عيد الأب 21 يونيو
في قرية المزيندة قريتي النموذجية الصغيرة، حيث كانت مناجم الفوسفاط تبتلع عرق العمال، وحيث كان الفقر ضيفاً دائماً على البيوت، عاش رجل بسيط اسمه سي عباس الدخنوني. أذكر منها ما حكى لي أخي الأكبر عن قصة كتبها أديب المزيندة المهدي الناقوس عنوانها البحت عن عباس ، ولآل الناقوس حكاية في الأدب والطب والتعليم سنعود لها لاحقا
فعباس الدخنوني لم يكن يحمل شهادة، ولم يكتب اسمه بخط يده، لكن الحياة منحته شهادة أخرى لا تُمنح في المدارس: شهادة الإيمان بأن العلم هو أول طريق إلى الحرية.
كان أمياً، لكنه لم يكن جاهلاً.
كان يدرك، وهو يرى المستعمر الفرنسي ومن التف حوله يسيطرون على المناجم والإدارة والمعرفة، أن المعركة الحقيقية لا تُحسم بالبندقية وحدها، بل تُحسم أيضاً بالكتاب، وبالمدرسة، وبالعقل الذي يعرف كيف يفكر.
لذلك كان يشتري الجرائد كلما استطاع، رغم أنه لا يقرأها بنفسه. كان يحملها إلى بيته كما يحمل الفلاح بذور الموسم الجديد، منتظراً اليوم الذي يكبر فيه أبناؤه ليقرؤوا ما عجز هو عن قراءته. كان يؤمن بأن الجريدة التي لا يفهمها اليوم ستصبح غداً نافذة يطل منها أبناؤه على العالم.
ولم يخب ظنه.
فمن ذلك البيت خرج الشاعر والأديب والطبيب عبد القادر وساط، المعروف عند أجيال من المغاربة باسم “أبو سلمى”، الذي جعل من الكلمات المسهمة في جريدة الاتحاد الاشتراكي مدرسة للغة والثقافة، وترك بصمة كبيرة في الشعر والترجمة والطب النفسي.
وخرج أيضاً مبارك وساط، أستاذ الفلسفة والشاعر، الذي حمل مشعل الفكر والإبداع، وأسهم مع أخيه في إثراء المشهد الثقافي المغربي، حتى صار اسم آل وساط يحضر في الأدب المغربي باحترام وتقدير.
أما عمر وساط، الذي يكبرني بضع سنوات ، ذلك النابغة الشاب الذي شبهته حينها في مدينة اليوسفية ب نتشه الحمري كان بارعا في الرياضيات، كما برع أخوه الجيلالي أستاذ الرياضيات والاشتراكي بالمبادئ ليس بالصور ، فقد رحل في ريعان شبابه، لكنه ترك في ذاكرة من عرفوه صورة الشاب المتفوق الذي كان يمكن أن يضيف الكثير لو امتد به العمر.
لقد كانوا جميعاً جيراننا في قرية المزيندة، قبل أن يصبحوا أسماء يعرفها كثير من المغاربة. وكنا نرى في بيتهم مثالاً للأسرة التي جعلت من المعرفة أسلوب حياة، لا وسيلة للوجاهة.
وحين أستعيد تلك الأيام، لا أتذكر الأب سي عباس إلا مبتسماً، بسيطاً، هادئاً، لكنه يحمل مشروعاً أكبر من إمكاناته. لم يكن يملك مكتبة، لكنه صنع قرّاء. ولم يكن أستاذاً، لكنه ربّى أساتذة. ولم يكن شاعراً، لكنه أنجب شعراء. ولم يكن فيلسوفاً، لكنه آمن بالفكر قبل كثير من المتعلمين.
هكذا يكون الآباء الكبار.
إنهم لا يورثون أبناءهم المال وحده، بل يورثونهم الحلم.
سلام على سي عباس الدخنوني، الرجل الذي فهم، بفطرته الصافية، أن مقاومة الاستعمار تبدأ من المدرسة، وأن تحرير العامل يبدأ بتحرير العقل، وأن أعظم إرث يتركه الأب لأبنائه ليس قطعة أرض، بل حب المعرفة.
ورحم الله عمر وساط، وأطال عمر عبد القادر ومبارك والجبلالي وساط، وجزاهم خيراً على ما قدموه للأدب والفكر والثقافة المغربية.
ونِعمَ الجيران كانوا… ونِعمَ الأسرة التي أثبتت أن البيوت الطينية قد تُخرج للعالم عقولاً تضيء أكثر من القصور
د. ابراهيم عروش الدريسي
في قرية المزيندة قريتي النموذجية الصغيرة، حيث كانت مناجم الفوسفاط تبتلع عرق العمال، وحيث كان الفقر ضيفاً دائماً على البيوت، عاش رجل بسيط اسمه سي عباس الدخنوني. أذكر منها ما حكى لي أخي الأكبر عن قصة كتبها أديب المزيندة المهدي الناقوس عنوانها البحت عن عباس ، ولآل الناقوس حكاية في الأدب والطب والتعليم سنعود لها لاحقا
فعباس الدخنوني لم يكن يحمل شهادة، ولم يكتب اسمه بخط يده، لكن الحياة منحته شهادة أخرى لا تُمنح في المدارس: شهادة الإيمان بأن العلم هو أول طريق إلى الحرية.
كان أمياً، لكنه لم يكن جاهلاً.
كان يدرك، وهو يرى المستعمر الفرنسي ومن التف حوله يسيطرون على المناجم والإدارة والمعرفة، أن المعركة الحقيقية لا تُحسم بالبندقية وحدها، بل تُحسم أيضاً بالكتاب، وبالمدرسة، وبالعقل الذي يعرف كيف يفكر.
لذلك كان يشتري الجرائد كلما استطاع، رغم أنه لا يقرأها بنفسه. كان يحملها إلى بيته كما يحمل الفلاح بذور الموسم الجديد، منتظراً اليوم الذي يكبر فيه أبناؤه ليقرؤوا ما عجز هو عن قراءته. كان يؤمن بأن الجريدة التي لا يفهمها اليوم ستصبح غداً نافذة يطل منها أبناؤه على العالم.
ولم يخب ظنه.
فمن ذلك البيت خرج الشاعر والأديب والطبيب عبد القادر وساط، المعروف عند أجيال من المغاربة باسم “أبو سلمى”، الذي جعل من الكلمات المسهمة في جريدة الاتحاد الاشتراكي مدرسة للغة والثقافة، وترك بصمة كبيرة في الشعر والترجمة والطب النفسي.
وخرج أيضاً مبارك وساط، أستاذ الفلسفة والشاعر، الذي حمل مشعل الفكر والإبداع، وأسهم مع أخيه في إثراء المشهد الثقافي المغربي، حتى صار اسم آل وساط يحضر في الأدب المغربي باحترام وتقدير.
أما عمر وساط، الذي يكبرني بضع سنوات ، ذلك النابغة الشاب الذي شبهته حينها في مدينة اليوسفية ب نتشه الحمري كان بارعا في الرياضيات، كما برع أخوه الجيلالي أستاذ الرياضيات والاشتراكي بالمبادئ ليس بالصور ، فقد رحل في ريعان شبابه، لكنه ترك في ذاكرة من عرفوه صورة الشاب المتفوق الذي كان يمكن أن يضيف الكثير لو امتد به العمر.
لقد كانوا جميعاً جيراننا في قرية المزيندة، قبل أن يصبحوا أسماء يعرفها كثير من المغاربة. وكنا نرى في بيتهم مثالاً للأسرة التي جعلت من المعرفة أسلوب حياة، لا وسيلة للوجاهة.
وحين أستعيد تلك الأيام، لا أتذكر الأب سي عباس إلا مبتسماً، بسيطاً، هادئاً، لكنه يحمل مشروعاً أكبر من إمكاناته. لم يكن يملك مكتبة، لكنه صنع قرّاء. ولم يكن أستاذاً، لكنه ربّى أساتذة. ولم يكن شاعراً، لكنه أنجب شعراء. ولم يكن فيلسوفاً، لكنه آمن بالفكر قبل كثير من المتعلمين.
هكذا يكون الآباء الكبار.
إنهم لا يورثون أبناءهم المال وحده، بل يورثونهم الحلم.
سلام على سي عباس الدخنوني، الرجل الذي فهم، بفطرته الصافية، أن مقاومة الاستعمار تبدأ من المدرسة، وأن تحرير العامل يبدأ بتحرير العقل، وأن أعظم إرث يتركه الأب لأبنائه ليس قطعة أرض، بل حب المعرفة.
ورحم الله عمر وساط، وأطال عمر عبد القادر ومبارك والجبلالي وساط، وجزاهم خيراً على ما قدموه للأدب والفكر والثقافة المغربية.
ونِعمَ الجيران كانوا… ونِعمَ الأسرة التي أثبتت أن البيوت الطينية قد تُخرج للعالم عقولاً تضيء أكثر من القصور
د. ابراهيم عروش الدريسي