يحيى بركات - شنغهاي بعين فلسطينية

في كل عام، حين تضاء شاشات كان أو برلين أو البندقية، نعرف تقريبًا ماذا سنرى.
صور النجوم.
السجاد الأحمر.
الجوائز.
العناوين الكبرى.

لكن هذا العام وجدت نفسي أنظر في اتجاه آخر.
إلى الشرق.
إلى مدينة تبعد آلاف الكيلومترات عن فلسطين.

مدينة لا تطل على البحر المتوسط، ولا تتحدث لغات أوروبا، لكنها أصبحت خلال أيام قليلة واحدة من أكثر عواصم السينما ازدحامًا في العالم.

شنغهاي.
لم أكن هناك.

لكنني تابعت المهرجان كما يتابع المخرج فيلمًا لم يكتمل بعد.
يوماً بعد يوم.
خبرًا بعد خبر.
صورة بعد صورة.
كنت أبحث عن المهرجان نفسه.
عن روحه.
عن الناس الذين يصنعونه.

وعن السر الذي جعل مهرجانًا آسيويًا يستقبل أكثر من أربعة آلاف فيلم من مئة وخمس وعشرين دولة ومنطقة، ويجذب مئات الآلاف من المشاهدين، بينما ما زال اسمه يمر في الإعلام العربي مرورًا عابرًا مقارنة بمهرجانات أوروبا.

مع الأيام بدأت الصورة تتضح.
شنغهاي ليس نسخة آسيوية عن كان.
ولا محاولة صينية لتقليد البندقية أو برلين.
إنه شيء آخر.

مهرجان ولد من روح قارة كاملة بدأت تعيد اكتشاف نفسها.
في القاعات كانت الأفلام الصينية والكورية واليابانية والهندية والتايلندية وأفلام آسيا الوسطى تقف جنبًا إلى جنب مع أفلام أوروبا وأمريكا اللاتينية وأمريكا الشمالية.
وكان المشهد يقول شيئًا واحدًا:
آسيا لم تعد ضيفًا على السينما العالمية.
لقد أصبحت أحد أصحاب البيت.

لفتني أن المهرجان لم يكن يتعامل مع السينما كاحتفال موسمي.
بل كصناعة.
كاقتصاد.
كمستقبل.
فبين قاعات العرض كانت هناك مدينة أخرى تتحرك في الخلفية.
مدينة لا يراها الجمهور عادة.
سوق الفيلم.
منصات تطوير المشاريع.
لقاءات الإنتاج المشترك.
ورش العمل.
المنتجون الباحثون عن أفكار جديدة.
والمخرجون الباحثون عن شركاء.
والمشاريع التي لم تصبح أفلامًا بعد.

هناك أدركت أن بعض الأفلام تبدأ حياتها قبل سنوات من ظهورها على الشاشة.
وأن بعض أهم المشاهد في السينما لا تُصوَّر بالكاميرا أصلاً.
بل تولد حول طاولة صغيرة في سوق فيلم.

وفي الوقت الذي كانت فيه الكاميرات تلاحق النجوم، كان الإعلام الصيني يطرح أسئلة مختلفة.
كيف ستتغير السينما؟
كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي في الصناعة؟
ما مستقبل المنصات الرقمية؟
كيف يمكن للسينما المستقلة أن تحافظ على مكانها؟

وكيف يمكن لآسيا أن تتحول من سوق ضخمة للأفلام إلى أحد المراكز التي تصنع مستقبل السينما نفسها؟
كانت أسئلة تنظر إلى الأمام.
لا إلى الخلف.
وكأن القارة التي كانت قبل عقود تتلقى الصورة القادمة من الآخرين، قررت أن تصبح واحدة من صانعيها.

وكان للحضور العربي مكانه في المشهد.
التونسية درة بوشوشة في لجنة التحكيم الرئيسية.

وهي واحدة من أهم الشخصيات العربية التي كرست سنوات طويلة لدعم السينما المستقلة العربية والإفريقية.
وأسبوع كامل للسينما المصرية احتفاءً بسبعين عامًا من العلاقات المصرية الصينية.

وحضور أردني لافت عبر فيلم "بومة" للمخرج زيد أبو حمدان، وفيلم "غرق" الذي أثار اهتمامًا لدى جمهور المهرجان.

وكان جميلًا أن ترى قصصًا عربية تصل إلى جمهور لا تجمعه بنا اللغة، لكن تجمعه بنا الإنسانية.

ففي النهاية، السينما لا تحتاج إلى مترجم كي تنقل الخوف أو الحب أو الحنين أو الفقدان.

وعندما أُعلنت الجوائز، لم يكن فوز الفيلم الصيني بالكأس الذهبية أهم ما استوقفني.

فالجوائز، مهما كانت مهمة، تبقى جزءًا من الحكاية.

أما الحكاية الأكبر فكانت خارج منصة التتويج.
في القاعات الممتلئة.
في الجمهور الذي يناقش الأفلام.
في الندوات.
في سوق الفيلم.
وفي تلك الثقة التي شعرت بها قارة كاملة وهي تتقدم نحو موقع جديد على الخريطة الثقافية للعالم.

وأنا أتابع كل ذلك، كنت أفكر بالجمهور أكثر مما أفكر بالأفلام.
الجمهور الآسيوي.
من الصين إلى الهند.
ومن كوريا إلى اليابان.

ومن جنوب شرق آسيا إلى أستراليا.
مئات الملايين من البشر الذين يشاهدون الأفلام ويصنعون ذائقة جديدة ويؤثرون في السوق العالمية ويشاركون في رسم صورة العالم القادم.

وهنا بدأت أطرح على نفسي سؤالًا مختلفًا.
لماذا ما زلنا نحن العرب ننظر إلى آسيا باعتبارها بعيدة؟
ولماذا ما زالت مهرجاناتها تحظى باهتمام أقل بكثير مما تحظى به المهرجانات الأوروبية؟

صحيح أن أوروبا ستبقى فضاءً مهمًا للسينما الفلسطينية والعربية.
وصحيح أن الغرب ما زال لاعبًا رئيسيًا في تشكيل الرأي العام العالمي.
لكن العالم يتغير.
والاقتصاد يتغير.
والتحالفات تتغير.
والسينما تتحرك مع هذه التحولات.

ولهذا فإن الاهتمام بمهرجانات مثل شنغهاي لم يعد مجرد فضول ثقافي.
بل ضرورة مهنية وثقافية واستراتيجية.
فهناك أسواق جديدة.
وجماهير جديدة.
وشبكات إنتاج جديدة.
وفرص جديدة للتأثير.

وبالنسبة لنا كفلسطينيين، فإن أهمية هذا الجمهور لا تتوقف عند السينما وحدها.
فنحن لا نبحث فقط عن مشاهد لفيلم فلسطيني.
بل عن إنسان يعرف فلسطين.
ويفهم حكايتها.
ويرى ما يجري على أرضها.
ويتعرف إلى حقيقة الاحتلال والاستيطان والحروب التي لا تنتهي.

فإذا كان الغرب يمثل ساحة أساسية لمعركة الرواية الفلسطينية بحكم علاقته التاريخية والسياسية بإسرائيل، فإن الشرق يكتسب أهمية متزايدة لا يمكن تجاهلها.

هناك أيضًا شعوب يجب أن تسمع الرواية الفلسطينية.

وأن ترى الإبادة والحصار وجرائم الحرب.

وأن تتعرف إلى طبيعة المشروع الاستيطاني الإحلالي الذي ما زال يلتهم الأرض الفلسطينية منذ عقود.

في نهاية المطاف...

لم يكن أكثر ما شدني في مهرجان شنغهاي اسم الفيلم الفائز.
ولا أسماء النجوم.
ولا السجادة الحمراء.
بل شعور آخر.

شعور بأن آسيا بدأت تستعيد مكانها الطبيعي على الشاشة العالمية.
لا كمستهلك للسينما.
بل كصانع لها.
وكمنتج لها.
وكشريك في رسم مستقبلها.

وربما لهذا السبب تحديدًا يجب أن تمنح السينما الفلسطينية والعربية هذه المهرجانات اهتمامًا أكبر.

ليس فقط من أجل الجوائز.
ولا من أجل المشاركة الرمزية.
بل من أجل الجمهور.
ومن أجل الحوار.

ومن أجل بناء جسور جديدة مع جزء من العالم يزداد تأثيره يومًا بعد يوم.

فالمستقبل السينمائي لا يُكتب اليوم في الغرب وحده.

والطريق إلى العالم لم يعد يمر من اتجاه واحد فقط.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
22/6/2026




FB_IMG_1782131531944.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى