أعتقد أنّ الكتابة هي التي تدفع المبدع أحياناً في لحظة ضعف إلى الانتحار،بل هي المسؤولة عن هذا الخيار في بعض الأوقات؛وذلك لاعتبارات كثيرة،فهي من ناحية تيقظ في المبدع شعور الإحباط والعجز بعد أن يدرك أنّ الكتابة ليست صاحبة التّأثير الحقيقيّ في التّغيير والإصلاح والتّهذيب،ويصل إلى قناعة إلى أنّ أثر الكتابة لا يتعدّى أحياناً من قام به خلا بعض الأشخاص المرهفين الذين تؤثّر الكتابة فيهم،في حين أنّ الحقيقة الكبرى المأساويّة والمفجعة هي أنّ الماديّات والمصالح هي ذات التأثير الكبير والحقيقيّ والمؤكّد على معظم شرائح المجتمع،فأمام حقيقة كهذه يلجأ المبدع على الانتحار لتكون هذه النّهاية معادلاً موضوعيّاً لفجيعته وخيبة أمله وفشله وضعفه،لاسيما أنّ الكتابة هي من قادته في الغالب إلى الأفكار المثالية والمطالب الأخلاقيّة والآمال الإصلاحيّة في حين أنّ الواقع مختلف عن هذه الدّروب،بل هو أحياناً مضادّ لها،عدوّ لاتّجاهها الذي يقود المبدع في الغالب إلى الوحدة وإلى حالة صداميّة مع المجتمع،فيعيش المبدع في الغالب في حالة عزلة ورفض وانكفاء على حياته وانقطاع عن مجتمعه إلى حدّ قد يمنعه من التّواصل معه والعمل معه وكسب رزقه منه،فتتعاظم أزمته،وتكبر قطيعته،ويزداد احتياجه وحرمانه،ويرفض بكلّ تأكيد أن يستجدي هذا المجتمع الذي لفظه بكلّ قسوة فيلجأ إلى الانتحار ليختار بنفسه وبكامل إرادته أن يغادر مجتمعه دون ندم أو ترّدد.انتحار المبدع في الغالب هو آخر صيحة احتجاج على مجتمعه وعلى قيمه وعلى إخفاق قلمه في أن يغيّر واقع وأن يصلح المجتمع والنّاس.
المبدعين كلّهم الذين انتحروا عبر التّاريخ كانوا يمثّلون حالات إحباط حقيقيّة،والكتابة هي من حرّضتهم بحقّ لاختيار الموت،ولو لم يكونوا كتّاباً لاختاروا في الغالب أقداراً أخرى،ولكن الكتابة تقدّم دائماً خيارات مثاليّة غير قابلة للتّحوير،فالكاتب يكون أمام خيارين لا ثالث لهما،فإمّا الإصلاح وإمّا الرّحيل،ولأنّ الواقع يقول لهم لا للإصلاح والمثاليّة وقيم العدالة والخير والجمال،ونعم للظّلم والفساد والإفساد والماديّات واستعباد الإنسان وهصره،فهم يجدون نفسهم أمام خيار الرّحيل دون المناص منه،ولذلك يحمل المبدع المنتحر في الأحوال كلّها خيبة أمل من المجتمع ومن نفسه عندما تعجز عن تحقيق مراده أيّاً كان،ورحيلهم يجيب عن أسئلتهم الوجوديّ كافّة،إذ إنّه يكتب بكلّ صفاقة على إبداعهم وحياتهم وتجاربهم: لا فائدة من المحاولة!!!
بقلم: أ. د.سناء الشعلان (بنت نعيمة)/ الأردن
المبدعين كلّهم الذين انتحروا عبر التّاريخ كانوا يمثّلون حالات إحباط حقيقيّة،والكتابة هي من حرّضتهم بحقّ لاختيار الموت،ولو لم يكونوا كتّاباً لاختاروا في الغالب أقداراً أخرى،ولكن الكتابة تقدّم دائماً خيارات مثاليّة غير قابلة للتّحوير،فالكاتب يكون أمام خيارين لا ثالث لهما،فإمّا الإصلاح وإمّا الرّحيل،ولأنّ الواقع يقول لهم لا للإصلاح والمثاليّة وقيم العدالة والخير والجمال،ونعم للظّلم والفساد والإفساد والماديّات واستعباد الإنسان وهصره،فهم يجدون نفسهم أمام خيار الرّحيل دون المناص منه،ولذلك يحمل المبدع المنتحر في الأحوال كلّها خيبة أمل من المجتمع ومن نفسه عندما تعجز عن تحقيق مراده أيّاً كان،ورحيلهم يجيب عن أسئلتهم الوجوديّ كافّة،إذ إنّه يكتب بكلّ صفاقة على إبداعهم وحياتهم وتجاربهم: لا فائدة من المحاولة!!!
بقلم: أ. د.سناء الشعلان (بنت نعيمة)/ الأردن