مطر يطيب التبلل به

مطرٌ يطيب التبلل به

قصة قصيرة بقلم :
محمد محمود غدية – مصر

في ضوء مصباح شحيح، وصمت الليل المطبق،
جلس بطل قصتنا أمام
أوراقه المبعثرة، يمسك
بقلمه كمن يمسك بخيطٍ
رفيع يربطه بعالمٍ آخر. البطلة لم تكن مجرد شخصية ورقية؛ فقد استنزفت سنواتٍ من عمره في صياغة ملامحها، تلك الشخصية التي لم يكتبها بقدر ما استحضرها
من أعماق روحه.

استطاعت إعادته إلى سيرته الأولى، وفلترة روحه، حيث النقاء والصفاء. وجد في طيبة قلبها ملاذًا من قسوة الواقع؛ كانت تمتلك قدرة عجيبة على مسامحة من خذلوها، ونظرة تملؤها الحكمة تجاه متاعب الحياة، وعطاءً لا ينتظر مقابلًا. في كل مرة كان يكتب فيها مشهدًا تواجه فيه البطلة ألمًا بابتسامة صبورة، يشعر بعدها وكأن جزءًا من قلبه يلتئم. احتسى فنجان قهوته، وأغلق هاتفه، وقد بدأ للتو رحلة ممتعة لن يثنيه أحد عن إتمامها، تأخذك -حيث لا تدري- إلى عالمٍ آخر من السحر والجمال؛ رواية تعود بنا إلى زمن الثياب الطويلة والعربات التي تجرها الخيول، حيث تمتلك البطلة شيئًا خاصًا يميزها عن جمهرة الحسان.

تنهد بطلنا، وألقى بقلمه جانبًا، ثم نظر إلى الفراغ
وقال بصوت خافت:
"لو كنتِ حقيقة.. لو أستطيع فقط أن أخبركِ كم أثّرتِ فيَّ!".

في تلك اللحظة، حدث ما لا يمكن تفسيره؛ تلاشت جدران غرفته، وحلّ محلها ضباب خفيف، ثم برزت من ذلك الضباب هيئة مألوفة؛ تحاكي البطلة بنفس الثوب الذي في زرقة البحر -الذي وصفه في الفصل الثالث- وبنفس بريق الفرح في عينيها. وقفت أمامه صامتة، لكنها نظرت إليه نظرة أدرك معها أنها تفهم كل ما مرّ به من عذابات الغياب والوحدة. لم تتحدث بكلمات، بل شعرت بيده ترتجف، فوضعت يدها بلطف على كتفه؛ كانت لمسة دافئة، حقيقية، تحمل طمأنينة
لا توجد إلا في قلوب
الطيبين حقًا.

أدرك حينها أنها لم تكن مجرد خيال، بل كانت تجسيدًا لكل ما هو جميل في البشر؛ شيءٌ كان يحمله في قلبه، وبدلاً من أن يبحث عنه في العالم، صنعه بيديه ليؤنس وحدته. ابتسمت له، ثم تراجعت خطوة إلى الوراء ليتلاشى الضباب تدريجيًا.
عاد الهدوء إلى الغرفة، وبقي بطلنا بمفرده، لكنه لم يعد يشعر بالوحدة. أخذ قلمه من جديد وبدأ يكتب، ليس ليروي قصتها، بل ليشكرها على أنها منحته -ولو للحظة- لمحة من تلك الطيبة التي كان يفتقدها في واقعه.

فتح المطر نوافذ الغرفة عنوة؛ مطرٌ منعش، يطيب للإنسان أن يتبلل به، هكذا قالت له مداعبةً.
شعر براحة وهو يقلب أوراق الحلم أو "رواية العمر"؛ من أين لبطلة الرواية كل هذه العواطف النبيلة؟
لأول مرة لا يخطئ الطريق إليها، بعد أن استخدم خياله، الحقيقة الوحيدة في عالمٍ
لا عوائق فيه .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى