عنوان هذه المقالة، هو الذي دفعني لأختارَ الآية رقم 30 من سورة الأنبياء لأبيِّنَ للقارئ أن علمَ الله، سبحانه وتعالى، أوسع وأشمل من علم البشر. بل إن العلمَ البشري هو تسخيرٌ ونِعمةٌ من الله. وذلك، بفضل العقل الذي منحَه للبشر وميزهم عن باقي مخلوقاته الحية. والآية نصُّها الكامل هو الآتي: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ"
كلامُ الله، سبحانه وتعالى، في هذه الآية، موجَّهٌ للكُفار الذين يعرفون، حقَّ المعرفة، أن اللهَ موجود. لكنهم يتنكًّرون لهذا الوجود. فأراد، عزَّ وجلَّ، أن يُبيِّنَ لهم قدرتَه على الخلقِ والإبداع. فقال لهم، جلَّ عُلاه : "أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا…". وفعلُ "رأى"، في هذا الجزء من الآية، لا يدلُّ على الرؤية بالعين المُجرَّدة. بل يدل على الإدراك. بمعنى "ألَم يُدرك الذين كفروا" القدرةَ الإلهيةَ على الخلقِ والإبداع.
لكن ليس هذا هو موضوع هذه المقالة. موضوعُ هذه المقالة، هو الجزء الآخَر من نفس الآية الكريمة، أي "...أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ…".
في هذا الجزء من الآية، يُخبِرنا، سبحانه وتعالى، بأن السماواتِ (جمع سماء) والأرضَ كانتا تشكِّلان جُزأً واحداً أو جزأً ملتحِماً une partie unique، أو بعبارةٍ أوضح، كانتا وحدةً قائمةَ الذات une unité distincte (كَانَتَا رَتْقًا). وحسب بعض النظريات العلمية quelques théories scientifiques، أن المادة la matière والطاقة l'énergie، كانتا مضغوطتين في نقطةّ شديدة الحرارة وأصغر من رأس الإبرة.
ثم، قال ويقول، جلَّ علاه، "…فَفَتَقْنَاهُمَا…"، أي ففَصلناهما إلى أجزاء، أي إلى أجزاء منفصلة بعضها عن البعض الآخر. والأجزاء، هنا، هي إشارةٌ للكون، في أول مراحل تكوينِه، الذي دام، كليا، 13,8 مليار سنة. وخلال هذه الفترة الزمانية، تكونت المجرَّات les galaxies، بما في ذلك مجرة التبانة la Voie lactée التي تحتوي على النظام الشمسي le système solaire.
وهذا هو ما بيَّنه العٍلمُ الحديث la science contemporaine، من خلال نظرية تمدُّد الكون l'extension de l'univers، أو ما سماه بعض علماء الفيزياء الفلكية l'astrophysique، نظرية الانفجار العظيم la théorie du big bang. وهذا يعني أن الكونَ أصلُه، هو هذان التَّمدُّد أو الانفجار.
وهنا لا بدَّ من توضيحٍ من الأهمية بمكان. فحينما تكون كلمة "سماوات" مقترِنةً، في القرآن الكريم، بكلمة أرض، فالمقصود هو الكون علما أن "السماوات" هي التي تتضمَّن المجرات les galaxies. وانطِلاقاً من هاتين النظريتين، اكتشف علماء الفيزياء الفلكية les astrophysiciens أن الكون يوجدُ، حاليا، في حالة توسُّعٍ (تمدُّدٍ) مستمر une expansion continue. وهذا ما جاء، فعلا، في الآية رقم 47 من سورة الذاريات: "وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ". "لَمُوسِعُونَ"، في هذه الآية الكريمة، تدل على الاستمرارية la continuité في التوسُّع.
وهنا، لا يجب أن ننسى أن خلقَ الكون استغرق، حسب ما توصل له علماء الكون les cosmologistes أو les astrophysiciens 13.8 مليار سنة، وهي المدة التي دام فيها هذا الخلق إلى يومنا هذا. وهي مدةٌ طويلة جدا، قد لا يستوعبها العقل البشري، وقد لا يستوعب، كذلك، التغييرات التي تطرأ على الكون، لسبب بسيط، وهو أن حياتَه، إن طالت، قد لا تتجاوز 100 سنة.
ثم قال ويقول، سبحانه وتعالى : "...وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ…". هذا دليل على وجود الماء لما قام، سبحانه وتعالى، بفتق الرتق. والماء، خلافاً لما هو شائعٌ عند كثيرٍ من الناس، في حدُِّ ذاتِه، ليس مادة عضوية. بل إنه مادة معدنية une matière minérale ou un composé minéral ou inorganique، أي لا تحتوي تركيبتُها الكيميائية على عنصر الكربون الذي يميِّز المادة العضوية la matière organique، الضرورية لمختلف وظائفُ الحياة، بالمعنى البيولوجي. لكن الماءَ، كعنصُرٍ معدني، يلعب أدواراً كثيرةً عند جميع الكائنات الحية، حيوانأت ونباتات.
بعد هذه التوضيحات الخاصة بالماء، كعنصُر حيوي له أدوار طبيعية (بيئية) وفيزيولوجية، فما هو المقصود من هذا الجزء من الآية، أي "...وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ…".
المقصود، هو أن الماء، كعنصرٍ كيميائي، كان موجودا عندما أقبل، سبحانه وتعالى، على فتق الرتق، أي الجزء الامُتناهي الصِّغر. وهذا يعني أن الحياةَ، بمفهومِها البيولوجي، انطلقت من الماء. والدليل على ذلك أن اللهُ، سبحانه وتعالى، قال ويقول "وَجَعَلْنَا" ولم يقل وخلقنا من الماء كل شيءٍ حي. ولقد سبق أن قلتُ، في إحدى مقالاتي المنشورة على صفحتي، أن الله، سبحانه وتعالى، حينما يستعمل، في القرآن الكريم، فعل "جعل"، فالشيءُ المجعول، يكون موجوداً أو كائِناً، أي له وجودٌ ملموسٌ. وهذا يعني انه، عزَّ وجلَّ، عندما قال "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ"، فالماءُ كان موجوداً وفيه/ومنه بدأت الحياة، بالمعنى البيولوجي. مثلاً، حين قال ويقول، سبحانه وتعالى في الآية رقم 124 من سورة البقرة : "وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ". فحين أراد، سبحانه وتعالى، أن يجعلَ من نبيِّه إبراهيم، إماماً للناس، فإبراهيم كان موجوداً. ثم، لا ننسى أن "مِن"، كحرف جرٍّ، له أدوار نحوية مختلفة. دوره، في هذه الآية الكريمة، هو "بداية الغاية المكانية والزمانية". بمعنى واضح أن الحياةَ، بالمعنى البيولوجي، انطلقت من الوسط المائي وترعرعت فيه، ثم منه، انتقلت إلى البر والجو.
وهذا هو ما بيَّنه العِلمُ الحديث la science contemporaine، من خلال نظريات التطوُّر les théories de l'évolution. والعلمُ الحديث بيَّن، كذلك، أن الماءَ يدخل في تكوين الكائنات الحية وله أدوارٌ كثيرةٌ عند هذه الكائنات الحية. والدليل على ذلك أن جميع هذه الكائنات الحية يدخُل في تركيبتِها الكيميائية، كميةٌ من الماء يختلف حجمُها أو وزنُها من نوعٍ إلى آخرَ من الأحياء. مثلا، حجمُ الماء، في جسم الإنسان، تتراوح نِسبتُه ما بين 60 إلى 65% من الوزن الإجمالي لهذا الجسم. وحتي الأشياء التي، ظاهِرياً، توحي بأنها خالية من الماء، عندما تُسخَّن في أنبوب زجاجي، فإنها تُطلِق قطراتِ ماءٍ تلتصِق بجدار هذا الأنبوب. وهذا هو الشأن، مثلاً، بالنسبة لبذور الحبوب les graines de céréales.
ومرةً أخرى، أقول وأذكِّر بأن القرآن الكريم ليس كتاب علوم، بالمفهوم الدنيوي. إنه يُشير إلى بعض الظواهر الفيزيائية certains phénomènes physiques، لكنه لا يفسِّرها. والدليل على ذلك أن القرآن الكريم لا توجد به أية نظرية علمية aucune théorie scientifique من ضمن النظريات التي توصَّل لها العلم الحديث. لماذا؟
لأن النظريات العلمية تتطوَّر حسب التَّقدُّم الذي حصل ويحصل في مختلف المجالات العلمية. فكلما خطا العلمُ خطواتٍ إلى الأمام، من خلال التحقيق والملاحظات والتجارب، أي من خلال البحث العلمي، إلا وجاء بالجديد في مجال الإنتاج العلمي. والجديد هو الذي يؤدي إلى تغيير النظريات العلمية. وما دامت النظريات العلمية تتغيَّر حسب الزمان والمكان، فمن المنطقي أن لا يشيرَ لها القرآن الكريم.
والله، سبحانه وتعالى، قال ويقول في الآية رقم 85 من سورة الإسراء : "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا". ويقول، كذلك، في الآية رقم 255 من سورة البقرة، وهي آية الكُرسي : "...يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ…
هاتان الآيتان تبيِّنان، بوضوحٍ، أن علمَ الله واسع وأوسع بكثيرٍ من علم البشر. وأن إتاحتَه للبشر رهينةٌ بالإرادة الإلهية. وهذا يعني أن علمَ البشر، مهما تضخَّم وكبُر إنتاجه، يبقى قليلاً أو ضئيلاً بالمقارنة مع علم الله. ثم إن علمَ البشر يشمل، فقط وحصريا، الكرةَ الأرضيةَ والأجواء المحيطة بها وبعض الكواكب والنظام الشمسي، فما بالك بالمجرات les galaxies التي يُعتقد أن عدَدَها يقارب أو يفوق 2000 مليار مجرة، وكل مجرة تُعَدُّ نجومُها بالمليارات. فهل تتصوَّرون الحجمَ الهائل والمُذهِل لعلم الله الخاص بالكون بمجراتِه ونجومِه؟
وهنا، لا تفوتني الفرصة لأبيِّن للقارئ الفرقَ الشاسعَ بين الفيزياء التي هي علمٌ من علوم الطبيعة science de la nature والميتافيزقيا la métaphysique التي هي فرعٌ من الفلسفة التي تنتِج المعارف إنطلاقا، فقط وحصريا، من التفكير العقلاني والمنطقي، علما أن هذه المعارف ليست حقائق لها مايّبرِّرها من أدِلة. بل إنها ليست إلا تخمينات des suppositions تدخل كلها في علم الغيب le monde de l'inconnaissabable.
بينما الفيزياء، كعلمٍ دنيوي comme une science terrestre تستمد جذورَها من الحضارة اليونانية. والفيزياء، كعلمٍ دنيوي، أي كعلمٍ بشري، يعتمد، في إنتاج المعرفة، على الملاحظة l'observation وصياغة الفرضيات la formulation des hypothèses والتجريب l'expérimentation والاستنتاج la déduction والتحقُّق la vérification.
وعودةً للآية رقم 85 من سورة الإسراء : "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا". هذه الآية تؤكِّد وجودَ علم الغيب. وأن ما قد تتوصل له الميتافيزيقيا من معارف ليس إلا تخمينات لا أقل ولا أكثر! بل تؤكَّد أن علمَ البشر محدودٌ، وعلمَ الله،سبحانه وتعالى، أوسع وأسنل.
كلامُ الله، سبحانه وتعالى، في هذه الآية، موجَّهٌ للكُفار الذين يعرفون، حقَّ المعرفة، أن اللهَ موجود. لكنهم يتنكًّرون لهذا الوجود. فأراد، عزَّ وجلَّ، أن يُبيِّنَ لهم قدرتَه على الخلقِ والإبداع. فقال لهم، جلَّ عُلاه : "أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا…". وفعلُ "رأى"، في هذا الجزء من الآية، لا يدلُّ على الرؤية بالعين المُجرَّدة. بل يدل على الإدراك. بمعنى "ألَم يُدرك الذين كفروا" القدرةَ الإلهيةَ على الخلقِ والإبداع.
لكن ليس هذا هو موضوع هذه المقالة. موضوعُ هذه المقالة، هو الجزء الآخَر من نفس الآية الكريمة، أي "...أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ…".
في هذا الجزء من الآية، يُخبِرنا، سبحانه وتعالى، بأن السماواتِ (جمع سماء) والأرضَ كانتا تشكِّلان جُزأً واحداً أو جزأً ملتحِماً une partie unique، أو بعبارةٍ أوضح، كانتا وحدةً قائمةَ الذات une unité distincte (كَانَتَا رَتْقًا). وحسب بعض النظريات العلمية quelques théories scientifiques، أن المادة la matière والطاقة l'énergie، كانتا مضغوطتين في نقطةّ شديدة الحرارة وأصغر من رأس الإبرة.
ثم، قال ويقول، جلَّ علاه، "…فَفَتَقْنَاهُمَا…"، أي ففَصلناهما إلى أجزاء، أي إلى أجزاء منفصلة بعضها عن البعض الآخر. والأجزاء، هنا، هي إشارةٌ للكون، في أول مراحل تكوينِه، الذي دام، كليا، 13,8 مليار سنة. وخلال هذه الفترة الزمانية، تكونت المجرَّات les galaxies، بما في ذلك مجرة التبانة la Voie lactée التي تحتوي على النظام الشمسي le système solaire.
وهذا هو ما بيَّنه العٍلمُ الحديث la science contemporaine، من خلال نظرية تمدُّد الكون l'extension de l'univers، أو ما سماه بعض علماء الفيزياء الفلكية l'astrophysique، نظرية الانفجار العظيم la théorie du big bang. وهذا يعني أن الكونَ أصلُه، هو هذان التَّمدُّد أو الانفجار.
وهنا لا بدَّ من توضيحٍ من الأهمية بمكان. فحينما تكون كلمة "سماوات" مقترِنةً، في القرآن الكريم، بكلمة أرض، فالمقصود هو الكون علما أن "السماوات" هي التي تتضمَّن المجرات les galaxies. وانطِلاقاً من هاتين النظريتين، اكتشف علماء الفيزياء الفلكية les astrophysiciens أن الكون يوجدُ، حاليا، في حالة توسُّعٍ (تمدُّدٍ) مستمر une expansion continue. وهذا ما جاء، فعلا، في الآية رقم 47 من سورة الذاريات: "وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ". "لَمُوسِعُونَ"، في هذه الآية الكريمة، تدل على الاستمرارية la continuité في التوسُّع.
وهنا، لا يجب أن ننسى أن خلقَ الكون استغرق، حسب ما توصل له علماء الكون les cosmologistes أو les astrophysiciens 13.8 مليار سنة، وهي المدة التي دام فيها هذا الخلق إلى يومنا هذا. وهي مدةٌ طويلة جدا، قد لا يستوعبها العقل البشري، وقد لا يستوعب، كذلك، التغييرات التي تطرأ على الكون، لسبب بسيط، وهو أن حياتَه، إن طالت، قد لا تتجاوز 100 سنة.
ثم قال ويقول، سبحانه وتعالى : "...وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ…". هذا دليل على وجود الماء لما قام، سبحانه وتعالى، بفتق الرتق. والماء، خلافاً لما هو شائعٌ عند كثيرٍ من الناس، في حدُِّ ذاتِه، ليس مادة عضوية. بل إنه مادة معدنية une matière minérale ou un composé minéral ou inorganique، أي لا تحتوي تركيبتُها الكيميائية على عنصر الكربون الذي يميِّز المادة العضوية la matière organique، الضرورية لمختلف وظائفُ الحياة، بالمعنى البيولوجي. لكن الماءَ، كعنصُرٍ معدني، يلعب أدواراً كثيرةً عند جميع الكائنات الحية، حيوانأت ونباتات.
بعد هذه التوضيحات الخاصة بالماء، كعنصُر حيوي له أدوار طبيعية (بيئية) وفيزيولوجية، فما هو المقصود من هذا الجزء من الآية، أي "...وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ…".
المقصود، هو أن الماء، كعنصرٍ كيميائي، كان موجودا عندما أقبل، سبحانه وتعالى، على فتق الرتق، أي الجزء الامُتناهي الصِّغر. وهذا يعني أن الحياةَ، بمفهومِها البيولوجي، انطلقت من الماء. والدليل على ذلك أن اللهُ، سبحانه وتعالى، قال ويقول "وَجَعَلْنَا" ولم يقل وخلقنا من الماء كل شيءٍ حي. ولقد سبق أن قلتُ، في إحدى مقالاتي المنشورة على صفحتي، أن الله، سبحانه وتعالى، حينما يستعمل، في القرآن الكريم، فعل "جعل"، فالشيءُ المجعول، يكون موجوداً أو كائِناً، أي له وجودٌ ملموسٌ. وهذا يعني انه، عزَّ وجلَّ، عندما قال "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ"، فالماءُ كان موجوداً وفيه/ومنه بدأت الحياة، بالمعنى البيولوجي. مثلاً، حين قال ويقول، سبحانه وتعالى في الآية رقم 124 من سورة البقرة : "وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ". فحين أراد، سبحانه وتعالى، أن يجعلَ من نبيِّه إبراهيم، إماماً للناس، فإبراهيم كان موجوداً. ثم، لا ننسى أن "مِن"، كحرف جرٍّ، له أدوار نحوية مختلفة. دوره، في هذه الآية الكريمة، هو "بداية الغاية المكانية والزمانية". بمعنى واضح أن الحياةَ، بالمعنى البيولوجي، انطلقت من الوسط المائي وترعرعت فيه، ثم منه، انتقلت إلى البر والجو.
وهذا هو ما بيَّنه العِلمُ الحديث la science contemporaine، من خلال نظريات التطوُّر les théories de l'évolution. والعلمُ الحديث بيَّن، كذلك، أن الماءَ يدخل في تكوين الكائنات الحية وله أدوارٌ كثيرةٌ عند هذه الكائنات الحية. والدليل على ذلك أن جميع هذه الكائنات الحية يدخُل في تركيبتِها الكيميائية، كميةٌ من الماء يختلف حجمُها أو وزنُها من نوعٍ إلى آخرَ من الأحياء. مثلا، حجمُ الماء، في جسم الإنسان، تتراوح نِسبتُه ما بين 60 إلى 65% من الوزن الإجمالي لهذا الجسم. وحتي الأشياء التي، ظاهِرياً، توحي بأنها خالية من الماء، عندما تُسخَّن في أنبوب زجاجي، فإنها تُطلِق قطراتِ ماءٍ تلتصِق بجدار هذا الأنبوب. وهذا هو الشأن، مثلاً، بالنسبة لبذور الحبوب les graines de céréales.
ومرةً أخرى، أقول وأذكِّر بأن القرآن الكريم ليس كتاب علوم، بالمفهوم الدنيوي. إنه يُشير إلى بعض الظواهر الفيزيائية certains phénomènes physiques، لكنه لا يفسِّرها. والدليل على ذلك أن القرآن الكريم لا توجد به أية نظرية علمية aucune théorie scientifique من ضمن النظريات التي توصَّل لها العلم الحديث. لماذا؟
لأن النظريات العلمية تتطوَّر حسب التَّقدُّم الذي حصل ويحصل في مختلف المجالات العلمية. فكلما خطا العلمُ خطواتٍ إلى الأمام، من خلال التحقيق والملاحظات والتجارب، أي من خلال البحث العلمي، إلا وجاء بالجديد في مجال الإنتاج العلمي. والجديد هو الذي يؤدي إلى تغيير النظريات العلمية. وما دامت النظريات العلمية تتغيَّر حسب الزمان والمكان، فمن المنطقي أن لا يشيرَ لها القرآن الكريم.
والله، سبحانه وتعالى، قال ويقول في الآية رقم 85 من سورة الإسراء : "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا". ويقول، كذلك، في الآية رقم 255 من سورة البقرة، وهي آية الكُرسي : "...يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ…
هاتان الآيتان تبيِّنان، بوضوحٍ، أن علمَ الله واسع وأوسع بكثيرٍ من علم البشر. وأن إتاحتَه للبشر رهينةٌ بالإرادة الإلهية. وهذا يعني أن علمَ البشر، مهما تضخَّم وكبُر إنتاجه، يبقى قليلاً أو ضئيلاً بالمقارنة مع علم الله. ثم إن علمَ البشر يشمل، فقط وحصريا، الكرةَ الأرضيةَ والأجواء المحيطة بها وبعض الكواكب والنظام الشمسي، فما بالك بالمجرات les galaxies التي يُعتقد أن عدَدَها يقارب أو يفوق 2000 مليار مجرة، وكل مجرة تُعَدُّ نجومُها بالمليارات. فهل تتصوَّرون الحجمَ الهائل والمُذهِل لعلم الله الخاص بالكون بمجراتِه ونجومِه؟
وهنا، لا تفوتني الفرصة لأبيِّن للقارئ الفرقَ الشاسعَ بين الفيزياء التي هي علمٌ من علوم الطبيعة science de la nature والميتافيزقيا la métaphysique التي هي فرعٌ من الفلسفة التي تنتِج المعارف إنطلاقا، فقط وحصريا، من التفكير العقلاني والمنطقي، علما أن هذه المعارف ليست حقائق لها مايّبرِّرها من أدِلة. بل إنها ليست إلا تخمينات des suppositions تدخل كلها في علم الغيب le monde de l'inconnaissabable.
بينما الفيزياء، كعلمٍ دنيوي comme une science terrestre تستمد جذورَها من الحضارة اليونانية. والفيزياء، كعلمٍ دنيوي، أي كعلمٍ بشري، يعتمد، في إنتاج المعرفة، على الملاحظة l'observation وصياغة الفرضيات la formulation des hypothèses والتجريب l'expérimentation والاستنتاج la déduction والتحقُّق la vérification.
وعودةً للآية رقم 85 من سورة الإسراء : "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا". هذه الآية تؤكِّد وجودَ علم الغيب. وأن ما قد تتوصل له الميتافيزيقيا من معارف ليس إلا تخمينات لا أقل ولا أكثر! بل تؤكَّد أن علمَ البشر محدودٌ، وعلمَ الله،سبحانه وتعالى، أوسع وأسنل.