قتلتنا الرِّدَّة يا مولاي... "الخوف من السّؤال.."

قتلتنا الرِّدَّة يا مولاي... "الخوف من السّؤال.."
........
- لم يكن مظفر النواب يبالغ حين صرخ: "قتلتنا الرِّدَّة يا مولاي"، فقد أدرك أنّ موت الأمم لا يبدأ بسقوط المدن، وإنما يبدأ حين تسقط المعاني، وحين تتراجع القيم التي صنعت مجدها، وحين يتحول الحلم الكبير إلى شظايا متناحرة، ويصبح الماضي ملاذًا للهاربين لا منبعًا للمجددين.
لم تقتلنا الهزائم العسكرية وحدها، فالهزائم قد تصنع أممًا أكثر قوة، وإنما قتلتنا ردة العقل حين توقف عن السّؤال، وردّة السّياسة حين تحوّلت الدّولة إلى غاية بدل أن تكون وسيلة لخدمة الإنسان، وردّة الثقافة حين استبدلت المعرفة بالشّعارات، والإبداع بالتّكرار، والنقد بالتقديس،
والحوار بالتّخوين.قتلتنا ردّة الضمير، حين أصبح الفساد مهارة، والانتهازية ذكاء، والصمت حكمة، والخوف فضيلة. قتلتنا ردة الأخلاق قبل ردة الأنظمة، لأنّ الطغيان لا يولد في القصور وحدها، بل يجد جذوره في النّفوس التي اعتادت الخضوع، وفي العقول التي ألفت تبرير الهزيمة، وفي المجتمعات التي فضلت السّلامة على الحرية.
- لقد كنّا أمةً دخلت التاريخ بالكتاب، فإذا بنا نخرج من معارك العصر بلا كتاب. وكنّا أمةً أقامت حضارتها على السّؤال والاجتهاد، فإذا بنا نخاف السّؤال ونرتاب من كل اجتهاد. وبينما كانت الأمم تبني المستقبل بالعلم، كنا نستهلك الوقت في حروب الذاكرة، ونفتش عن أجوبة القرن
الحادي والعشرين في خصومات القرون الغابرة،ولم تكن المأساة في افتقارنا إلى الثّروات، فالنّفط لا يصنع حضارة، كما أن الفقر لا يمنع نهضة. اليابان خرجت من الرّماد، وكوريا الجنوبية خرجت من الحرب، والصين خرجت من المجاعة، لكن هذه الأمم امتلكت ما هو أثمن من الموارد: امتلكت الإنسان، وأدركت أن أعظم استثمار ليس في باطن الأرض، بل في العقول التي تسير فوقها.
لقد أخطأنا حين ظننا أن النّهضة قرار سياسي، بينما هي في حقيقتها ثورة ثقافية وأخلاقية ومعرفية طويلة. فلا وطن قويًا بأجهزة الأمن وحدها، ولا مجتمع متماسكًا بالخطب الرنانة، ولا أمة عظيمة بتمجيد أمجاد الأسلاف. فالأجداد لم يورثونا المجد لكي نتغنى به، بل لكي نضيف إليه.
إنّ الأزمة العربية ليست أزمة جغرافيا، بل أزمة رؤية. وليست أزمة موارد، بل أزمة إدارة. وليست أزمة دين، بل أزمة فهم للدين، ولا أزمة هوية، بل أزمة عجز عن تحويل الهوية إلى مشروع حضاري. فما أكثر ما تحدثنا عن الأمة، وما أقل ما بنينا من شروط وجودها. وما أكثر ما رفعنا الشعارات، وما أقل ما احترمنا الإنسان الذي من أجله تُرفع الشعارات.
وحين نفقد الإنسان، نفقد كل شيء. فالأوطان لا تقاس بعدد الأبراج، وإنما بعدد العقول الحرة. ولا تقاس بمساحة الأرض، وإنما بمساحة العدالة فيها. ولا تقاس بحجم الجيوش، وإنما بقدرتها
على حماية الكرامة والمعرفة والحق،ومع ذلك، فإن أخطر أنواع الردة ليست الردة عن الماضي، بل الردة عن المستقبل. أن نصدق أن التخلف قدر، وأن الاستبداد مصير، وأن التبعية حتمية، وأن هذه الأمة قد استنفدت رسالتها التاريخية. تلك هي الهزيمة الحقيقية.
إن الخروج من النفق لا يبدأ بلعن الظلام، بل بإعادة بناء الإنسان العربي على أساس الحرّية والمسؤولية والعلم والعمل. يبدأ من مدرسة تعلم التفكير لا الحفظ، ومن جامعة تصنع المعرفة لا الشّهادات، ومن إعلام يوقظ الوعي لا الغرائز، ومن سياسة تجعل المواطن غايةً لا أداة، ومن
ثقافة تؤمن بأن الاختلاف ثراء لا خيانة،فالأمم لا تنهض بالمعجزات، وإنما تنهض حين تتصالح مع العقل، وتحترم القانون، وتكرم الإنسان، وتجعل العلم عقيدةً يومية لا شعارًا موسميًا.
لقد قال مظفر النواب: «قتلتنا الرِّدَّة يا مولاي»، لكن التاريخ نفسه يعلمنا أن ما يقتل الأمم ليس السقوط، وإنما الإصرار على البقاء في القاع. أما الذين يمتلكون شجاعة الاعتراف، وجرأة
النقد، وإرادة البناء، فإنهم يحولون الهزائم إلى بدايات جديدة،ولعل السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا
ليس: لماذا تأخرنا؟بل: إلى متى سنؤجل ولادة الإنسان العربي الذي يستحقه هذا التاريخ،
وتستحقه هذه الأرض، وتنتظره الأجيال القادمة؟فالأمم لا تموت حين تُهزم، بل تموت حين تتصالح مع هزيمتها، ونحن لم نُخلق لنكون حراسًا لأطلال الماضي، بل شركاء في صناعة المستقبل.
Voir moins
Peut être une image de ‎une personne ou plus, estrade et ‎texte qui dit ’‎Regatta ៉ាប្. 재내 فنباي おはし Prietid Ai NYONENN Pegatte الفنون رعاية وزيرة النقافة مليكة ان دورة רקך קרל حو اتی h ثقافيي LURe MyeuLuRe.> و τυ MYGU قلي الدخول مجاني وان 2026‎’‎‎

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى