من مريم أدلسون إلى اليمين الإسرائيلي: هل بدأ التصدع في جدار الدعم الأمريكي لتل أبيب؟
الاتفاق مع طهران يكشف حدود النفوذ الإسرائيلي في واشنطن ويضع نتنياهو أمام واحدة من أكبر هزائمه السياسية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم يكن الاتفاق الذي توصلت إليه واشنطن مع طهران حدثاً عادياً في الحسابات الإسرائيلية، بل مثّل صدمة سياسية واستراتيجية هزّت أركان المؤسسة الحاكمة في إسرائيل وأطلقت موجة انتقادات غير مسبوقة داخل الأوساط السياسية والإعلامية التي شكلت تاريخياً الحاضنة الأكثر دعماً للرئيس الأمريكي الحالي.
فاللافت في المشهد الراهن أن الاعتراض على الاتفاق لم يأتِ فقط من أقطاب اليمين الإسرائيلي المتشدد أو من شركاء بنيامين نتنياهو في الائتلاف الحكومي، بل امتد إلى وسائل إعلام وشخصيات ومراكز نفوذ ارتبطت لسنوات طويلة بدعم المشروع السياسي الذي جمع بين اليمين الأمريكي المحافظ واليمين الإسرائيلي.
ومن أبرز المؤشرات على حجم الأزمة ما صدر عن صحيفة "إسرائيل اليوم"، المعروفة بقربها من دوائر اليمين الإسرائيلي والمرتبطة بالميليارديرة اليهودية الأمريكية مريم أدلسون، التي تعد من أكبر الممولين والداعمين التقليديين للتيار المحافظ في الولايات المتحدة ومن أبرز الشخصيات المؤثرة في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية. فقد شهدت الصحيفة خلال الفترة الأخيرة نشر مقالات وتحليلات شديدة الانتقاد للاتفاق مع طهران، وصلت في بعض الأحيان إلى تحميل الإدارة الأمريكية مسؤولية ما اعتبرته فشلاً في استثمار نتائج المواجهة العسكرية لتحقيق الأهداف التي كانت تراهن عليها إسرائيل.
ولا تكمن أهمية هذه الانتقادات في مضمونها فحسب، بل في الجهة التي تصدر عنها. فحين تبدأ أصوات من داخل البيئة السياسية والإعلامية التي دعمت الرئيس الأمريكي لعقود في التعبير عن خيبة أملها، فإن ذلك يعكس وجود أزمة حقيقية تتجاوز الخلافات التكتيكية المعتادة بين الحلفاء.
كما أن حالة الاعتراض امتدت إلى عدد من المنابر الإعلامية الأمريكية المحافظة والمقربة من التيار المؤيد لإسرائيل، والتي اعتبرت أن الاتفاق منح إيران مكاسب سياسية واستراتيجية دون أن يحقق الشروط التي طالبت بها إسرائيل منذ سنوات، والمتمثلة في إنهاء كامل للقدرات النووية الإيرانية وتقييد برنامج الصواريخ الباليستية وتقليص النفوذ الإقليمي لطهران.
وفي السياق ذاته، برزت تحركات وضغوط داخل أوساط جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، التي سعت إلى ممارسة نفوذها داخل الكونغرس للمطالبة بمراجعة الاتفاق والحصول على ضمانات أمريكية إضافية تحافظ على التفوق الاستراتيجي الإسرائيلي. ورغم أن هذه التحركات لم تصل بعد إلى مستوى المواجهة المفتوحة التي شهدتها الولايات المتحدة خلال الجدل حول الاتفاق النووي عام 2015، فإنها تعكس حالة قلق متنامية من التحول الذي بدأت ملامحه تظهر في مقاربة واشنطن للملف الإيراني.
ومن الناحية الاستراتيجية، فإن جوهر الخلاف لا يتعلق بإيران وحدها، بل بمستقبل الدور الأمريكي في الشرق الأوسط. فالإدارة الأمريكية تنظر إلى المنطقة اليوم من زاوية مختلفة عما كانت عليه خلال العقود الماضية. إذ أصبحت الأولوية بالنسبة لواشنطن تتمثل في تجنب الحروب الطويلة والمكلفة، وتوجيه الموارد نحو التحديات العالمية الكبرى، وفي مقدمتها المنافسة مع القوى الدولية الصاعدة، في حين لا تزال إسرائيل تنظر إلى إيران باعتبارها التهديد المركزي الذي يجب مواجهته بكل الوسائل.
وهنا تظهر المعضلة الأساسية التي تواجه حكومة بنيامين نتنياهو. فالرجل الذي جعل من الملف الإيراني محوراً رئيسياً في مشروعه السياسي وجد نفسه أمام اتفاق لم يستطع منعه، وأمام إدارة أمريكية اتخذت قرارها النهائي وفقاً لحساباتها الوطنية الخاصة، وليس وفقاً للرؤية الإسرائيلية التي سعت إلى استثمار المواجهة العسكرية لإحداث تغيير جذري في موازين القوى الإقليمية.
وتكمن خطورة هذا التطور بالنسبة لنتنياهو في أنه يأتي في وقت يواجه فيه أزمات داخلية متراكمة تتعلق بالحرب في غزة، والانقسامات المجتمعية والسياسية، وتراجع الثقة بالمؤسسة الحاكمة، وتزايد الانتقادات من داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية. ولذلك فإن فشله في التأثير على القرار الأمريكي بشأن إيران لا يمثل مجرد انتكاسة دبلوماسية، بل قد يُسجل كواحدة من أكبر الهزائم السياسية والاستراتيجية في مسيرته.
أما بالنسبة للرئيس الأمريكي، فإن الاتفاق يضعه أمام تحديات لا تقل تعقيداً. فهو يواجه حملة إعلامية وسياسية من أطراف كانت حتى وقت قريب من أقرب حلفائه، كما يواجه ضغوطاً من جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل ومن قطاعات واسعة داخل الكونغرس. غير أن الإدارة الأمريكية تبدو مقتنعة بأن مصالح الولايات المتحدة تقتضي منع الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة، حتى لو أدى ذلك إلى توتر مع بعض حلفائها التقليديين.
وفي ضوء هذه المعطيات، لا يبدو أن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية تتجه نحو القطيعة أو الانفصال، فحجم المصالح المشتركة والتعاون العسكري والأمني والاقتصادي بين البلدين أكبر من أن يتأثر بخلاف حول ملف واحد مهما بلغت أهميته. لكن ما يجري اليوم قد يكون مؤشراً على بداية مرحلة جديدة تتراجع فيها قدرة إسرائيل على فرض رؤيتها بالكامل على صانع القرار الأمريكي، وتزداد فيها مساحة الاستقلالية الأمريكية في تحديد أولوياتها الاستراتيجية.
وعليه، فإن الاتفاق مع طهران لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تفاهم سياسي عابر، بل باعتباره اختباراً حقيقياً لمستقبل العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. كما أنه يكشف للمرة الأولى منذ سنوات طويلة حدود النفوذ الإسرائيلي داخل مراكز القرار الأمريكية عندما تتعارض المصالح الإسرائيلية مع الحسابات الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة.
وإذا كان الاتفاق قد منح طهران متنفساً سياسياً ودبلوماسياً، فإنه في المقابل كشف حجم المأزق الذي تواجهه الحكومة الإسرائيلية، وأظهر أن القدرة على التأثير في القرار الأمريكي لم تعد مطلقة كما كانت في السابق. ولذلك قد يُسجل هذا الاتفاق مستقبلاً ليس فقط كنقطة تحول في العلاقة الأمريكية الإيرانية، بل أيضاً كبداية مرحلة جديدة في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، عنوانها أن التحالف مستمر، لكن النفوذ لم يعد كما كان، وأن الخاسر السياسي الأكبر حتى الآن هو بنيامين نتنياهو وحكومته التي فشلت في منع مسار كانت تعتبره تهديداً مباشراً لمشروعها الاستراتيجي.
الاتفاق مع طهران يكشف حدود النفوذ الإسرائيلي في واشنطن ويضع نتنياهو أمام واحدة من أكبر هزائمه السياسية
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم يكن الاتفاق الذي توصلت إليه واشنطن مع طهران حدثاً عادياً في الحسابات الإسرائيلية، بل مثّل صدمة سياسية واستراتيجية هزّت أركان المؤسسة الحاكمة في إسرائيل وأطلقت موجة انتقادات غير مسبوقة داخل الأوساط السياسية والإعلامية التي شكلت تاريخياً الحاضنة الأكثر دعماً للرئيس الأمريكي الحالي.
فاللافت في المشهد الراهن أن الاعتراض على الاتفاق لم يأتِ فقط من أقطاب اليمين الإسرائيلي المتشدد أو من شركاء بنيامين نتنياهو في الائتلاف الحكومي، بل امتد إلى وسائل إعلام وشخصيات ومراكز نفوذ ارتبطت لسنوات طويلة بدعم المشروع السياسي الذي جمع بين اليمين الأمريكي المحافظ واليمين الإسرائيلي.
ومن أبرز المؤشرات على حجم الأزمة ما صدر عن صحيفة "إسرائيل اليوم"، المعروفة بقربها من دوائر اليمين الإسرائيلي والمرتبطة بالميليارديرة اليهودية الأمريكية مريم أدلسون، التي تعد من أكبر الممولين والداعمين التقليديين للتيار المحافظ في الولايات المتحدة ومن أبرز الشخصيات المؤثرة في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية. فقد شهدت الصحيفة خلال الفترة الأخيرة نشر مقالات وتحليلات شديدة الانتقاد للاتفاق مع طهران، وصلت في بعض الأحيان إلى تحميل الإدارة الأمريكية مسؤولية ما اعتبرته فشلاً في استثمار نتائج المواجهة العسكرية لتحقيق الأهداف التي كانت تراهن عليها إسرائيل.
ولا تكمن أهمية هذه الانتقادات في مضمونها فحسب، بل في الجهة التي تصدر عنها. فحين تبدأ أصوات من داخل البيئة السياسية والإعلامية التي دعمت الرئيس الأمريكي لعقود في التعبير عن خيبة أملها، فإن ذلك يعكس وجود أزمة حقيقية تتجاوز الخلافات التكتيكية المعتادة بين الحلفاء.
كما أن حالة الاعتراض امتدت إلى عدد من المنابر الإعلامية الأمريكية المحافظة والمقربة من التيار المؤيد لإسرائيل، والتي اعتبرت أن الاتفاق منح إيران مكاسب سياسية واستراتيجية دون أن يحقق الشروط التي طالبت بها إسرائيل منذ سنوات، والمتمثلة في إنهاء كامل للقدرات النووية الإيرانية وتقييد برنامج الصواريخ الباليستية وتقليص النفوذ الإقليمي لطهران.
وفي السياق ذاته، برزت تحركات وضغوط داخل أوساط جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، التي سعت إلى ممارسة نفوذها داخل الكونغرس للمطالبة بمراجعة الاتفاق والحصول على ضمانات أمريكية إضافية تحافظ على التفوق الاستراتيجي الإسرائيلي. ورغم أن هذه التحركات لم تصل بعد إلى مستوى المواجهة المفتوحة التي شهدتها الولايات المتحدة خلال الجدل حول الاتفاق النووي عام 2015، فإنها تعكس حالة قلق متنامية من التحول الذي بدأت ملامحه تظهر في مقاربة واشنطن للملف الإيراني.
ومن الناحية الاستراتيجية، فإن جوهر الخلاف لا يتعلق بإيران وحدها، بل بمستقبل الدور الأمريكي في الشرق الأوسط. فالإدارة الأمريكية تنظر إلى المنطقة اليوم من زاوية مختلفة عما كانت عليه خلال العقود الماضية. إذ أصبحت الأولوية بالنسبة لواشنطن تتمثل في تجنب الحروب الطويلة والمكلفة، وتوجيه الموارد نحو التحديات العالمية الكبرى، وفي مقدمتها المنافسة مع القوى الدولية الصاعدة، في حين لا تزال إسرائيل تنظر إلى إيران باعتبارها التهديد المركزي الذي يجب مواجهته بكل الوسائل.
وهنا تظهر المعضلة الأساسية التي تواجه حكومة بنيامين نتنياهو. فالرجل الذي جعل من الملف الإيراني محوراً رئيسياً في مشروعه السياسي وجد نفسه أمام اتفاق لم يستطع منعه، وأمام إدارة أمريكية اتخذت قرارها النهائي وفقاً لحساباتها الوطنية الخاصة، وليس وفقاً للرؤية الإسرائيلية التي سعت إلى استثمار المواجهة العسكرية لإحداث تغيير جذري في موازين القوى الإقليمية.
وتكمن خطورة هذا التطور بالنسبة لنتنياهو في أنه يأتي في وقت يواجه فيه أزمات داخلية متراكمة تتعلق بالحرب في غزة، والانقسامات المجتمعية والسياسية، وتراجع الثقة بالمؤسسة الحاكمة، وتزايد الانتقادات من داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية. ولذلك فإن فشله في التأثير على القرار الأمريكي بشأن إيران لا يمثل مجرد انتكاسة دبلوماسية، بل قد يُسجل كواحدة من أكبر الهزائم السياسية والاستراتيجية في مسيرته.
أما بالنسبة للرئيس الأمريكي، فإن الاتفاق يضعه أمام تحديات لا تقل تعقيداً. فهو يواجه حملة إعلامية وسياسية من أطراف كانت حتى وقت قريب من أقرب حلفائه، كما يواجه ضغوطاً من جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل ومن قطاعات واسعة داخل الكونغرس. غير أن الإدارة الأمريكية تبدو مقتنعة بأن مصالح الولايات المتحدة تقتضي منع الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة، حتى لو أدى ذلك إلى توتر مع بعض حلفائها التقليديين.
وفي ضوء هذه المعطيات، لا يبدو أن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية تتجه نحو القطيعة أو الانفصال، فحجم المصالح المشتركة والتعاون العسكري والأمني والاقتصادي بين البلدين أكبر من أن يتأثر بخلاف حول ملف واحد مهما بلغت أهميته. لكن ما يجري اليوم قد يكون مؤشراً على بداية مرحلة جديدة تتراجع فيها قدرة إسرائيل على فرض رؤيتها بالكامل على صانع القرار الأمريكي، وتزداد فيها مساحة الاستقلالية الأمريكية في تحديد أولوياتها الاستراتيجية.
وعليه، فإن الاتفاق مع طهران لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تفاهم سياسي عابر، بل باعتباره اختباراً حقيقياً لمستقبل العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. كما أنه يكشف للمرة الأولى منذ سنوات طويلة حدود النفوذ الإسرائيلي داخل مراكز القرار الأمريكية عندما تتعارض المصالح الإسرائيلية مع الحسابات الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة.
وإذا كان الاتفاق قد منح طهران متنفساً سياسياً ودبلوماسياً، فإنه في المقابل كشف حجم المأزق الذي تواجهه الحكومة الإسرائيلية، وأظهر أن القدرة على التأثير في القرار الأمريكي لم تعد مطلقة كما كانت في السابق. ولذلك قد يُسجل هذا الاتفاق مستقبلاً ليس فقط كنقطة تحول في العلاقة الأمريكية الإيرانية، بل أيضاً كبداية مرحلة جديدة في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، عنوانها أن التحالف مستمر، لكن النفوذ لم يعد كما كان، وأن الخاسر السياسي الأكبر حتى الآن هو بنيامين نتنياهو وحكومته التي فشلت في منع مسار كانت تعتبره تهديداً مباشراً لمشروعها الاستراتيجي.