شهادات خاصة عبدالله قاسم دامي - نهايات العظماء في المنافي

كل الذين أدركوا حقيقة هذه الحياة ماتوا قهرًا.

في أحد شوارع تورونتو، أمام مقهى يرتاده الصوماليون، وفي منتصف ليلة شتوية باردة، حين بسط الظلام هدوءَه المهيب على الدنيا، لاحظت أمرًا غريبًا، فيلسوف صومالي معروف أوصله العمر إلى عقده الثامن دون أن يرحمه. ذكرني بياض شعره بأيام وطني فما أن أبصرته حتى ارتجف في أعماقي حنين قديم.

بدت على وجهه ملامحُ وحدةٍ ثقيلة كأن الأيام مرّت عليه دون أن تترك له سوى الصمت رفيقًا. كان القلق يسكن عينيه، يتوارى فيهما ويظهر مع كل شرودٍ طويل، بينما ارتسمت الغربة على ملامحه كأثرٍ قديمٍ لا يمحوه الزمن، سرح طويلا كأنه يعبر ممراتٍ بعيدة في ذاكرته حين كان يُستضاف في الإذاعة القومية؛ راديو مقديشو.

يجلس وحيدًا أمام المقهى وقد ارتدى سترتين تقيانه البرد، ثمة أوراق مبعثرة تحيط به من الجانبين. أظنه كان يشعل سيجارة. كانت ملامحه كلها توحي بالحسرة على ما آلت إليه الأحوال.

توقفت قليلًا وأمعنت النظر إليه، فبادرني بالكلام:

ـ وكأنك تعرفني يا ولدي.
ـ نعم يا عم.
ـ إذًا، ما زلتُ أنا.

شعرت وكأنه أخذ نفسًا عميقًا، وأدرك أخيرًا أن ثمة أناسًا ما زالوا يعرفونه ويتذكرون ملامحه. طأطأ رأسه في شيء من الاعتزاز، وكأنه يسترجع الذكرى، الأيام التي كان يظن بأنه قادر على تغيير مستقبل الصومال بفلسفته، أو على الأقل إنقاذه من الانهيار، الأيام التي تحدّى فيها الدكتاتور المستبد سياد بَرّي.

إلا أنّ شوارع المهجر كان لها رأي آخر. هناك تبدأ الموتة البطيئة في الغربة، حيث يتحول انهيار الأوطان وجعًا وبؤسًا لا تزيله زهور الأشجار المتساقطة في الأزقة التي تتسلل الوحدة عبرها إلى قلوب الحالمين.

1781818150425.png

بعد سنتين من تلك الليلة، رحل وحيدًا كئيبًا في غربة لا ترحم؛ بلا وطن، ولا ملجأ، ولا مجتمع يرعاه، ولا حكومة تعرف قدره. طويت آخر صفحاته في مساءٍ خريفي ممطر في شارعٍ ناءٍ بالشمال البعيد، وحيدًا بين الصمت والغياب، إلى مثوى لا مفر منه.

إنها النهايات ليست أبدًا كالبدايات.

مرثية في البروفيسور صالح جامع حسين.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى