حين قرأتُ رواية (العالم ناقصاً واحداً) للمرة الأولى تأثرتُ بها كثيراً، دون أن أعرف أنني سأعيش مشاعر الفقد التي امتلأت بها، وكأنني جزء من الرواية. وبعد رحيل ابنتي الرسامة الملهمة سماء الأمير عدتُ إلى الكتاب باحثةً فيه عن مرآة مشاعري، لأكتب قراءةً وجدانيةً ترتبط بها. ولأنّ قراءتي للرواية أول مرة لم تكن مصادفة، ذلك أنّ كل ما يمرّ بنا ونتصور أنه حدث مصادفة يتضح لاحقاً أنّه ليس كذلك، إذا انتبهنا إلى الإشارات وفسرناها تفسيراً دقيقاً.
تقوم الرواية التي كتبتها الروائية المُجِدّة والمبدعة المعروفة ميسلون هادي على ثيمة الحرب، وفقدان الأب والأم معنى الحياة بفراق ابنهما الطيار علي. وهي تقترب كثيراً من مشاعري الأمومية الجريحة في الفقد والشوق والإنكار والأمل، وإن كان أبطالها آخرين وظروفهم تختلف عن ظروفي.
في الرواية تتساءل الأم كما تساءلتُ أنا. فكل الأمهات في مختلف قصص الفقد الواقعية تنبع أسئلتهن نديةً من بئر اللوعة، حين تنظر كل واحدة منهن إلى سطح الماء فترى وجه ابنها ودموعها: لماذا حصل لي ذلك أنا؟ لماذا ابني بالذات؟
شخصياً زاحمت مفردة "لماذا" رأسي طويلاً، وتساءلتُ: كم تحتل ابنتي مساحة من الوجود حتى يبخل بها عليها؟ إنّها لا تكلفه شيئاً يُذكر. إنها ناعمة، رقيقة الوجدان، صوتها كموسيقى الماء العذب، قلبها الصغير يتسع لكل العالم، عقلها يضاهي الكون، ووجودها إضافة للوجود الكلي لا ينقصه بشيء.
في الرواية يقول طيار زار والدَي الشهيد للتعزية:
«قسمته يا أمي... إننا في الجبهة نقول إن القذيفة تنطلق وهي تحمل معها أسماء الذين سيُقتلون بها... ألم يجئه الموت من مروحة طائرته نفسها بعد أن أخطأته قذيفة العدو... قسمته يا أمي، قسمته..».
في رواية حياتي الواقعية (رواية منعطفي الفاجع): منذ أيامها الأولى دخلتُ في حرب. قال طبيب الجملة العصبية إن ابنتي لن تصل إلى العشرين. إنها قسمتها.
في الرواية تسأل الأم:
"لماذا تسلقت لافتة الموت السوداء جدار بيتهم مثل بساط مشؤوم طالما كانت تراه على بيوت الآخرين، وتعتقد أنه سيتسلق كل الجدران إلّا جدران بيتها؟".
أنا لم أعلق لافتة سوداء، ولم أحدد صورة ابنتي بشريط حداد، لأنها في قلبي عصية على الموت. فقد قالت وكتبت ذات مرة، كأنها تستشرف القادم:
«لو أنّ الكوكب زال والعالم انتهى، تبقى لدينا كواكب نعيش فيها هي قلوب أمهاتنا».
ويبدو أنها استشرفت القادم، لأنها الآن تتخذ من قلبي كوكباً لها. كما أنّ لون الحزن لا يليق بمثلها، فهي مخلوقة من مشاعر نبيلة وألوان جميلة كورد الطبيعة، وهي كالشمس حين تغيب تشرق في مكان آخر.
الشمس في الرواية: "سقط نظر الأب على صورة ابنه المعلّقة على الجدار، وتجمدت نظرته هناك عدة دقائق وهو يفكر برغبة ابنه علي تلك للحاق بالشمس وهي تغيب.. كان يفكر بأن رغبته تلك تبدو كما لو أنها دخلت العقل الإلكتروني لهذا الكون، كما يدخل أي فايل معلومات إلى الحاسوب، ويحفظ لحين مجيء أوان استعماله.. ولا بد أن تلك الرغبة قد خُزنت هناك طيلة تلك السنوات حتى جاء أوان تنفيذها.. ثم فكر أنّ الشمس وحدها هي التي تغيب وتشرق من جديد في اليوم الثاني، فجعله ذلك يشعر بعزاء غريب يبرق في روحه، بل ويمده بالراحة ولو إلى حين".
في الرواية كذلك:
"كانت الأم قد عادت إلى الجلوس أثناء حديثه.. تهاوت على الكرسي وهي تشعر بأن العالم من حولها ينشرخ، وأن لا أحد يستطيع اللحاق بذلك الشرخ الماشي بسرعة ليوقفه، ثم بدت وكأنها أصبحت خارج العالم تماماً في مكان لا يصلها فيه أحد.... الأم جامدة في مكانها".
حين رحلت ابنتي تجمدتُ وأصبحت خارج العالم تماماً. فعالم ليس فيه ابنتي لا يستحق التواصل أو البقاء فيه.
في الرواية:
"تسقط الأصوات في الليل لتؤكد الصمت بدلاً من أن تبدده".
في روايتي الواقعية أخذ نواحي الليلي بالضرب على طبول الصمت، ونفخ شعور المرارة في ناي التمرد، إلى أن أتسمر على فراشي وسط ذهولي.
نعود إلى الرواية والعثور على أشياء مفقودة من آثار الابن الشهيد:
"كان البيت مليئاً بآثار حياة علي، لا بآثار موته، وثمة أحداث بسيطة مثل ظهور فردة حذائه المفقودة تجعل الأب يتساءل إن كان علي سيعود يوماً، وكأن الغياب قد يكتمل أو يُلغى بحسب ما يحدث من علامات صغيرة".
كذلك بيتي. عثرت على خصلة شعر لابنتي في مجفف الشعر، وطرت فرحاً كأنني أحتضن ابنتي. حفظت الخصلة في صندوق ذهبي وضعته في دولاب الملابس. وكنت، بسبب شدة الحزن، قد وزعت ملابس سماء لمن يحتاجها، بقصد الثواب، وأبقيت القليل من بلوزاتها للذكرى.
وبعد حين شعرت بالندم لأنني، وبسبب فقداني التركيز وسط الحزن، لم أحتفظ ببعض قمصانها التي أحبها. ولكن ذات يوم، وأنا أمدّ يدي إلى دولاب ملابسي، عثرت على قميص أبيض كان مختبئاً بينها. كان أكثر قميصاً تحبه سماء. وهذا ما جعلني أطير فرحاً. حضنته وقبّلته وشعرت بأنها بعثته لي. لم يكن عثوري عليه مصادفة، بل كان أمراً مدبّراً من القدر.
تتناول الرواية الاتصالات الهاتفية من حبيبة تجهل أن حبيبها استشهد:
"في الساعة الخامسة.. والخامسة دائماً.. تمتد يد الأم الناحلة وترفع السماعة وتهم باستمهال تلك الحبيبة المجهولة، لكنها تختلج وتصمت، ولا تغلق الخط إلّا بعد أن يكون قد انغلق من الطرف الآخر.. إنها تستبقي النداء المجهول وتجعل ابنها حياً ما دام هذا النداء موجوداً".
كذلك أنا حاولت إبقاء النداء الهاتفي مفتوحاً. فقد كنت أتصل على رقم ابنتي، فيرن هاتفها قربي. أراجع الرسائل المتبادلة بيني وبينها، وأكتب لها رسائل جديدة كأنها موجودة، وأردُّ على نفسي من هاتفها، كمجنونة.
في الرواية: زرع علي ياسميناً قرب الأرجوحة ليحظى بالضوء وينجو من الموت. وعندما تجمدت أغصانها من البرد ظهرت فجأة ورقة خضراء جديدة أعادت الحياة للنبتة، مانحة الأم لمحة فرح عابرة رغم فقدانها لابنها. وكانت جارتها تقول لها إنها رأت طيفاً يشبه علي أطل على الحديقة.
وفي واقعي: كنت قد جهزت سنادين زرع صممتها بطريقة جميلة من أجل ابنتي كي تنظر إليها من شيزلونجها في غرفة المعيشة. وبعد رحيلها بقيت أعتني بها. وحين تزهر وردة أقول إنها ابنتي أو رسالة منها تطمئنني بأنها بخير. كما أنني رأيت طيفها، وسمعت صوتها. كانت تظهر لي علامات هي رموز كانت بيننا في حياتها.
في نهاية الرواية ينبثق خاطر في رأس الأب يناقش الشك حول هوية جثة الطيار مُدَمَر الوجه، في ضوء ما قاله شهود عيان عن الحادث الذي وقع في قرية حدودية، وهم لم يروا المشهد كاملاً، فالطائرة المروحية كان فيها طياران، استشهد أحدهما ودفنه رجال غير معروفين للشهود في مكان سقوطها وجُرح الآخر ووقع في أسرهم. لا أحد يستطيع الجزم بأنّ السترة وبداخلها هوية علي وقرآنه وأوراقه الأخرى، والتي عُثر عليها قرب القبر تعود إلى الطيار الذي استشهد ودُفن، فقد تكون للطيار الذي نجا ووقع في الأسر.
زلزلت فكرة الأمل هذه كيان الأب، لينفتح القبر من جديد، ويظل فاغراً فمه في رأسه إلى الأبد.
أنا أيضاً انفتح القبر في رأسي حين كنت أتساءل: ماذا لو عادت إليّ ابنتي بشكل آخر؟ لأنّ أحبابنا عصيون على الموت دائماً. وسيظل القبر ينفتح من جديد فاغراً فمه في رأسي وقلبي إلى الأبد، مثل القبر في الرواية.
تقوم الرواية التي كتبتها الروائية المُجِدّة والمبدعة المعروفة ميسلون هادي على ثيمة الحرب، وفقدان الأب والأم معنى الحياة بفراق ابنهما الطيار علي. وهي تقترب كثيراً من مشاعري الأمومية الجريحة في الفقد والشوق والإنكار والأمل، وإن كان أبطالها آخرين وظروفهم تختلف عن ظروفي.
في الرواية تتساءل الأم كما تساءلتُ أنا. فكل الأمهات في مختلف قصص الفقد الواقعية تنبع أسئلتهن نديةً من بئر اللوعة، حين تنظر كل واحدة منهن إلى سطح الماء فترى وجه ابنها ودموعها: لماذا حصل لي ذلك أنا؟ لماذا ابني بالذات؟
شخصياً زاحمت مفردة "لماذا" رأسي طويلاً، وتساءلتُ: كم تحتل ابنتي مساحة من الوجود حتى يبخل بها عليها؟ إنّها لا تكلفه شيئاً يُذكر. إنها ناعمة، رقيقة الوجدان، صوتها كموسيقى الماء العذب، قلبها الصغير يتسع لكل العالم، عقلها يضاهي الكون، ووجودها إضافة للوجود الكلي لا ينقصه بشيء.
في الرواية يقول طيار زار والدَي الشهيد للتعزية:
«قسمته يا أمي... إننا في الجبهة نقول إن القذيفة تنطلق وهي تحمل معها أسماء الذين سيُقتلون بها... ألم يجئه الموت من مروحة طائرته نفسها بعد أن أخطأته قذيفة العدو... قسمته يا أمي، قسمته..».
في رواية حياتي الواقعية (رواية منعطفي الفاجع): منذ أيامها الأولى دخلتُ في حرب. قال طبيب الجملة العصبية إن ابنتي لن تصل إلى العشرين. إنها قسمتها.
في الرواية تسأل الأم:
"لماذا تسلقت لافتة الموت السوداء جدار بيتهم مثل بساط مشؤوم طالما كانت تراه على بيوت الآخرين، وتعتقد أنه سيتسلق كل الجدران إلّا جدران بيتها؟".
أنا لم أعلق لافتة سوداء، ولم أحدد صورة ابنتي بشريط حداد، لأنها في قلبي عصية على الموت. فقد قالت وكتبت ذات مرة، كأنها تستشرف القادم:
«لو أنّ الكوكب زال والعالم انتهى، تبقى لدينا كواكب نعيش فيها هي قلوب أمهاتنا».
ويبدو أنها استشرفت القادم، لأنها الآن تتخذ من قلبي كوكباً لها. كما أنّ لون الحزن لا يليق بمثلها، فهي مخلوقة من مشاعر نبيلة وألوان جميلة كورد الطبيعة، وهي كالشمس حين تغيب تشرق في مكان آخر.
الشمس في الرواية: "سقط نظر الأب على صورة ابنه المعلّقة على الجدار، وتجمدت نظرته هناك عدة دقائق وهو يفكر برغبة ابنه علي تلك للحاق بالشمس وهي تغيب.. كان يفكر بأن رغبته تلك تبدو كما لو أنها دخلت العقل الإلكتروني لهذا الكون، كما يدخل أي فايل معلومات إلى الحاسوب، ويحفظ لحين مجيء أوان استعماله.. ولا بد أن تلك الرغبة قد خُزنت هناك طيلة تلك السنوات حتى جاء أوان تنفيذها.. ثم فكر أنّ الشمس وحدها هي التي تغيب وتشرق من جديد في اليوم الثاني، فجعله ذلك يشعر بعزاء غريب يبرق في روحه، بل ويمده بالراحة ولو إلى حين".
في الرواية كذلك:
"كانت الأم قد عادت إلى الجلوس أثناء حديثه.. تهاوت على الكرسي وهي تشعر بأن العالم من حولها ينشرخ، وأن لا أحد يستطيع اللحاق بذلك الشرخ الماشي بسرعة ليوقفه، ثم بدت وكأنها أصبحت خارج العالم تماماً في مكان لا يصلها فيه أحد.... الأم جامدة في مكانها".
حين رحلت ابنتي تجمدتُ وأصبحت خارج العالم تماماً. فعالم ليس فيه ابنتي لا يستحق التواصل أو البقاء فيه.
في الرواية:
"تسقط الأصوات في الليل لتؤكد الصمت بدلاً من أن تبدده".
في روايتي الواقعية أخذ نواحي الليلي بالضرب على طبول الصمت، ونفخ شعور المرارة في ناي التمرد، إلى أن أتسمر على فراشي وسط ذهولي.
نعود إلى الرواية والعثور على أشياء مفقودة من آثار الابن الشهيد:
"كان البيت مليئاً بآثار حياة علي، لا بآثار موته، وثمة أحداث بسيطة مثل ظهور فردة حذائه المفقودة تجعل الأب يتساءل إن كان علي سيعود يوماً، وكأن الغياب قد يكتمل أو يُلغى بحسب ما يحدث من علامات صغيرة".
كذلك بيتي. عثرت على خصلة شعر لابنتي في مجفف الشعر، وطرت فرحاً كأنني أحتضن ابنتي. حفظت الخصلة في صندوق ذهبي وضعته في دولاب الملابس. وكنت، بسبب شدة الحزن، قد وزعت ملابس سماء لمن يحتاجها، بقصد الثواب، وأبقيت القليل من بلوزاتها للذكرى.
وبعد حين شعرت بالندم لأنني، وبسبب فقداني التركيز وسط الحزن، لم أحتفظ ببعض قمصانها التي أحبها. ولكن ذات يوم، وأنا أمدّ يدي إلى دولاب ملابسي، عثرت على قميص أبيض كان مختبئاً بينها. كان أكثر قميصاً تحبه سماء. وهذا ما جعلني أطير فرحاً. حضنته وقبّلته وشعرت بأنها بعثته لي. لم يكن عثوري عليه مصادفة، بل كان أمراً مدبّراً من القدر.
تتناول الرواية الاتصالات الهاتفية من حبيبة تجهل أن حبيبها استشهد:
"في الساعة الخامسة.. والخامسة دائماً.. تمتد يد الأم الناحلة وترفع السماعة وتهم باستمهال تلك الحبيبة المجهولة، لكنها تختلج وتصمت، ولا تغلق الخط إلّا بعد أن يكون قد انغلق من الطرف الآخر.. إنها تستبقي النداء المجهول وتجعل ابنها حياً ما دام هذا النداء موجوداً".
كذلك أنا حاولت إبقاء النداء الهاتفي مفتوحاً. فقد كنت أتصل على رقم ابنتي، فيرن هاتفها قربي. أراجع الرسائل المتبادلة بيني وبينها، وأكتب لها رسائل جديدة كأنها موجودة، وأردُّ على نفسي من هاتفها، كمجنونة.
في الرواية: زرع علي ياسميناً قرب الأرجوحة ليحظى بالضوء وينجو من الموت. وعندما تجمدت أغصانها من البرد ظهرت فجأة ورقة خضراء جديدة أعادت الحياة للنبتة، مانحة الأم لمحة فرح عابرة رغم فقدانها لابنها. وكانت جارتها تقول لها إنها رأت طيفاً يشبه علي أطل على الحديقة.
وفي واقعي: كنت قد جهزت سنادين زرع صممتها بطريقة جميلة من أجل ابنتي كي تنظر إليها من شيزلونجها في غرفة المعيشة. وبعد رحيلها بقيت أعتني بها. وحين تزهر وردة أقول إنها ابنتي أو رسالة منها تطمئنني بأنها بخير. كما أنني رأيت طيفها، وسمعت صوتها. كانت تظهر لي علامات هي رموز كانت بيننا في حياتها.
في نهاية الرواية ينبثق خاطر في رأس الأب يناقش الشك حول هوية جثة الطيار مُدَمَر الوجه، في ضوء ما قاله شهود عيان عن الحادث الذي وقع في قرية حدودية، وهم لم يروا المشهد كاملاً، فالطائرة المروحية كان فيها طياران، استشهد أحدهما ودفنه رجال غير معروفين للشهود في مكان سقوطها وجُرح الآخر ووقع في أسرهم. لا أحد يستطيع الجزم بأنّ السترة وبداخلها هوية علي وقرآنه وأوراقه الأخرى، والتي عُثر عليها قرب القبر تعود إلى الطيار الذي استشهد ودُفن، فقد تكون للطيار الذي نجا ووقع في الأسر.
زلزلت فكرة الأمل هذه كيان الأب، لينفتح القبر من جديد، ويظل فاغراً فمه في رأسه إلى الأبد.
أنا أيضاً انفتح القبر في رأسي حين كنت أتساءل: ماذا لو عادت إليّ ابنتي بشكل آخر؟ لأنّ أحبابنا عصيون على الموت دائماً. وسيظل القبر ينفتح من جديد فاغراً فمه في رأسي وقلبي إلى الأبد، مثل القبر في الرواية.