د. أحمد الحطاب - وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا… إلى آخرِ الآية

عنوان هذه المقالة، هو الآية رقم 28 من سورة سبأ. ونصها الكامل، هو الآتي : "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ".

ما يهمني في هذه الآية الكريمة، هو، أولاً، أن الرسولَ، محمد (ص) أُرسِلَ للبشرية جمعاء. وثانياً، أريدُ أن أُخْضِعَ الجزء الأخير من الآية، أي "وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ"، لتحليلٍ دقيقٍ précis، عميق profond وعقلاني rationnel.

فيما يخص رسالةَ آخر الرسل والأنبياء، محمد (ص)، الآية واضحة، أي أن محمدا أُرْسِلَ للبشرية جمعاء، وليس لقومٍ دون آخرين. صحيحٌ أن الرسالة بدأت في شبه الجزيرة العربية، لكن هذا لا يعني أن رسالةَ الإسلام تخص العرب وحدهم. القرآن الكريم واضحٌ، كما سبق الذكر، في هذا الشأن.

أما الجزء الأخير من نفس الآية، أي "وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ"، فتحليلُه يتطلَّب قدراً من التَّدبُّر la méditation والعقلانية la rationalité. ولهذا، سأحلِّل هذا الجزء من الآية، لأخرجَ، في نهاية التَّحليل، باستِنتاجٍ يتلاءم مع العقل ومع ما يتطلَّبه عصرنا الحاضر من عقلانيةٍ rationalité ونباهة clairvoyance.

أول استنتاج نستَخلِصه من الآية، برمَّتها، هو أن رسالةَ الإسلامِ موجهة للبشرية جمعاء بدون استثناء. لكن الناس الذين آمنوا بهذه الرسالة قليلون بالمقارنة مع الذين لا علمَ لهم بها. لماذا؟

قبل الإجابة على "لماذا؟"، أثير الانتباهَ إلى أن عددَ سكان الأرض كان، آنذاك وحسب التَّقديرات الديمغرافية لتلك الفترة من الزمان، أي في القرن السابع الميلادي، يتراوح بين 170 و 210 ملايين نسمة، موزَّعين على القارات الخمس، علما أن القارة الاسيويه كانت تحظى بأكبر عددٍ من السكان، الذي كان يتراوح بين 100 و 120 مليون نسمة.

آنذاك، كان عددُ سكان شبه الجزيرة العربية، التي ظهرت فيها رسالة الإسلام، كان يتراوح بين 7 و 10 ملايين نسمة، موزَّعين على مختلف مناطق هذه الشبه الجزيرة.

فمن الطبيعي أن يكونَ عددُ الناس، الذين آمنوا برسالة الإسلام، محدوداً حتى في شبه الجزيرة العربية. لماذا؟ لأن وسائل النقل والتنقُّل كانت مقتصِرةً على الدواب، أي الحمير والبغال والجمال والأحصنة. وحتى العربات التي تجرُّها الأحصنة les chevaux، آنذاك، كانت غير موجودة. ولا داعي للقول أن التنقُّل من منطقة إلى أخرى، في شبه الجزيرة العربية، أو من شمالها إلى جنوبِها، كان يستغرق عدة أيام.

أما بالنسبة لمناطق الأرض الأخري التي كان عددُ سكانها يتجاوز بكثير عددَ سكانِ شبه الجزيرة العربية، فسكان هذه المناطق من الأرض، لا علمَ لهم برسالة الإسلام. إلا، بالطبع، ما كان يتم من نشرٍ لهذه الرسالة عن طريق التبادلات التجارية البحرية بين البلدان. ونفس الأسباب التي كانت سببا في محدودية انتشار رسالة الإسلام، في شبه الجزيرة العربية، تنطبق على باقي مختلف مناطق الأرض، البعيدة عن شبه الجزيرة العربية.

إذن، عندما قال، سبحانه وتعالى، "وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ"، فهذا أمرٌ يدعِّمه الواقعُ الذي كان الناس يعيشون في ظروفِه، حين ظهور رسالة الإسلام.

"أَكْثَرَ"، في هذه الآية الكريمة، تعني الأغلبية la majorité, أي النصف بزيادة الكثير من سكان الأرض. وهذا هو ما بيَّنتُه أعلاه.

أما بالنسبة لعصرِنا الحاضر، فالأمر معقَّدٌ، إلى أبعد حدٍّ. لماذا؟ لأنه، كلما تقدَّم عمرُ البشرية، كلما طرأت تغييرات جذرية في المجتمعات البشرية، في نمط الحياة، بمعناها الواسع، أي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. والحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، يكون وراءها إنتاج المعرفة، إما عن طريق التجربة التي بواسطتها، يتعامل الناس مع الواقع، وإما عن طريق البحث العلمي الذي ظهر لأول مرة، بكيفية عقلانية ومُنتظِمة، خلال القرن السابع عشر.

وهذا يعني أن نمط الحياة يتغيَّر. وأهمُّ ما تغيَّر في نمط الحياة، وله علاقة بنشر رسالة الإسلام، هو التطوُّر الهائل الذي عرفته وتعرِفه وسائل النقل والتنقُّل، أي وسائل المواصلات، وكذلك، وسائل التَّواصل. وسائل المواصلات، في عصرِنا الحاضر، قريت المسافات وتجاوزت الحدود. أما وسائل التواصل، فقد ألغت هذه المسافات والحدود.

فلماذا قلت أعلاه، "بالنسبة لعصرِنا الحاضر، فالأمر معقَّدٌ"؟ والتعقيد يأتي عندما قال، سبحانه وتعالى، "لَا يَعْلَمُونَ"، أي لاعلمَ لهم بهذه الرسالة. وهنا يكمن التعقيد حينما يكون العلم (الخبر) متعمَّداً أو غير متعمَّد. وقد أقول، في هذا الصدد، ان غير المسلمين لا عذرَ لهم، بحكم التَّطوُّر الذي عرفته وتعرفه وستعرفه وسائل التواصل. وذلك، بسبب التقدم الذي يعرفه الذكاء الاصطناعي. ولعل ما سيأتي من هذه المقالة سيُلقي بعض الضوء على هذا التَّعقيد.

أولاً، ما يُفهَم من هذه الآية الكريمة، أي "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ"، هو أن الفئة التي آمنت برسالة الإسلام، عددُ مُسلمِيها قليل بالمقارنة مع عدد غير المسلمين. وهذا الأمر لا يزال قائم الذات، في عصرنا الحاضر. والأرقام التالية تبين ذلك. حيث أن عددَ المسلمين، في العالم، يُقارب 2 مليار مسلم، بينما عدد غير المسلمين يفوق 6 ملايير شخص، بما في ذلكٌ، الأديان الوضعية les religions non révélées، كالهندوسية l'hindouisme والبوذية le bouddhisme، التي هي من صُنع الإنسان، والملحدين les athées.

ثانيا، ربما هذا الوضع سينقلب رأسا على عقبٍ، أي أن عددَ المسلمين، في العقود أو القرون المُقبِلة، سيصبح أكبر، بكثيرٍ، من العدد الحالي. والسبب الرئيسي في هذه الزيادة، هو أن الإسلام هو أسرع الأديان نمواً وانتشاراً، وذلك طِبقاً لما جاء في القرآن الكريم، وبالضبط، في الآية رقم 55 من سورة النور : "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ".

في هذه الآية الكريمة، وعدُ الله موجَّهٌ للمسلمين المؤمنين. لكن لماذا أقول المسلمين المؤمنين؟ المسلم، هو الذي اتخذ الإسلامَ كدينٍ، وغالِبا عن طريق الوراثة. أم المؤمن هو المسلم الذي آمن برسالة الإسلام كما نزَّلها الله على نبيه ورسوله، محمد (ص). لكن، بأي شيء وعد الله، سبحانه وتعالى، المسلمين المؤمنين؟

وعدهم بالاستِخلاف، أي بأجيالٍ تموت ويحلُّ محلَّها أجيالٌ أخرى، ربما أكثر عددا، من السابق، لأن دينَ الإسلام هو أسرع الأديان نموا والنتشارا. كما وعدهم بتمكين الدين الذي ارتضى لهم، وهو الإسلام. والتمكين، في هذه الآية الكريمة، هو منحُ القوة والسيادة للإسلام. والقوة والسيادة تكونان بتوسُّعِ الانتشار. وما يؤكِّد هذين الاستخلاف والتَّمكين، هو أن فعلي "لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ" و "وَلَيُمَكِّنَنَّ" جاءا بصيغة التوكيد والاستمرار، أي أن هذين الاستخلافَ والتَّمكينَ سيحدثان، مُسْتَقْبَلاً.
  • Like
التفاعلات: نقوس المهدي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى