يمنح قراءته طابعًا ما بعد حداثي، حيث لا يُستعاد التراث بوصفه مرجعًا مغلقًا، بل يُعاد تفكيكه وإعادة تركيبه. وهنا يلتقي مع أطروحات ميشيل فوكو في النظر إلى الخطاب كشبكة من العلاقات، ومع بول ريكور في فهم التأويل كفعل لا ينتهي عند معنى واحد.
إن الانخراط في "نقد النقد" داخل هذا المشروع لا يعني الوقوف عند حدود التوصيف، بل ممارسة مساءلة مزدوجة: مساءلة النصوص التراثية ومساءلة القراءات التي أنتجتها. فالمقامات، في هذا الإطار، تتحول من مجرد موضوع دراسة إلى حقل اختبار للأدوات النقدية نفسها، حيث تنكشف حدود المناهج بقدر ما تنكشف إمكاناتها.
أعتقد أن كيليطو لا يكتب عن التراث بقدر ما يكتب معه؛ ينصت إلى لغته، يلاحق انزياحاتها، ويعيد إدخالها في زمن القراءة المعاصرة. إن مشروعه لا يسعى إلى استعادة الماضي، بل إلى خلخلته، لا إلى تثبيته، بل إلى جعله قابلاً للقراءة من جديد. وهنا تكمن قوته: في قدرته على تحويل التراث من موضوع للمعرفة إلى تجربة للقراءة، ومن أثر ساكن إلى سؤال مفتوح لا ينفد.
كيليطو أو كتابة العبور بين السردي والشعري:
لا تكاد أوراق الكتاب الجماعي “كيليطو والشعر” الذي أعده وقدم له الناقد خالد بلقاسم عن بيت الشعر المغربي، تستقر داخل حدود الأدب والنقد بالمعنى المدرسي، إذ تنزاح نحو تخوم أكثر اتساعًا، حيث يغدو الشعر وسيطًا لتفكيرٍ يتجاوز نوعه، ويُعاد عبره تأويل علاقة عبد الفتاح كيليطو بما يسكن التراث العربي من غرائبي وفانتاستيكي. فالمسألة هنا ليست مجرّد اقتراب من الشعر، بل إعادة تشكيل لمسالكه داخل خطابٍ نقدي يستثمر السرد بوصفه فضاءً لعبور الشعري، لا لاحتوائه.
وفي هذا المنحى، يبرز نص عبد السلام بنعبد العالي كمدخل فلسفي كثيف، يلتقط ما يمكن تسميته بـ“استيهامات” كيليطو الأدبية، حيث تتقاطع اللغة مع رغبتها في الانفلات من حدودها المألوفة. بنعبد العالي لا يتعامل مع الشعر كجنس أدبي قائم بذاته، بل كقوة تعبيرية تتطلب تحريرًا جذريًا من الأطر التي كبّلته، سواء في تاريخ الأدب أو في أنساق النقد. إن دعوته إلى “تحرير الشعر من الأدب” لا تُفهم بوصفها قطيعة مع الأدب، بل كتحريرٍ من ثقل التصنيفات التي حوّلت الشعر إلى وظيفة ضمن نظام، بدل أن يظل حدثًا لغويًا يخلخل هذا النظام.
هذا التصور يجاور، في عمقه، حدس مارتن هايدغر حين اعتبر أن الشعر ليس تعبيرًا عن العالم، بل طريقة في انكشافه، حيث اللغة “بيت الوجود”، لا مجرد أداة لتمثيله. ومن هنا، يتقاطع أيضًا مع تمرد فريدريش نيتشه، الذي جعل من الكتابة الشعرية أفقًا للفلسفة ذاتها، كما في “هكذا تكلم زرادشت”، حيث تنهار الحدود بين القول الفلسفي والقول الشعري، ويتحوّل التفكير إلى تجربة جمالية.
في ضوء ذلك، يكتسب سؤال بنعبد العالي: كيف يمكن إنقاذ القصيدة من “فقرها إلى موطن”؟، دلالة تتجاوز الإشكال الجمالي نحو أفق أنطولوجي. فالموطن هنا ليس مكانًا، بل نمط إقامة داخل اللغة. والشعر، حين يُختزل إلى نوع أدبي، يفقد هذه القدرة على الإقامة، ويغدو تابعًا لتاريخ يُصنّفه بدل أن ينفتح به على إمكانات القول. لذلك، فإن التحرير الذي يُراهن عليه بنعبد العالي يتجه نحو تفكيك الثنائيات التي استقرت في الوعي النقدي: شعر/نثر، بلاغة/سرد، أدب/فلسفة.
هذا المسار يلتقي مع نقد رولان بارت لهيمنة “تاريخ الأدب” بوصفه أفقًا يُماثل بين النصوص ويُخضعها لسردية واحدة، حيث تُفقد فرادتها. فالشعر، في هذا المنظور، لا يُستعاد عبر تاريخه، بل عبر قدرته على خلخلة هذا التاريخ ذاته. ومن هنا، يصبح الاشتغال الذي ينجزه كيليطو نوعًا من نقل الشعر من منطقة الألفة إلى فضاء الاغتراب، حيث يستعيد غرابته الأولى، تلك التي تجعله عصيًّا على الترويض.
في قلب هذا التوتر، تظل اللغة العربية، بما راكمته من بلاغة وتراث، حاضنة لهذا الصراع بين التقييد والتحرر. غير أن ما يكشفه هذا المشروع النقدي هو أن المعاني لا تستقر داخل المواضعات، بل تتجاوزها باستمرار، متعالية عن حدود التداول المألوف. وهنا يمكن استحضار ميشيل فوكو، الذي رأى أن الخطاب ليس انعكاسًا لمعنى جاهز، بل شبكة من العلاقات تُنتج المعنى داخلها، مما يجعل كل قول قابلًا لإعادة القراءة وفق شروط جديدة.
الإحالة التي يقترحها بنعبد العالي إلى مناظرة “الشعر والفلسفة” في كتاب الحيوان للجاحظ ليست استعادة تاريخية فحسب، بل تمرينًا على فهم لحظة كان فيها القول لم ينفصل بعد إلى مجالات مغلقة. ففي تلك اللحظة، لم يكن السؤال عن الشعر منفصلًا عن السؤال عن الحقيقة، ولم تكن الفلسفة خارج اللغة التي تصوغها. وهذا ما يفسّر، جزئيًا، ذلك "الابتعاد" الذي نلمسه عند الجاحظ، حيث يظل التفكير ملتصقًا بالبيان، لا متعاليًا عليه.
لكن، قراءة بنعبد العالي لكيليطو تنفتح على أفق أوسع، حيث لا يعود الشعر موضوعًا للدرس، بل شرطًا لإعادة التفكير في الأدب ذاته. إنها دعوة إلى قراءة عاشقة، كما يسميها، قراءة لا تبحث عن تثبيت المعنى، بل عن ملاحقته في تحوّلاته. ومن خلال هذا المسار، تتكشف الكتابة عند كيليطو كفضاء تتقاطع فيه الفلسفة بالشعر، والتأويل بالسرد، في تجربة فكرية لا تستقر عند حدود، بل تظل معلّقة على إمكان الانفلات منها.
ويبدو أن تتبّع المسار الفكري لعبد الفتاح كيليطو يقتضي الانتباه إلى تلك الدينامية الدقيقة التي تُحرّك انتقاله بين مجالات القول، حيث يتجاور الشعري مع السردي ضمن أفق تأويلي واحد. فالأمر، كما يلمح الناقد حسن بحراوي، لا يرتبط باختيارات عرضية أو تفضيلات ذوقية عابرة، بل يتصل ببنية عميقة تحكم اشتغال كيليطو، قوامها وعي نقدي يشتغل على إعادة ترتيب خريطة الأدب العربي، عبر مساءلة مسلّماته وإعادة توزيع مراكزه.
ضمن هذا الأفق، يتخذ انحياز كيليطو إلى السرد طابعًا استراتيجيًا، إذ يغدو السرد فضاءً رحبًا لإعادة تفكيك التراث، ليس باعتباره مادة جاهزة للقراءة، بل بوصفه نصًا مفتوحًا على احتمالات لا نهائية من التأويل. هنا يمكن استحضار ما ذهب إليه بول ريكور حين ربط السرد بإعادة تشكيل الزمن والمعنى، بحيث لا يعود الحكي مجرد نقل للأحداث، بل ممارسة لإنتاج الدلالة وإعادة بناء التجربة الإنسانية. بهذا المعنى، يندرج مشروع كيليطو ضمن هذا الأفق التأويلي، حيث تتقاطع الحكاية مع السؤال، ويغدو النص فضاءً للتفكير أكثر منه وعاءً للمعنى.
غير أن هذا الانتصار للسرد لا يعني غياب الشعر، بل حضوره في صيغة أخرى، أقرب إلى ما يسميه رولان بارت "أثر الكتابة"، حيث يتسلل الشعري إلى النثر بوصفه توترًا لغويًا وإيقاعيًا، لا بوصفه نوعًا قائمًا بذاته. ولذلك، فإن ما يبدو خفوتًا في اهتمام كيليطو بالشعر الكلاسيكي يخفي، في العمق، إعادة توزيع لوظائفه داخل النص، بحيث يتحول الشعر إلى طاقة كامنة داخل السرد، تُغذّي لغته وتمنحه كثافته الرمزية.
أما موقفه من الأدب العربي الحديث، الذي يتسم بنوع من المسافة أو التحفظ، فيمكن قراءته في ضوء ما يسميه بيير بورديو "استراتيجيات الحقل الثقافي"، حيث لا تكون الاختيارات بريئة، بل تتحدد داخل شبكة من العلاقات الرمزية التي يعيد فيها الفاعل تحديد موقعه. فكيليطو، في انصرافه النسبي عن الأشكال الحديثة، لا ينسحب من الراهن بقدر ما يعيد مساءلته من خلال العودة إلى الأصول، وكأن الماضي هنا ليس ملاذًا، بل مختبرًا لإعادة التفكير في الحاضر.
وتتعمق هذه الرؤية حين نأخذ بعين الاعتبار وعي كيليطو اللغوي المركّب، حيث يرفض الانحباس داخل توصيف "الكاتب الفرنكوفوني"، مفضلًا الانتماء إلى أفق مزدوج اللغة. هذا التعدد لا يُفهم بوصفه مجرد امتلاك لأداتين تعبيريّتين، بل كتجربة وجودية في العبور بين أنساق دلالية مختلفة، بما يذكّر بتصور جاك دريدا حول "الاختلاف" باعتباره شرطًا لإنتاج المعنى، حيث لا تستقر الدلالة، بل تتولد في المسافة بين اللغات والأنظمة الرمزية.
ومن ثم، فإن حضور الشعر في أعمال كيليطو، كما يشير بحراوي، لا يتحدد في مستوى الموضوع فقط، بل يتغلغل في نسيج الكتابة ذاتها، حيث تستعاد الأصوات الشعرية الكبرى، من ابن المعتز إلى الجرجاني وأبي تمام، بوصفها مرجعيات تُغني التفكير في السرد، لا بوصفها موضوعًا منفصلًا عنه. وهنا يتأكد أن العلاقة بين الشعر والسرد عند كيليطو ليست علاقة تعارض، بل علاقة تداخل خلاق، يشتغل فيها كل منهما على توسيع أفق الآخر.
إن مشروع كيليطو هو أقرب إلى ما يمكن تسميته بـ"نقد الحدود"، حيث لا تُفهم الأجناس الأدبية ككيانات مغلقة، بل كفضاءات متحركة تتقاطع داخلها أشكال التعبير. وهو ما يجعل من كتابته ممارسة فكرية تعيد طرح سؤال الأدب نفسه: ليس بوصفه تصنيفًا جاهزًا، بل كحقل توتر دائم بين اللغة والمعنى، بين التراث وإمكانات قراءته المتجددة.
المعري كاقتصاد رمزي للهبة:
تتضافر أوراق الكتاب الجماعي على إبراز ذلك الانجذاب العميق الذي يشدّ كتابة عبد الفتاح كيليطو إلى الشعر، لا بوصفه موضوعًا للدراسة، بل باعتباره بُعدًا مكوِّنًا لوعيه النقدي، حيث تتداخل الحيوات النصية مع التجربة القرائية في نسيج واحد. فالنصوص الشعرية التي يستدعيها لا تحضر كأمثلة أو شواهد، وإنما كأمكنة للعيش والتفكير، بما يجعل القراءة ذاتها امتدادًا للوجود داخل اللغة، على نحو يذكّر بما صاغه مارتن هايدغر حين اعتبر أن اللغة ليست أداة، بل أفق إقامة الكينونة.
ضمن هذا الأفق، يحتل أبو العلاء المعري موقعًا استثنائيًا في مشروع كيليطو، إذ لا يُستعاد كشخصية تراثية بقدر ما يُعاد تشييده كمتاهة لغوية وفكرية، كما يتجلى في كتاب "أبو العلاء المعري أو متاهات القول"، فالاشتغال هنا لا ينصرف إلى حسم الخلافات القديمة حول معتقداته أو مواقفه، بل إلى استنطاق نصوصه بوصفها فضاءً للتوتر بين الصدق والكذب، بين الظاهر والمضمر. وهو توتر يحيل، في عمقه، إلى ما بلوره فريدريش نيتشه حين رأى أن الحقيقة ليست معطى جاهزًا، بل بناء لغوي تتنازعه الأقنعة والاستعارات.
إن الانتقال الذي يرصد في شعر المعري، من "قول" يلامس التخييل إلى "قول" يقترب من الاعتراف، لا يُفهم هنا كتحول أخلاقي بقدر ما يُقرأ كحركة داخل اللغة ذاتها، حيث تتغير شروط إنتاج المعنى. وهو ما يلتقي مع تصور بول ريكور للسرد بوصفه إعادة تشكيل للتجربة، لا مجرد انعكاس لها، بحيث يغدو النص مجالًا لإعادة ترتيب العلاقة بين الذات والعالم.
غير أن ما يلفت في قراءة كيليطو، كما يشير الباحث محمد آيت لعميم، هو هذا التوسّع في المتون، حيث تتجاور نصوص أبو تمام وعبد القاهر الجرجاني وامرؤ القيس داخل فضاء تأويلي واحد، يشتغل على استخراج المعنى من مناطق ظُنّ أنها استُهلكت دلاليًا. هنا يتجسد ما يسميه رولان بارت “لذة النص”، حيث لا يُستعاد المعنى بوصفه يقينًا، بل يُعاد إنتاجه بوصفه أثرًا متجدّدًا، يقاوم الاكتمال.
وفي هذا السياق، يكتسب مفهوم "المتاهة" دلالته المركزية، كما يلتقطه نبيل منصر، إذ لا تبدو كتابة كيليطو مسارًا نحو الخروج، بل إقامة داخل هذا الالتباس المنتج. فالنص لا يُغلق، بل يظل مفتوحًا على منافذ متعددة، في انسجام مع ما يقترحه جاك دريدا حول "الاختلاف"، حيث يتأجل المعنى باستمرار ولا يستقر في نقطة نهائية.
أما اشتغاله على سيرة المعري، فلا ينخرط في إعادة بناء تاريخي مكتمل، بل يقتصر على التقاط إشارات دالة، تُستثمر داخل تحليل الأخبار والمحكيات. هذا الاقتصاد في المعطى السيري يقابله غنى في التأويل، يجعل النصوص فضاءً لتكثيف الدلالة، بدل أن تكون مجرد وثائق. وهو ما يوازي، في مستوى آخر، ما ذهب إليه ميشيل فوكو حين رأى أن الخطاب لا يعكس الواقع، بل ينتجه عبر شبكات من العلاقات.
وتبلغ هذه المقاربة ذروتها في تحليل نصوص مثل “الكلب الأعمى”، حيث يتحول الاشتغال إلى ما يشبه تنقيبًا في طبقات المعنى، تتجاور فيه قراءات المتنبي والشريف المرتضى وأبو العلاء المعري، بما يكشف أن المعنى ليس معطًى مفردًا، بل شبكة من العلاقات التأويلية.
ومن زاوية أخرى، يضيء إسماعيل أزيات هذا الاشتغال بتحويل المعري إلى “شخصية حكائية”، حيث يغدو الشعر متاهةً مشحونة بالسر، لا تُفصح عن نفسها إلا جزئيًا. هنا يستعيد النص بعده الغامض، بما يذكّر بتصور غاستون باشلار للخيال بوصفه طاقة إخفاء بقدر ما هو طاقة كشف. فالمعنى لا يُعطى دفعة واحدة، بل يُحجب ليُستدعى، ويُؤجل ليُعاد اكتشافه.
كما تبدو قراءة كيليطو للمعري نوعًا من السير داخل العتمة المضيئة للنص، حيث يتحرك القارئ كما لو كان “أعمى” بالمعنى الإيجابي الذي يمنحه الإصغاء أولوية على الرؤية. إنها قراءة تنصت بدل أن تفرض، وتقبل ما يهبه النص دون استعجال امتلاكه، في انسجام مع روح تأويلية ترى في الأدب فضاءً لاحتمال المعنى، لا مخزنًا لحقائقه.
ومن تخوم الصورة المتحركة إلى أفق الكتابة التي تُعيد بناء العالم بالكلمات، يتبدّى فعلُ الكتابة بوصفه انتقالًا من الإدراك البصري إلى التأويل، حيث لا تُنقل الأشياء كما هي، بل تُعاد صياغتها داخل شبكة من العلامات. في هذا المسار، يشتغل محسن عتيقي على تفكيك عوالم عبد الفتاح كيليطو، لا باعتبارها نصوصًا جاهزة، بل كطبقات دلالية تتقاطع فيها الذاكرة الأدبية مع الحس النقدي. وكأننا هنا أمام ما يسميه رولان بارت «لذة النص»، حيث تتحول القراءة إلى إعادة كتابة، ويتحوّل النص إلى فضاء مفتوح للتعدد والتشظي.
إن “الهدية” عند عتيقي لا تظهر كموضوع عرضي، بل كأفق رمزي يتجاوز دلالته المباشرة نحو اقتصاد رمزي معقّد، يذكّر بما بلوره مارسيل موس في تحليله لـ«الهبة» بوصفها فعلًا اجتماعيًا مشحونًا بالالتزام والتبادل والسلطة. فالنص هنا لا يمنح فقط، بل يُلزم، ولا يُهدي إلا ليعيد إنتاج شبكة من العلاقات الثقافية والرمزية. ومن هذا المنظور، تصبح “الهدية” عند عتيقي نقطة تقاطع بين أنساق متعددة: من شعرية أبو العلاء المعري المتقشفة والمراوغة، إلى مفارقات الجاحظ الساخرة في «البخلاء»، وصولًا إلى طقوس «البوتلاتش» في الثقافات الأمريكية الشمالية، حيث يتحول العطاء إلى استعراض للقوة الرمزية.
ولا يكتفي عتيقي باستحضار هذه المرجعيات، بل يعيد تركيبها داخل نسيج سردي يتنقّل بين ابن ظافر الأزدي وأبو إسحاق الصابي، مستدعيًا أيضًا ظلال عمر الخيام، في محاولة لخلق حوار خفي بين الأزمنة والأنواع. هنا يتحقق ما أشار إليه ميخائيل باختين بـ«الحوارية»، حيث لا صوت يهيمن، بل تتجاور الأصوات في تعددية دلالية تُنتج المعنى من التفاعل لا من الأحادية.
وإذا كان كيليطو قد جعل من المعري نبعًا لا ينضب، فإن عتيقي يذهب أبعد من ذلك، إذ يحوّل هذا النبع إلى مجرى تتقاطع فيه أشكال القول، من الشعر إلى السرد، ومن الحكاية إلى التأمل. فالهدية هنا ليست شيئًا يُعطى، بل خطابًا يُبنى، وذاكرة تُستعاد، وعلاقة تُعاد صياغتها بين الكاتب والقارئ. وهو ما يذكّرنا بقول جاك دريدا إن «الهبة الحقيقية هي التي لا تُنتظر مقابلًا»، غير أن النص، في مفارقته، يمنح ويستعيد في الآن ذاته، في لعبة لا تنتهي من الأخذ والعطاء.
هكذا تتكشف الكتابة كفعل تنقيب في طبقات الثقافة، حيث لا يعود الأدب مرآة للعالم، بل مختبرًا لإعادة تخيّله، وتغدو “الهدية” استعارة كبرى لاقتصاد رمزي تتقاطع فيه الرغبة والمعرفة والسلطة، في أفق يجعل من القراءة فعل مشاركة لا استهلاك، ومن النص كائنًا حيًا لا يستقر على معنى واحد.
أوتوبوغرافيا القارئ: الهوية السردية بين النسخ والكتابة:
تفتح دراسة حسن المودن «القراءة في صمت النسخ: كيف أصبح النساخ شاعرًا؟» أفقًا تأويليًا تتداخل فيه السيرة بالتحليل النفسي، وتتماس فيه الهوية بالكتابة، في مساءلة دقيقة لتحولات الذات القارئة داخل تجربة عبد الفتاح كيليطو. وقد اختار المودن رواية «حصان نيتشه» بوصفها مختبرًا تخييليًا لسيرة متشظية بين الطفولة والشيخوخة، بين النساخ الذي كانه الكاتب والشاعر الذي صار إليه، بما يجعل من القراءة نفسها مسارًا وجوديًا لا مجرد نشاط معرفي. وهو ما يتبدّى في اعتقادي، فيما أشار إليه بول ريكور حين اعتبر أن «الذات لا تُدرك إلا عبر وسائط السرد»، أي أن الهوية ليست معطى ثابتًا بل بناء يتشكل عبر الحكاية.
و يقترح المودن مفهوماً لافتًا يمكن تسميته بـ«أوتوبوغرافية القارئ»، حيث لا يكتب الفرد ذاته بقدر ما يكتب فعل قراءته للعالم، في انتقال من الذات المكتوبة إلى الذات القارئة. وهو ما يلامس، من زاوية أخرى، ما ذهب إليه رولان بارت حين أعلن "موت المؤلف"، إذ يصبح النص فضاءً لتعدد الذوات لا امتلاكًا لصوت واحد. غير أن خصوصية كيليطو، كما يبرزها التحليل، تكمن في أن القراءة لا تنفصل عن التجربة النفسية للطفولة، حيث يتحول النسخ إلى فعل مركّب: عقوبة، وتعلّم، ومحاولة امتلاك للعالم عبر إعادة كتابته.
ومن هنا ينبثق سؤال المودن المركزي: كيف يصبح النساخ شاعرًا؟ هل النسخ ممارسة للغياب أم شكل من أشكال الحضور الخفي؟ وهل هو انمحاء للذات أم تمرين على إنتاجها؟. إن هذه الأسئلة تقودنا إلى ما صاغه جاك لاكان حين ربط تشكّل الذات بمرحلة "المرآة"، حيث لا يرى الإنسان نفسه إلا عبر صور الآخر. فالنسخ، وفق هذا المنظور، ليس فعلاً ميكانيكيًا، بل لحظة تأسيس نفسي تتشكل فيها الذات عبر التكرار والمحاكاة، قبل أن تنفلت نحو الإبداع.
ويزداد هذا التعقيد وضوحًا في مقطع "القرد الخطاط"، حيث تتحول العقوبة المدرسية في قسم المسيو سوامي إلى آلية تربوية لإنتاج التميز، في مفارقة تجمع بين القمع والتحفيز. إن تسمية التلميذ بـ"القرد الخطاط" هو بالإضافة إلى حمولته الممزوجة بالسخرية، يؤشر أيضا على وجود علامة على ولادة هوية وسط التوتر بين الجسد والكتابة، بين التقليد والاختلاف. وهنا يلتقي التحليل بما أشار إليه ميشيل فوكو حول أن السلطة لا تقمع فقط، بل تُنتج أشكالًا من الذات داخل مؤسساتها.
وفي العمق، يطرح المودن سؤالًا نفسيًا بالغ الحساسية: هل كان لجوء الطفل إلى النسخ هروبًا من سلطة العائلة، وخاصة سلطة الأب؟ وهل في هذا التكرار نوع من البحث عن أب بديل أو أم بديلة داخل النص؟ إن هذا البعد يُدخلنا إلى أفق التحليل الفرويدي، حيث يرى سيغموند فرويد أن الإبداع غالبًا ما ينشأ من توتر غير محلول مع البنية العائلية، وأن الكتابة قد تكون شكلًا من "الإعلاء" (Sublimation) للرغبة المكبوتة.
وتتعمق الفكرة حين يربط المودن بين النسخ والقراءة، معتبرًا أن "لا كتابة من دون نسخ"، وأن الانتقال من النسخ إلى الإبداع يمر عبر آلية النسيان أو التناسي، أي عبر محو الأثر الأصلي لإتاحة ولادة أثر جديد. هنا يحضر تصور نيتشه للنسيان باعتباره قوة إيجابية لا ضعفًا، بل شرطًا للإبداع وإعادة التشكيل. فالحفاظ على الذاكرة دون تصفية قد يحول دون ولادة الذات الجديدة.
أما التحول من النساخ إلى الشاعر، فيُفهم بوصفه قطيعة سيكولوجية مع نظام التكرار، حيث تنفلت الذات من سلطة النسخ إلى فضاء التخيل، من الامتثال إلى التخييل، ومن التكرار إلى الاختلاف. وهو ما يجعل من الشعر، في النهاية، ليس فقط إنتاجًا لغويًا، بل لحظة تحرر نفسي من البنى الأولى التي شكّلت الذات.
إن قراءة حسن المودن تتقاطع مع أفق فلسفي ونفسي يرى في الكتابة سيرورة تشكّل لا اكتمالًا، وفي النسخ لحظة تأسيس خفية للإبداع، وفي الطفل النساخ كائنًا يتعلم كيف يتحول من ظلّ النص إلى صانعه، ومن التكرار إلى الاختلاف، ومن الصمت إلى الشعر.
ينتهي المودن، في قراءته لأوثوبيوغرافية “التلميذ الشاعر” عند عبد الفتاح كيليطو، إلى أن فعل القراءة لا يظهر باعتباره مجرد تمرين ثقافي أو مهارة مدرسية، بل كتحول وجودي يعيد تشكيل الذات من الداخل. فالقراءة، كما الكتابة، ليستا نشاطين محايدين؛ إنهما، بتعبير غاستون باشلار، “ولادة ثانية للوعي”، لحظة تنفصل فيها الذات عن براءتها الأولى لتدخل في قلق اللغة ومتاهة المعنى. لذلك تبدو أوثوبيوغرافية القارئ الشاعر عند كيليطو أقرب إلى سيرة تشكل الذات عبر الحرف، حيث تصبح اللغة قدرا وجوديا لا مجرد أداة تعبير.
ومن هذا المنظور، يبرز السؤال الذي يشتغل عليه المودن: إلى أي حد تتطابق “الذات القارئة” مع “ذات الحرف”؟ أي هل الذات التي تقرأ هي نفسها الذات التي تكتب، أم أن الكتابة تخلق ذاتا أخرى، منفصلة، تتشكل داخل اللغة وتحت سلطتها؟ ويمكن هنا استعادة رولان بارت حين أعلن “موت المؤلف”، مؤكدا أن النص لا يصدر عن ذات مكتملة، بل عن تشظٍّ مستمر للهوية داخل الكلمات. فالكاتب، قبل أن يكتب ذاته، يكون قد امتلأ بأصوات الآخرين، وابتلع مكتبات كاملة من الذاكرة والأسلاف والنصوص.
لهذا يؤكد المودن أن الإفصاح عن ذلك “السر الحميم”، أي الحب والرغبة والأنوثة، لا يتم إلا بعد المرور عبر كلمات الآخر وهضمها. فالذات لا تصل إلى صوتها الخاص إلا عبر استعارة أصوات سابقة. وفي السياق، تلتقي القراءة بالتحليل النفسي؛ حيث تبدو الكتابة نوعا من التحرر الرمزي من سلطة الأب، أو ما يسميه فرويد “قتل الأب” بوصفه شرطا لبناء الاستقلال الرمزي للذات. غير أن كيليطو، كما يلاحظ المودن، لا يذهب نحو هذا القتل الرمزي كاملا، لأن الأب في تجربته ليس مجرد سلطة ينبغي محوها، بل هو أيضا أصل الحكاية ومصدر اللغة الأولى.
لكن المفارقة الأعمق تكمن في موقع المرأة داخل هذا البناء الرمزي. فإذا كان التقليد الشعري العربي القديم قد جعل الشعر بديلا عن المرأة، أو تعويضا عن فقدانها، فإن كيليطو يقلب المعادلة: لا شعر من دون امرأة، ولا لغة شعرية خارج تجربة الحب. فالمرأة تستعيد بعدها الأنطولوجي، لا باعتبارها موضوعا للرغبة فقط، بل باعتبارها الشرط الذي يمنح اللغة دفئها الإنساني. ولذلك يقترب كيليطو، في هذا المعنى، من تصور هايدغر للشعر باعتباره “مسكن الكينونة”، لأن الحب هو ما ينقذ اللغة من جفافها المفهومي ويعيدها إلى أصلها الحي.
وفي غياب المرأة، لا يتبقى سوى الكتابة بوصفها أثرا للفقدان، حيث تتحول الرواية إلى تعويض رمزي عن غياب القصيدة، ويغدو السرد شكلا من أشكال ترميم الوحدة الداخلية. فالكتابة، بحسب كيليطو، ليست امتلاء، بل أثر غياب دائم، أو ما يسميه جاك دريدا “اختلافا مؤجلا” لا يكتمل أبدا. لذلك تبدو الذات الكاتبة معلقة بين الحضور والغياب، بين الحرف والحب، بين الذاكرة والفقدان.
إنها ذات لا تبحث عن يقين نهائي، بل عن أثرها داخل اللغة؛ ذات تبدأ من النسخ والتلقي، ثم تتحول تدريجيا إلى سؤال مفتوح: هل الشعر كتابة للحب، أم أن الكتابة نفسها شكل آخر من أشكال الحنين إلى ما لا يمكن امتلاكه؟.
من المقامة إلى المتاهة: تحولات الكتابة عند كيليطو
في هذا الكتاب الجماعي، لا تبدو الكتابة عن عبد الفتاح كيليطو مجرد تمرين نقدي في توصيف النصوص أو تفكيك بنياتها، وإنما تبدو أشبه برحلة معكوسة نحو يقينيات قلقة، تُعيد مساءلة الأدب وهو يعيد إنتاج نفسه داخل متاهاته الخاصة. فكيليطو، كما لو أنه يحقق ما أشار إليه رولان بارت حين اعتبر أن النص الحقيقي ليس بنية مغلقة بل “نسيج من الاقتباسات والإحالات”، يكتب الأدب بوصفه أثراً متشظياً، متعدداً، لا يستقر داخل شكل نهائي، بل يظل في حالة عبور دائم بين الحكاية وتأويلها، وبين اللغة وظلالها الخفية.
إن مجمل مقاربات هذا الكتاب تبدو كأنها أشكال من “التيه المنظم”، أو ما يسميه أمبرتو إيكو “النص المفتوح”، حيث لا تُقرأ أعمال كيليطو من خارجها، بل من داخل تلك المتاهة التي تنسجها الكتابة وهي تراقب نفسها. ولذلك، فإن التحولات البنائية في عالم كيليطو لا تفضي إلى محو الأصل أو تجاوزه، بل إلى توالده المستمر داخل طبقات السرد والذاكرة والبلاغة. فالأدب عنده ليس يقيناً مكتفياً، وإنما أثر يتكاثر عبر التناص، والتداعي، والاستعادة، والالتباس الخلاق. وفي هذا الإطار، تبرز دراسة الباحث سعيد العوادي، الموسومة بـ”شعر المقامات: نحو محاورة نقدية مع كيليطو”، باعتبارها محاولة للنفاذ إلى ذلك التوتر العميق بين السرد والشعر داخل المقامات، حيث يستعيد كيليطو سؤال البلاغة العربية القديمة، لا باعتبارها تراثاً منغلقاً، بل باعتبارها جهازاً ثقافياً قابلاً لإعادة القراءة. هنا تحضر أفكار ميخائيل باختين حول “تعدد الأصوات”، إذ تتحول المقامة إلى فضاء تتجاور فيه الذوات واللغات والأنساق الثقافية، بينما ينشغل كيليطو بتعقب ما يسميه الغائب في النص؛ ذلك المعنى المؤجل الذي لا يظهر إلا عبر الانزياح والتورية.
وفي دراسة إيمان خياتي، التي تقارب التقاء المعري بالسرد الليلي ومتاهاته، تنكشف كتابة كيليطو بوصفها كتابة للتيه المعرفي، حيث لا يعود النص مجرد خطاب، بل شبكة مرايا تتداخل فيها الأصوات والأزمنة. ولعل هذا ما يجعل المعري عند كيليطو قريباً من تصور خورخي لويس بورخيس للأدب باعتباره “مكتبة لا نهائية”، تتجاور فيها الكتب كما تتجاور الأحلام، ويصبح الكاتب قارئاً لنصوص سبقته بقدر ما يكتب نصه الخاص.
أما فيصل أبو الطفيل، في دراسته “التوغل في متاهات القول: كيف قرأ كيليطو المعري؟”، فيلامس جوهر المشروع الكيليطوي، القائم على تحويل القراءة إلى فعل وجودي. فكيليطو لا يقرأ المعري بوصفه مؤلفاً ماضوياً، بل باعتباره سؤالاً مستمراً حول اللغة والمعنى والعزلة. وهنا تستعاد أطروحة جاك دريدا حول “اختلاف المعنى”، حيث لا تستقر الدلالة في مركز ثابت، بل تؤجل نفسها باستمرار، فيغدو النص فضاءً لا نهائياً للتأويل. وفي مقاربة غادة الصنهاجي لعبد الفتاح كيليطو “شاعراً على مزاج السرد”، تتكشف منطقة دقيقة في مشروعه الإبداعي؛ منطقة يتقاطع فيها الشعري بالسردي دون حدود فاصلة. فكأن القصيدة، في عالم كيليطو، لا تأتي لتغادر السرد، بل لتقيم داخله، وتعيد تشكيل إيقاعه وقلقه واستعاراته. وهذا ما يذكّر بما ذهب إليه موريس بلانشو حين رأى أن الأدب الحقيقي يكتب نفسه عند حافة الصمت، في تلك المنطقة التي تصبح فيها اللغة مأخوذة بقلقها الخاص.
إن هذا الكتاب الجماعي، في عمقه، لا يقرأ كيليطو فقط، بل يقرأ سؤال الأدب نفسه: كيف يتحول النص إلى متاهة منتجة للمعنى؟ وكيف تصبح القراءة شكلاً من أشكال الضياع الجميل؟ ثم كيف يستطيع الأدب أن يقبض، كما يقول هايدغر، على “كينونة القول” وهو يعبر هشاشة اللغة وقلق الوجود؟ لهذا تبدو كتابة كيليطو عصية على الامتلاك النهائي؛ فهي كتابة تنجو دائماً عبر التورية، والالتفاف، والتشظي، وتترك القارئ في مواجهة متاهة لا تطلب الخروج منها، بل تدعوه إلى الإقامة فيها. ففي عالمه، لا يكون الأدب خلاصاً من التيه، وإنما شكلاً أرقى للعيش داخله، والقبض على جمرة المعنى قبل أن تنطفئ في عتمة النسيان.
ـــــــــ
*" كيليطو والشعر" كتاب جماعي، تنسيق : خالد بلقاسم، منشورات بيت الشعر بالمغرب، ط 1 / 2026 ( 240 صفحة).
الرابط: https://www.alquds.co.uk/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%aa%d9%86.../
* من كتاب جماعي من إصدارات بيت الشعر بالمغرب
كما أن اعتراف كيليطو بابتعاده النسبي عن الشعر لا يُفهم بوصفه إقصاءً، بل كإزاحةٍ واعية لمركز الاهتمام، تتيح للشعر أن يعود في هيئة أثرٍ خفيّ، أو كـ"شبح نصّي" على حد تعبير جاك دريدا، يسكن الكتابة دون أن يُعلن حضوره بشكل مباشر. وهو ما التقطه خالد بلقاسم، في تقديمه لكتاب "كيليطو والشعر" الصادر حديثا عن بيت الشعر بالمغرب، حين أشار إلى أن خيوط الشعر تمتدّ داخل أعمال كيليطو عبر مسالك غير مباشرة، تتخذ من السرد والتأويل وسيطًا لها، فتغدو الحكاية مجالًا لإعادة إنصاتٍ إلى اللغة في أقصى توتراتها.
في هذا السياق، لا تبدو كتب مثل "الأدب والغربة" أو "الحكاية والتأويل" أو "أبو العلاء المعري أو متاهات القول" مجرد دراسات في التراث، بل مختبرات قرائية تُعاد فيها مساءلة العلاقة بين القول الشعري وبنيات السرد، حيث يستعيد كيليطو تقاليد كبرى في البلاغة العربية، من عبد القاهر الجرجاني إلى ابن المعتز وأبو تمام وأبو العلاء المعري، لا بوصفهم حراسًا لماضٍ مكتمل، بل بوصفهم شركاء في حوار متجدد حول اللغة ومعناها. وهو ما يذكّر بأفق هانس روبرت ياوس في جعل القراءة حدثًا تاريخيًا متحوّلًا، حيث لا يعود النص ثابتًا، بل يتغيّر بتغيّر أفق التلقي.
من هذا المنظور، يطرح سؤال "تسلّل الشعر" إلى أعمال كيليطو نفسه بوصفه سؤالًا مضلّلًا جزئيًا؛ لأن الأمر لا يتعلق بتسلّل عرضي، بل بتواطؤ بنيوي بين السرد والشعر داخل التراث العربي، حيث تتقاطع المقامة مع القصيدة، والحكاية مع البلاغة، في نسيج واحد. وهو ما يتيح فهم المقامات، عند بديع الزمان الهمذاني والحريري، كفضاء هجين تتجاور فيه الصناعة البلاغية مع المتعة السردية، وتُختبر فيه اللغة في حدودها القصوى.
اشتغال كيليطو على هذا التراث لا ينفصل عن حسّ نقدي مزدوج، يستمد أدواته من تقاليد عربية راسخة ومن نظريات حديثة في آن. هذا التوتر بين مرجعيتين يمنح قراءته طابعًا ما بعد حداثي، حيث لا يُستعاد التراث بوصفه مرجعًا مغلقًا، بل يُعاد تفكيكه وإعادة تركيبه. وهنا يلتقي مع أطروحات ميشيل فوكو في النظر إلى الخطاب كشبكة من العلاقات، ومع بول ريكور في فهم التأويل كفعل لا ينتهي عند معنى واحد.
إن الانخراط في "نقد النقد" داخل هذا المشروع لا يعني الوقوف عند حدود التوصيف، بل ممارسة مساءلة مزدوجة: مساءلة النصوص التراثية ومساءلة القراءات التي أنتجتها. فالمقامات، في هذا الإطار، تتحول من مجرد موضوع دراسة إلى حقل اختبار للأدوات النقدية نفسها، حيث تنكشف حدود المناهج بقدر ما تنكشف إمكاناتها.
أعتقد أن كيليطو لا يكتب عن التراث بقدر ما يكتب معه؛ ينصت إلى لغته، يلاحق انزياحاتها، ويعيد إدخالها في زمن القراءة المعاصرة. إن مشروعه لا يسعى إلى استعادة الماضي، بل إلى خلخلته، لا إلى تثبيته، بل إلى جعله قابلاً للقراءة من جديد. وهنا تكمن قوته: في قدرته على تحويل التراث من موضوع للمعرفة إلى تجربة للقراءة، ومن أثر ساكن إلى سؤال مفتوح لا ينفد.
كيليطو أو كتابة العبور بين السردي والشعري:
لا تكاد أوراق الكتاب الجماعي “كيليطو والشعر” الذي أعده وقدم له الناقد خالد بلقاسم عن بيت الشعر المغربي، تستقر داخل حدود الأدب والنقد بالمعنى المدرسي، إذ تنزاح نحو تخوم أكثر اتساعًا، حيث يغدو الشعر وسيطًا لتفكيرٍ يتجاوز نوعه، ويُعاد عبره تأويل علاقة عبد الفتاح كيليطو بما يسكن التراث العربي من غرائبي وفانتاستيكي. فالمسألة هنا ليست مجرّد اقتراب من الشعر، بل إعادة تشكيل لمسالكه داخل خطابٍ نقدي يستثمر السرد بوصفه فضاءً لعبور الشعري، لا لاحتوائه.
وفي هذا المنحى، يبرز نص عبد السلام بنعبد العالي كمدخل فلسفي كثيف، يلتقط ما يمكن تسميته بـ“استيهامات” كيليطو الأدبية، حيث تتقاطع اللغة مع رغبتها في الانفلات من حدودها المألوفة. بنعبد العالي لا يتعامل مع الشعر كجنس أدبي قائم بذاته، بل كقوة تعبيرية تتطلب تحريرًا جذريًا من الأطر التي كبّلته، سواء في تاريخ الأدب أو في أنساق النقد. إن دعوته إلى “تحرير الشعر من الأدب” لا تُفهم بوصفها قطيعة مع الأدب، بل كتحريرٍ من ثقل التصنيفات التي حوّلت الشعر إلى وظيفة ضمن نظام، بدل أن يظل حدثًا لغويًا يخلخل هذا النظام.
هذا التصور يجاور، في عمقه، حدس مارتن هايدغر حين اعتبر أن الشعر ليس تعبيرًا عن العالم، بل طريقة في انكشافه، حيث اللغة “بيت الوجود”، لا مجرد أداة لتمثيله. ومن هنا، يتقاطع أيضًا مع تمرد فريدريش نيتشه، الذي جعل من الكتابة الشعرية أفقًا للفلسفة ذاتها، كما في “هكذا تكلم زرادشت”، حيث تنهار الحدود بين القول الفلسفي والقول الشعري، ويتحوّل التفكير إلى تجربة جمالية.
في ضوء ذلك، يكتسب سؤال بنعبد العالي: كيف يمكن إنقاذ القصيدة من “فقرها إلى موطن”؟، دلالة تتجاوز الإشكال الجمالي نحو أفق أنطولوجي. فالموطن هنا ليس مكانًا، بل نمط إقامة داخل اللغة. والشعر، حين يُختزل إلى نوع أدبي، يفقد هذه القدرة على الإقامة، ويغدو تابعًا لتاريخ يُصنّفه بدل أن ينفتح به على إمكانات القول. لذلك، فإن التحرير الذي يُراهن عليه بنعبد العالي يتجه نحو تفكيك الثنائيات التي استقرت في الوعي النقدي: شعر/نثر، بلاغة/سرد، أدب/فلسفة.
هذا المسار يلتقي مع نقد رولان بارت لهيمنة “تاريخ الأدب” بوصفه أفقًا يُماثل بين النصوص ويُخضعها لسردية واحدة، حيث تُفقد فرادتها. فالشعر، في هذا المنظور، لا يُستعاد عبر تاريخه، بل عبر قدرته على خلخلة هذا التاريخ ذاته. ومن هنا، يصبح الاشتغال الذي ينجزه كيليطو نوعًا من نقل الشعر من منطقة الألفة إلى فضاء الاغتراب، حيث يستعيد غرابته الأولى، تلك التي تجعله عصيًّا على الترويض.
في قلب هذا التوتر، تظل اللغة العربية، بما راكمته من بلاغة وتراث، حاضنة لهذا الصراع بين التقييد والتحرر. غير أن ما يكشفه هذا المشروع النقدي هو أن المعاني لا تستقر داخل المواضعات، بل تتجاوزها باستمرار، متعالية عن حدود التداول المألوف. وهنا يمكن استحضار ميشيل فوكو، الذي رأى أن الخطاب ليس انعكاسًا لمعنى جاهز، بل شبكة من العلاقات تُنتج المعنى داخلها، مما يجعل كل قول قابلًا لإعادة القراءة وفق شروط جديدة.
الإحالة التي يقترحها بنعبد العالي إلى مناظرة “الشعر والفلسفة” في كتاب الحيوان للجاحظ ليست استعادة تاريخية فحسب، بل تمرينًا على فهم لحظة كان فيها القول لم ينفصل بعد إلى مجالات مغلقة. ففي تلك اللحظة، لم يكن السؤال عن الشعر منفصلًا عن السؤال عن الحقيقة، ولم تكن الفلسفة خارج اللغة التي تصوغها. وهذا ما يفسّر، جزئيًا، ذلك "الابتعاد" الذي نلمسه عند الجاحظ، حيث يظل التفكير ملتصقًا بالبيان، لا متعاليًا عليه.
لكن، قراءة بنعبد العالي لكيليطو تنفتح على أفق أوسع، حيث لا يعود الشعر موضوعًا للدرس، بل شرطًا لإعادة التفكير في الأدب ذاته. إنها دعوة إلى قراءة عاشقة، كما يسميها، قراءة لا تبحث عن تثبيت المعنى، بل عن ملاحقته في تحوّلاته. ومن خلال هذا المسار، تتكشف الكتابة عند كيليطو كفضاء تتقاطع فيه الفلسفة بالشعر، والتأويل بالسرد، في تجربة فكرية لا تستقر عند حدود، بل تظل معلّقة على إمكان الانفلات منها.
ويبدو أن تتبّع المسار الفكري لعبد الفتاح كيليطو يقتضي الانتباه إلى تلك الدينامية الدقيقة التي تُحرّك انتقاله بين مجالات القول، حيث يتجاور الشعري مع السردي ضمن أفق تأويلي واحد. فالأمر، كما يلمح الناقد حسن بحراوي، لا يرتبط باختيارات عرضية أو تفضيلات ذوقية عابرة، بل يتصل ببنية عميقة تحكم اشتغال كيليطو، قوامها وعي نقدي يشتغل على إعادة ترتيب خريطة الأدب العربي، عبر مساءلة مسلّماته وإعادة توزيع مراكزه.
ضمن هذا الأفق، يتخذ انحياز كيليطو إلى السرد طابعًا استراتيجيًا، إذ يغدو السرد فضاءً رحبًا لإعادة تفكيك التراث، ليس باعتباره مادة جاهزة للقراءة، بل بوصفه نصًا مفتوحًا على احتمالات لا نهائية من التأويل. هنا يمكن استحضار ما ذهب إليه بول ريكور حين ربط السرد بإعادة تشكيل الزمن والمعنى، بحيث لا يعود الحكي مجرد نقل للأحداث، بل ممارسة لإنتاج الدلالة وإعادة بناء التجربة الإنسانية. بهذا المعنى، يندرج مشروع كيليطو ضمن هذا الأفق التأويلي، حيث تتقاطع الحكاية مع السؤال، ويغدو النص فضاءً للتفكير أكثر منه وعاءً للمعنى.
غير أن هذا الانتصار للسرد لا يعني غياب الشعر، بل حضوره في صيغة أخرى، أقرب إلى ما يسميه رولان بارت "أثر الكتابة"، حيث يتسلل الشعري إلى النثر بوصفه توترًا لغويًا وإيقاعيًا، لا بوصفه نوعًا قائمًا بذاته. ولذلك، فإن ما يبدو خفوتًا في اهتمام كيليطو بالشعر الكلاسيكي يخفي، في العمق، إعادة توزيع لوظائفه داخل النص، بحيث يتحول الشعر إلى طاقة كامنة داخل السرد، تُغذّي لغته وتمنحه كثافته الرمزية.
أما موقفه من الأدب العربي الحديث، الذي يتسم بنوع من المسافة أو التحفظ، فيمكن قراءته في ضوء ما يسميه بيير بورديو "استراتيجيات الحقل الثقافي"، حيث لا تكون الاختيارات بريئة، بل تتحدد داخل شبكة من العلاقات الرمزية التي يعيد فيها الفاعل تحديد موقعه. فكيليطو، في انصرافه النسبي عن الأشكال الحديثة، لا ينسحب من الراهن بقدر ما يعيد مساءلته من خلال العودة إلى الأصول، وكأن الماضي هنا ليس ملاذًا، بل مختبرًا لإعادة التفكير في الحاضر.
وتتعمق هذه الرؤية حين نأخذ بعين الاعتبار وعي كيليطو اللغوي المركّب، حيث يرفض الانحباس داخل توصيف "الكاتب الفرنكوفوني"، مفضلًا الانتماء إلى أفق مزدوج اللغة. هذا التعدد لا يُفهم بوصفه مجرد امتلاك لأداتين تعبيريّتين، بل كتجربة وجودية في العبور بين أنساق دلالية مختلفة، بما يذكّر بتصور جاك دريدا حول "الاختلاف" باعتباره شرطًا لإنتاج المعنى، حيث لا تستقر الدلالة، بل تتولد في المسافة بين اللغات والأنظمة الرمزية.
ومن ثم، فإن حضور الشعر في أعمال كيليطو، كما يشير بحراوي، لا يتحدد في مستوى الموضوع فقط، بل يتغلغل في نسيج الكتابة ذاتها، حيث تستعاد الأصوات الشعرية الكبرى، من ابن المعتز إلى الجرجاني وأبي تمام، بوصفها مرجعيات تُغني التفكير في السرد، لا بوصفها موضوعًا منفصلًا عنه. وهنا يتأكد أن العلاقة بين الشعر والسرد عند كيليطو ليست علاقة تعارض، بل علاقة تداخل خلاق، يشتغل فيها كل منهما على توسيع أفق الآخر.
إن مشروع كيليطو هو أقرب إلى ما يمكن تسميته بـ"نقد الحدود"، حيث لا تُفهم الأجناس الأدبية ككيانات مغلقة، بل كفضاءات متحركة تتقاطع داخلها أشكال التعبير. وهو ما يجعل من كتابته ممارسة فكرية تعيد طرح سؤال الأدب نفسه: ليس بوصفه تصنيفًا جاهزًا، بل كحقل توتر دائم بين اللغة والمعنى، بين التراث وإمكانات قراءته المتجددة.
المعري كاقتصاد رمزي للهبة:
تتضافر أوراق الكتاب الجماعي على إبراز ذلك الانجذاب العميق الذي يشدّ كتابة عبد الفتاح كيليطو إلى الشعر، لا بوصفه موضوعًا للدراسة، بل باعتباره بُعدًا مكوِّنًا لوعيه النقدي، حيث تتداخل الحيوات النصية مع التجربة القرائية في نسيج واحد. فالنصوص الشعرية التي يستدعيها لا تحضر كأمثلة أو شواهد، وإنما كأمكنة للعيش والتفكير، بما يجعل القراءة ذاتها امتدادًا للوجود داخل اللغة، على نحو يذكّر بما صاغه مارتن هايدغر حين اعتبر أن اللغة ليست أداة، بل أفق إقامة الكينونة.
ضمن هذا الأفق، يحتل أبو العلاء المعري موقعًا استثنائيًا في مشروع كيليطو، إذ لا يُستعاد كشخصية تراثية بقدر ما يُعاد تشييده كمتاهة لغوية وفكرية، كما يتجلى في كتاب "أبو العلاء المعري أو متاهات القول"، فالاشتغال هنا لا ينصرف إلى حسم الخلافات القديمة حول معتقداته أو مواقفه، بل إلى استنطاق نصوصه بوصفها فضاءً للتوتر بين الصدق والكذب، بين الظاهر والمضمر. وهو توتر يحيل، في عمقه، إلى ما بلوره فريدريش نيتشه حين رأى أن الحقيقة ليست معطى جاهزًا، بل بناء لغوي تتنازعه الأقنعة والاستعارات.
إن الانتقال الذي يرصد في شعر المعري، من "قول" يلامس التخييل إلى "قول" يقترب من الاعتراف، لا يُفهم هنا كتحول أخلاقي بقدر ما يُقرأ كحركة داخل اللغة ذاتها، حيث تتغير شروط إنتاج المعنى. وهو ما يلتقي مع تصور بول ريكور للسرد بوصفه إعادة تشكيل للتجربة، لا مجرد انعكاس لها، بحيث يغدو النص مجالًا لإعادة ترتيب العلاقة بين الذات والعالم.
غير أن ما يلفت في قراءة كيليطو، كما يشير الباحث محمد آيت لعميم، هو هذا التوسّع في المتون، حيث تتجاور نصوص أبو تمام وعبد القاهر الجرجاني وامرؤ القيس داخل فضاء تأويلي واحد، يشتغل على استخراج المعنى من مناطق ظُنّ أنها استُهلكت دلاليًا. هنا يتجسد ما يسميه رولان بارت “لذة النص”، حيث لا يُستعاد المعنى بوصفه يقينًا، بل يُعاد إنتاجه بوصفه أثرًا متجدّدًا، يقاوم الاكتمال.
وفي هذا السياق، يكتسب مفهوم "المتاهة" دلالته المركزية، كما يلتقطه نبيل منصر، إذ لا تبدو كتابة كيليطو مسارًا نحو الخروج، بل إقامة داخل هذا الالتباس المنتج. فالنص لا يُغلق، بل يظل مفتوحًا على منافذ متعددة، في انسجام مع ما يقترحه جاك دريدا حول "الاختلاف"، حيث يتأجل المعنى باستمرار ولا يستقر في نقطة نهائية.
أما اشتغاله على سيرة المعري، فلا ينخرط في إعادة بناء تاريخي مكتمل، بل يقتصر على التقاط إشارات دالة، تُستثمر داخل تحليل الأخبار والمحكيات. هذا الاقتصاد في المعطى السيري يقابله غنى في التأويل، يجعل النصوص فضاءً لتكثيف الدلالة، بدل أن تكون مجرد وثائق. وهو ما يوازي، في مستوى آخر، ما ذهب إليه ميشيل فوكو حين رأى أن الخطاب لا يعكس الواقع، بل ينتجه عبر شبكات من العلاقات.
وتبلغ هذه المقاربة ذروتها في تحليل نصوص مثل “الكلب الأعمى”، حيث يتحول الاشتغال إلى ما يشبه تنقيبًا في طبقات المعنى، تتجاور فيه قراءات المتنبي والشريف المرتضى وأبو العلاء المعري، بما يكشف أن المعنى ليس معطًى مفردًا، بل شبكة من العلاقات التأويلية.
ومن زاوية أخرى، يضيء إسماعيل أزيات هذا الاشتغال بتحويل المعري إلى “شخصية حكائية”، حيث يغدو الشعر متاهةً مشحونة بالسر، لا تُفصح عن نفسها إلا جزئيًا. هنا يستعيد النص بعده الغامض، بما يذكّر بتصور غاستون باشلار للخيال بوصفه طاقة إخفاء بقدر ما هو طاقة كشف. فالمعنى لا يُعطى دفعة واحدة، بل يُحجب ليُستدعى، ويُؤجل ليُعاد اكتشافه.
كما تبدو قراءة كيليطو للمعري نوعًا من السير داخل العتمة المضيئة للنص، حيث يتحرك القارئ كما لو كان “أعمى” بالمعنى الإيجابي الذي يمنحه الإصغاء أولوية على الرؤية. إنها قراءة تنصت بدل أن تفرض، وتقبل ما يهبه النص دون استعجال امتلاكه، في انسجام مع روح تأويلية ترى في الأدب فضاءً لاحتمال المعنى، لا مخزنًا لحقائقه.
ومن تخوم الصورة المتحركة إلى أفق الكتابة التي تُعيد بناء العالم بالكلمات، يتبدّى فعلُ الكتابة بوصفه انتقالًا من الإدراك البصري إلى التأويل، حيث لا تُنقل الأشياء كما هي، بل تُعاد صياغتها داخل شبكة من العلامات. في هذا المسار، يشتغل محسن عتيقي على تفكيك عوالم عبد الفتاح كيليطو، لا باعتبارها نصوصًا جاهزة، بل كطبقات دلالية تتقاطع فيها الذاكرة الأدبية مع الحس النقدي. وكأننا هنا أمام ما يسميه رولان بارت «لذة النص»، حيث تتحول القراءة إلى إعادة كتابة، ويتحوّل النص إلى فضاء مفتوح للتعدد والتشظي.
إن “الهدية” عند عتيقي لا تظهر كموضوع عرضي، بل كأفق رمزي يتجاوز دلالته المباشرة نحو اقتصاد رمزي معقّد، يذكّر بما بلوره مارسيل موس في تحليله لـ«الهبة» بوصفها فعلًا اجتماعيًا مشحونًا بالالتزام والتبادل والسلطة. فالنص هنا لا يمنح فقط، بل يُلزم، ولا يُهدي إلا ليعيد إنتاج شبكة من العلاقات الثقافية والرمزية. ومن هذا المنظور، تصبح “الهدية” عند عتيقي نقطة تقاطع بين أنساق متعددة: من شعرية أبو العلاء المعري المتقشفة والمراوغة، إلى مفارقات الجاحظ الساخرة في «البخلاء»، وصولًا إلى طقوس «البوتلاتش» في الثقافات الأمريكية الشمالية، حيث يتحول العطاء إلى استعراض للقوة الرمزية.
ولا يكتفي عتيقي باستحضار هذه المرجعيات، بل يعيد تركيبها داخل نسيج سردي يتنقّل بين ابن ظافر الأزدي وأبو إسحاق الصابي، مستدعيًا أيضًا ظلال عمر الخيام، في محاولة لخلق حوار خفي بين الأزمنة والأنواع. هنا يتحقق ما أشار إليه ميخائيل باختين بـ«الحوارية»، حيث لا صوت يهيمن، بل تتجاور الأصوات في تعددية دلالية تُنتج المعنى من التفاعل لا من الأحادية.
وإذا كان كيليطو قد جعل من المعري نبعًا لا ينضب، فإن عتيقي يذهب أبعد من ذلك، إذ يحوّل هذا النبع إلى مجرى تتقاطع فيه أشكال القول، من الشعر إلى السرد، ومن الحكاية إلى التأمل. فالهدية هنا ليست شيئًا يُعطى، بل خطابًا يُبنى، وذاكرة تُستعاد، وعلاقة تُعاد صياغتها بين الكاتب والقارئ. وهو ما يذكّرنا بقول جاك دريدا إن «الهبة الحقيقية هي التي لا تُنتظر مقابلًا»، غير أن النص، في مفارقته، يمنح ويستعيد في الآن ذاته، في لعبة لا تنتهي من الأخذ والعطاء.
هكذا تتكشف الكتابة كفعل تنقيب في طبقات الثقافة، حيث لا يعود الأدب مرآة للعالم، بل مختبرًا لإعادة تخيّله، وتغدو “الهدية” استعارة كبرى لاقتصاد رمزي تتقاطع فيه الرغبة والمعرفة والسلطة، في أفق يجعل من القراءة فعل مشاركة لا استهلاك، ومن النص كائنًا حيًا لا يستقر على معنى واحد.
أوتوبوغرافيا القارئ: الهوية السردية بين النسخ والكتابة:
تفتح دراسة حسن المودن «القراءة في صمت النسخ: كيف أصبح النساخ شاعرًا؟» أفقًا تأويليًا تتداخل فيه السيرة بالتحليل النفسي، وتتماس فيه الهوية بالكتابة، في مساءلة دقيقة لتحولات الذات القارئة داخل تجربة عبد الفتاح كيليطو. وقد اختار المودن رواية «حصان نيتشه» بوصفها مختبرًا تخييليًا لسيرة متشظية بين الطفولة والشيخوخة، بين النساخ الذي كانه الكاتب والشاعر الذي صار إليه، بما يجعل من القراءة نفسها مسارًا وجوديًا لا مجرد نشاط معرفي. وهو ما يتبدّى في اعتقادي، فيما أشار إليه بول ريكور حين اعتبر أن «الذات لا تُدرك إلا عبر وسائط السرد»، أي أن الهوية ليست معطى ثابتًا بل بناء يتشكل عبر الحكاية.
و يقترح المودن مفهوماً لافتًا يمكن تسميته بـ«أوتوبوغرافية القارئ»، حيث لا يكتب الفرد ذاته بقدر ما يكتب فعل قراءته للعالم، في انتقال من الذات المكتوبة إلى الذات القارئة. وهو ما يلامس، من زاوية أخرى، ما ذهب إليه رولان بارت حين أعلن "موت المؤلف"، إذ يصبح النص فضاءً لتعدد الذوات لا امتلاكًا لصوت واحد. غير أن خصوصية كيليطو، كما يبرزها التحليل، تكمن في أن القراءة لا تنفصل عن التجربة النفسية للطفولة، حيث يتحول النسخ إلى فعل مركّب: عقوبة، وتعلّم، ومحاولة امتلاك للعالم عبر إعادة كتابته.
ومن هنا ينبثق سؤال المودن المركزي: كيف يصبح النساخ شاعرًا؟ هل النسخ ممارسة للغياب أم شكل من أشكال الحضور الخفي؟ وهل هو انمحاء للذات أم تمرين على إنتاجها؟. إن هذه الأسئلة تقودنا إلى ما صاغه جاك لاكان حين ربط تشكّل الذات بمرحلة "المرآة"، حيث لا يرى الإنسان نفسه إلا عبر صور الآخر. فالنسخ، وفق هذا المنظور، ليس فعلاً ميكانيكيًا، بل لحظة تأسيس نفسي تتشكل فيها الذات عبر التكرار والمحاكاة، قبل أن تنفلت نحو الإبداع.
ويزداد هذا التعقيد وضوحًا في مقطع "القرد الخطاط"، حيث تتحول العقوبة المدرسية في قسم المسيو سوامي إلى آلية تربوية لإنتاج التميز، في مفارقة تجمع بين القمع والتحفيز. إن تسمية التلميذ بـ"القرد الخطاط" هو بالإضافة إلى حمولته الممزوجة بالسخرية، يؤشر أيضا على وجود علامة على ولادة هوية وسط التوتر بين الجسد والكتابة، بين التقليد والاختلاف. وهنا يلتقي التحليل بما أشار إليه ميشيل فوكو حول أن السلطة لا تقمع فقط، بل تُنتج أشكالًا من الذات داخل مؤسساتها.
وفي العمق، يطرح المودن سؤالًا نفسيًا بالغ الحساسية: هل كان لجوء الطفل إلى النسخ هروبًا من سلطة العائلة، وخاصة سلطة الأب؟ وهل في هذا التكرار نوع من البحث عن أب بديل أو أم بديلة داخل النص؟ إن هذا البعد يُدخلنا إلى أفق التحليل الفرويدي، حيث يرى سيغموند فرويد أن الإبداع غالبًا ما ينشأ من توتر غير محلول مع البنية العائلية، وأن الكتابة قد تكون شكلًا من "الإعلاء" (Sublimation) للرغبة المكبوتة.
وتتعمق الفكرة حين يربط المودن بين النسخ والقراءة، معتبرًا أن "لا كتابة من دون نسخ"، وأن الانتقال من النسخ إلى الإبداع يمر عبر آلية النسيان أو التناسي، أي عبر محو الأثر الأصلي لإتاحة ولادة أثر جديد. هنا يحضر تصور نيتشه للنسيان باعتباره قوة إيجابية لا ضعفًا، بل شرطًا للإبداع وإعادة التشكيل. فالحفاظ على الذاكرة دون تصفية قد يحول دون ولادة الذات الجديدة.
أما التحول من النساخ إلى الشاعر، فيُفهم بوصفه قطيعة سيكولوجية مع نظام التكرار، حيث تنفلت الذات من سلطة النسخ إلى فضاء التخيل، من الامتثال إلى التخييل، ومن التكرار إلى الاختلاف. وهو ما يجعل من الشعر، في النهاية، ليس فقط إنتاجًا لغويًا، بل لحظة تحرر نفسي من البنى الأولى التي شكّلت الذات.
إن قراءة حسن المودن تتقاطع مع أفق فلسفي ونفسي يرى في الكتابة سيرورة تشكّل لا اكتمالًا، وفي النسخ لحظة تأسيس خفية للإبداع، وفي الطفل النساخ كائنًا يتعلم كيف يتحول من ظلّ النص إلى صانعه، ومن التكرار إلى الاختلاف، ومن الصمت إلى الشعر.
ينتهي المودن، في قراءته لأوثوبيوغرافية “التلميذ الشاعر” عند عبد الفتاح كيليطو، إلى أن فعل القراءة لا يظهر باعتباره مجرد تمرين ثقافي أو مهارة مدرسية، بل كتحول وجودي يعيد تشكيل الذات من الداخل. فالقراءة، كما الكتابة، ليستا نشاطين محايدين؛ إنهما، بتعبير غاستون باشلار، “ولادة ثانية للوعي”، لحظة تنفصل فيها الذات عن براءتها الأولى لتدخل في قلق اللغة ومتاهة المعنى. لذلك تبدو أوثوبيوغرافية القارئ الشاعر عند كيليطو أقرب إلى سيرة تشكل الذات عبر الحرف، حيث تصبح اللغة قدرا وجوديا لا مجرد أداة تعبير.
ومن هذا المنظور، يبرز السؤال الذي يشتغل عليه المودن: إلى أي حد تتطابق “الذات القارئة” مع “ذات الحرف”؟ أي هل الذات التي تقرأ هي نفسها الذات التي تكتب، أم أن الكتابة تخلق ذاتا أخرى، منفصلة، تتشكل داخل اللغة وتحت سلطتها؟ ويمكن هنا استعادة رولان بارت حين أعلن “موت المؤلف”، مؤكدا أن النص لا يصدر عن ذات مكتملة، بل عن تشظٍّ مستمر للهوية داخل الكلمات. فالكاتب، قبل أن يكتب ذاته، يكون قد امتلأ بأصوات الآخرين، وابتلع مكتبات كاملة من الذاكرة والأسلاف والنصوص.
لهذا يؤكد المودن أن الإفصاح عن ذلك “السر الحميم”، أي الحب والرغبة والأنوثة، لا يتم إلا بعد المرور عبر كلمات الآخر وهضمها. فالذات لا تصل إلى صوتها الخاص إلا عبر استعارة أصوات سابقة. وفي السياق، تلتقي القراءة بالتحليل النفسي؛ حيث تبدو الكتابة نوعا من التحرر الرمزي من سلطة الأب، أو ما يسميه فرويد “قتل الأب” بوصفه شرطا لبناء الاستقلال الرمزي للذات. غير أن كيليطو، كما يلاحظ المودن، لا يذهب نحو هذا القتل الرمزي كاملا، لأن الأب في تجربته ليس مجرد سلطة ينبغي محوها، بل هو أيضا أصل الحكاية ومصدر اللغة الأولى.
لكن المفارقة الأعمق تكمن في موقع المرأة داخل هذا البناء الرمزي. فإذا كان التقليد الشعري العربي القديم قد جعل الشعر بديلا عن المرأة، أو تعويضا عن فقدانها، فإن كيليطو يقلب المعادلة: لا شعر من دون امرأة، ولا لغة شعرية خارج تجربة الحب. فالمرأة تستعيد بعدها الأنطولوجي، لا باعتبارها موضوعا للرغبة فقط، بل باعتبارها الشرط الذي يمنح اللغة دفئها الإنساني. ولذلك يقترب كيليطو، في هذا المعنى، من تصور هايدغر للشعر باعتباره “مسكن الكينونة”، لأن الحب هو ما ينقذ اللغة من جفافها المفهومي ويعيدها إلى أصلها الحي.
وفي غياب المرأة، لا يتبقى سوى الكتابة بوصفها أثرا للفقدان، حيث تتحول الرواية إلى تعويض رمزي عن غياب القصيدة، ويغدو السرد شكلا من أشكال ترميم الوحدة الداخلية. فالكتابة، بحسب كيليطو، ليست امتلاء، بل أثر غياب دائم، أو ما يسميه جاك دريدا “اختلافا مؤجلا” لا يكتمل أبدا. لذلك تبدو الذات الكاتبة معلقة بين الحضور والغياب، بين الحرف والحب، بين الذاكرة والفقدان.
إنها ذات لا تبحث عن يقين نهائي، بل عن أثرها داخل اللغة؛ ذات تبدأ من النسخ والتلقي، ثم تتحول تدريجيا إلى سؤال مفتوح: هل الشعر كتابة للحب، أم أن الكتابة نفسها شكل آخر من أشكال الحنين إلى ما لا يمكن امتلاكه؟.
من المقامة إلى المتاهة: تحولات الكتابة عند كيليطو
في هذا الكتاب الجماعي، لا تبدو الكتابة عن عبد الفتاح كيليطو مجرد تمرين نقدي في توصيف النصوص أو تفكيك بنياتها، وإنما تبدو أشبه برحلة معكوسة نحو يقينيات قلقة، تُعيد مساءلة الأدب وهو يعيد إنتاج نفسه داخل متاهاته الخاصة. فكيليطو، كما لو أنه يحقق ما أشار إليه رولان بارت حين اعتبر أن النص الحقيقي ليس بنية مغلقة بل “نسيج من الاقتباسات والإحالات”، يكتب الأدب بوصفه أثراً متشظياً، متعدداً، لا يستقر داخل شكل نهائي، بل يظل في حالة عبور دائم بين الحكاية وتأويلها، وبين اللغة وظلالها الخفية.
إن مجمل مقاربات هذا الكتاب تبدو كأنها أشكال من “التيه المنظم”، أو ما يسميه أمبرتو إيكو “النص المفتوح”، حيث لا تُقرأ أعمال كيليطو من خارجها، بل من داخل تلك المتاهة التي تنسجها الكتابة وهي تراقب نفسها. ولذلك، فإن التحولات البنائية في عالم كيليطو لا تفضي إلى محو الأصل أو تجاوزه، بل إلى توالده المستمر داخل طبقات السرد والذاكرة والبلاغة. فالأدب عنده ليس يقيناً مكتفياً، وإنما أثر يتكاثر عبر التناص، والتداعي، والاستعادة، والالتباس الخلاق. وفي هذا الإطار، تبرز دراسة الباحث سعيد العوادي، الموسومة بـ”شعر المقامات: نحو محاورة نقدية مع كيليطو”، باعتبارها محاولة للنفاذ إلى ذلك التوتر العميق بين السرد والشعر داخل المقامات، حيث يستعيد كيليطو سؤال البلاغة العربية القديمة، لا باعتبارها تراثاً منغلقاً، بل باعتبارها جهازاً ثقافياً قابلاً لإعادة القراءة. هنا تحضر أفكار ميخائيل باختين حول “تعدد الأصوات”، إذ تتحول المقامة إلى فضاء تتجاور فيه الذوات واللغات والأنساق الثقافية، بينما ينشغل كيليطو بتعقب ما يسميه الغائب في النص؛ ذلك المعنى المؤجل الذي لا يظهر إلا عبر الانزياح والتورية.
وفي دراسة إيمان خياتي، التي تقارب التقاء المعري بالسرد الليلي ومتاهاته، تنكشف كتابة كيليطو بوصفها كتابة للتيه المعرفي، حيث لا يعود النص مجرد خطاب، بل شبكة مرايا تتداخل فيها الأصوات والأزمنة. ولعل هذا ما يجعل المعري عند كيليطو قريباً من تصور خورخي لويس بورخيس للأدب باعتباره “مكتبة لا نهائية”، تتجاور فيها الكتب كما تتجاور الأحلام، ويصبح الكاتب قارئاً لنصوص سبقته بقدر ما يكتب نصه الخاص.
أما فيصل أبو الطفيل، في دراسته “التوغل في متاهات القول: كيف قرأ كيليطو المعري؟”، فيلامس جوهر المشروع الكيليطوي، القائم على تحويل القراءة إلى فعل وجودي. فكيليطو لا يقرأ المعري بوصفه مؤلفاً ماضوياً، بل باعتباره سؤالاً مستمراً حول اللغة والمعنى والعزلة. وهنا تستعاد أطروحة جاك دريدا حول “اختلاف المعنى”، حيث لا تستقر الدلالة في مركز ثابت، بل تؤجل نفسها باستمرار، فيغدو النص فضاءً لا نهائياً للتأويل. وفي مقاربة غادة الصنهاجي لعبد الفتاح كيليطو “شاعراً على مزاج السرد”، تتكشف منطقة دقيقة في مشروعه الإبداعي؛ منطقة يتقاطع فيها الشعري بالسردي دون حدود فاصلة. فكأن القصيدة، في عالم كيليطو، لا تأتي لتغادر السرد، بل لتقيم داخله، وتعيد تشكيل إيقاعه وقلقه واستعاراته. وهذا ما يذكّر بما ذهب إليه موريس بلانشو حين رأى أن الأدب الحقيقي يكتب نفسه عند حافة الصمت، في تلك المنطقة التي تصبح فيها اللغة مأخوذة بقلقها الخاص.
إن هذا الكتاب الجماعي، في عمقه، لا يقرأ كيليطو فقط، بل يقرأ سؤال الأدب نفسه: كيف يتحول النص إلى متاهة منتجة للمعنى؟ وكيف تصبح القراءة شكلاً من أشكال الضياع الجميل؟ ثم كيف يستطيع الأدب أن يقبض، كما يقول هايدغر، على “كينونة القول” وهو يعبر هشاشة اللغة وقلق الوجود؟ لهذا تبدو كتابة كيليطو عصية على الامتلاك النهائي؛ فهي كتابة تنجو دائماً عبر التورية، والالتفاف، والتشظي، وتترك القارئ في مواجهة متاهة لا تطلب الخروج منها، بل تدعوه إلى الإقامة فيها. ففي عالمه، لا يكون الأدب خلاصاً من التيه، وإنما شكلاً أرقى للعيش داخله، والقبض على جمرة المعنى قبل أن تنطفئ في عتمة النسيان.
ـــــــــ
*" كيليطو والشعر" كتاب جماعي، تنسيق : خالد بلقاسم، منشورات بيت الشعر بالمغرب، ط 1 / 2026 ( 240 صفحة).
الرابط: https://www.alquds.co.uk/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%aa%d9%86.../
* من كتاب جماعي من إصدارات بيت الشعر بالمغرب