علجية عيش.. المسلمون و المتأسلمون و الظاهرة التكفيرية في العالم الإسلامي

في كتابه "كشف الشبهات" كفّر زعيم الوهابية جميع المسلمين الغير محسوبين على مذهبه

إن ظاهرة تكفير الآخر تعد من أخطار الظواهر التي يعيشها العصر الحالي ، بسبب الصراع بين المجددين و المحافظين ( الأصوليين و الحداثيين ) و هي فكر متطرف يقوم على اتهام المسلمين الذين يطالبون بالتحديث و إعادة قراءة التراث و تجديده و إجراء له قراءة معاصرة بالكفر وإلصاق بهم تهمة الإلحاد و الخروج عن ملة الإسلام

الأصوليون هم جماعة لهم قناعات دينية مطلقة، نظموا أنفسهم في حركات اجتماعية، و يتعاملون مع قضايا معينة لها أهميتها بالنسبة لهم، و يسعون إلى إخضاع الحياة الخاصة و العامة لإملاءات قناعتهم الدينية، و تشكل "الحداثة" بالنسبة لهم المشكلة الأساسية التي وجب محاربتها، و قد ذهب مفكرون في اتجاهات مختلفة لتحديد مفهوم الأصولية و ما جاءت به الكتب المقدسة ، غير أن الأغلبية تجمع على أن الأصوليون جماعات منغلقة ، تريد أن تفرض مفاهيم مطلقة على الرأي العام، و قد تستخدم العنف لتحقيق غرضها ، وهو الترويج لمرشح رئاسة ديني ، يتميز الأصوليون بآراء جامدة، و يقدم الباحثون أحسن مثال على حركتين دينيتين هما "الحركة الخمسينية" في أمريكا، و "الإسلام الوهابي"، الذي يرى أنه لا يجب انتظار قدوم المهدي، في الوقت الذي كان وهابيون متحمسون احتلوا الحرم المكي عام 1979 و أعلن أحدهم ليكون ببساطة المهدي، و تاريخ الأصولية تجسد في تصعيد الصراعات من خلال التسويق لها على أنها صراعات "هوية"، فيما يذهب البعض إلى الحديث عن "الإسلاموية" و انقسم المحللون إلى فرق
pakistani-islamists-torch-an-effigy-of-us-pastor-terry-jones-during-a-protest-in-lahore-on.jpg

ففيما يذهب الفريق الأول إلى القول أن "مصر" كانت الدولة الأولى التي نشأ فيها التيار الإسلاموي عن طريق أبو الأعلى المودودي الذي أسس الجماعة الإسلامية ، و هي تعتبر واحدة من أكبر منظمات الإسلام السياسي، و ذلك بهدف إعادة إحياء الإسلام بهدف تحقيق سيادة الشعوب، و رغم محاولات الأفغاني و محمد عبده إلا أنها باءت بالفشل و عجزت عن مواجهة العلماء التراثيين الذين قاموا بتعطيل الإصلاح الإسلامي، كما فشلت أمام النخب العلمانية التي عملت على تعظيم التكنوقراطية، و ظلت حركتهما عبارة عن حركة ثقافية، كما فشل الإخوان المسلمون بقيادة حسن البنا في تحقيق الإشتراكية الإسلامية، و الإصلاح الإسلامي رغم أنها تعد أكبر منظمة للإسلام السياسي، أما الفريق الثاني يرى أن الأمر يختلف عند " الوهابية " التي تمثل ثالث حركة نبعت منها الأصولية الحديثة، و الوهابية ترجع إلى محمد بن عبد الوهاب، الذي عمل على القضاء على ايّ فهم آخر للإسلام، و قد حددت الوهابية لنفسها عدوا قريبا و سجلت عزمها على محاربته من خلال أعمال عسكرية ضد العثمانيين و الشيعة، في ذلك الوقت عقد محمد بن عبد الوهاب اتفاقا مع محمد بن سعود، حسب الكتابات كان الاتفاق أن يقوم محمد بن سعود بالجهاد و يصبح مقابل ذلك قائدا للمسلمين، على أن يكون محمد بن عبد الوهاب المسؤول عن شؤونهم الدينية، و الوهابية اليوم هي مذهب الدولة في المملكة العربية السعودية و تعمل من خلال شرطة دينية ، حيث تدعو الى اتباع تعاليم القرآن و السنة بصورة ضيقة جدا، و لا تفتح مجالا لي حوار ( ثقافي، ديني، سياسي)، أي أنها تمارس ثقافة الإنغلاق، و تعمل على عزل المسلمين عن العالم الخارجي مع الالتزام بزيّ موحد ( شوارب مقصوصة و لحى مطلقة و جلاليب تصل إلى الكاحل.

تقول التقارير أن الوهابية استفادت من أموال السعوديين و من تأسيس رابطة العالم الإسلامي عام 1962 ، و سعت للسيطرة و التأثير على الحركات الإسلامية و الجماعات في باكستان و حماس و الجهاد الإسلامي وصولا إلى القاعدة، باستخدام إحدى الوسائل الخاصة بالحداثة فيما يسمى بالتحويل اليوتوبي الثوري، هي حقائق مثيرة كشفها الشيخ عبد القادر الاسكندراني الذي وصف زعيم المذهب الوهابي بالطاغية، و هذا في كتاب له من الحجم الصغير تحت عنوان: "النفحة الزكية في الرد على شبه الفرقة الوهابية" عن المكتبة الفلسفية الصوفية، و حسبما جاء في مخطوطة الإسكندراني، فقد كان شيخ الوهابية يكفر كل من لا يتبعه ، حتى و إن كان من أتقى الناس، و كان يبيح دمهم، كما أن محمد بن عبد الوهاب ابتدع دينا جديدا و صنف رسالة سماها " كشف الشبهات" و قدمها لإبن مسعود و كفّر فيها جميع المسلمين، و قد أعانه ابن مسعود على ضلاله لدرجة أن بن عبد الوهاب كان يأمر بحلق رؤوس النساء، يذكر الإسكندراني في كتابه السالف الذكر أن العقيدة الوهابية شملت عشرة أشياء ، أهمها تقديم النقل على العقل، إنكار الإجماع، عدم تقليد المجتهدين و غيرذلك، و بداية من 1979 احتل وهابيون متطرفون المسجد الحرام في مكة، و قامت الحكومة السعودية بتحريره، في هذه الفترة ظهر ابن لادن ، و قد استفاد هذا الأخير من مساعدات عسكرية قدمتها له الولايات المتحدة الأمريكية ، لقد ساهمت الصراعات و الانقسامات بين الحركات الإسلامية في تدمير وحدة الأمة، و ظهر ما أطلق عليهم اسم "المتأسلمون"، و هو تيار استخدم الإسلام غطاءً أو وسيلة لتحقيق مآرب سياسية، شخصية، أو مادية، دون الالتزام الحقيقي بجوهر الدين وقيمه الأخلاقية، و ذلك بغية الوصول إلى الحك.

، فالتيار السلطوي السلبي يؤوّل الدّين تأويلا يضعه في شكل مباشر، في خدمة الدولة لا هي دولة الإسلام، بل هي دولة الطبقات المسيطرة في بلاد الإسلام، أي بالتحديد دولة الإستبداد المطلق الذي سيطرت عليه الطبقات الأرستقراطية على امتداد أربعة عشر قرنا ، لأن هذه الطبقات تسيطر باسم الإسلام و لا تعمل به منذ دولة الخلافة حتى الدولة العثمانية حيث ظلت تيارات الإسلام تتصارع فيما بينها و لذا وجبت الثورة عليها، لأن الإسلام انقسم بين إسلام المستبدين و إسلام المسحوقين، و "المتأسلمون" يقول مهدي عامل و هو مفكر لبناني ، يتنبى التيار الإشتراكي يرون الدين وسيلة للوصول إلى السلطة، كما يزعمون احتكار الحقيقة الدينية و الهيمنة على معاني النص الديني، و هم إمّا أن تكون معه و إلا أنت عدوه لكنه لا يظهر عداوته لك، و لذا ذهب بعض المتكلمين إلى وجوب التوفيق بين العقل و الدين، لأن وظيفة الدين اختلفت بسبب الصراعات بين التيارات الإسلامية رغم أن الدين واحد، فما تراه المعتزلة ليس ما تراه الظاهرية و لا ما تراه الباطنية و لا حتى التيار الإشراقي الذي أسسه شهاب الدين السهروردي الملقب بشيخ الإشراق، يقول عامرمهدي ( اسمه الحقيقي حسن حمدان) ليس كل فكر عقلاني فكرا تقدميا، و ليس كل فكر مناهض للعقل بالضرورة فكرا رجعيا، لكن يمكن أن يكون العقل عقل الإستبداد و نظامه ( إسلام الدولة) و هذا هو الذي وجب محاربته، فالفرق بين المسلمون و المتأسلمون هو أن المسلمون هم الذين يمارسون دينهم من أجل التقرب إلى الله ويرون فيه وسيلة للروحانية والاتزان النفسي، و يرون في الدين وسيلة للارتقاء الروحي، أما المتأسلمون يرون في الدين وسيلة للتقرب من السلطة ويرون في الدين سُلَّمًا للارتقاء السياسي، أي أنهم يمارسون سياسة النفاق، أو يعملون بالفكر الباطني، فلا يُظهون حقيقتهم و لا يكشفون عن اسمائهم الحقيقية و أسرارهم.

مساعي الوهابية في "وهبنة" التراث السنّي
إن هذه الصراعات بين المسلمون استفادت منه الدول الغربية بزعامة إسرائيل و أمريكا ، خاصة و أن إسرائيل كما تقول التقارير أصبحت تزداد توسعا يوما بعد يوم في ظل قانون العودة الإسرائيلي، في وقت ظل الفكر الوهابي جامدا فكريا و لم ينزع عنه عباءته القديمة ، فما تزال السلفية الحالية المنحدرة من التراث الوهابي تدّعي محاولة إحياء العصر الذهبي للنبيّ و الخلفاء الراشدين، إلا أنها انقسمت بدورها إلى جناحين، المحافظ مرتبط بالعائلة المالكة في السعودية و الجناح الثوري، له تأثير دولي بعدما أعلن الحرب المقدسة على قوى الإلحاد و الغطرسة التي تقوم بحملة صليبية ضد الأمة ، حيث عادت إلى الساحة نظرية "الولاء و البراء" و هي نظرية ترجع جذورها إلى التراث الوهّابي، تم تطويرها في القرن التاسع عشر، إثر الصراع مع العثمانيين، بحيث يتم التبرؤ من الكفار ليس لغير المسلمين فحسب، بل حتى المسلمين الذين في نظر الوهابية كفار، و كل من يتعامل مع الكفار من غير المسلمين و بشكل متطرف .

كانت النتيجة خروج فرق إسلامية جديدة من سقف السلفية، و تشكيل سلفيات تختلف كلية عن السلفية الأمّ التي تعتبر المنبع، لقد حاولت الوهابية منذ نشأتها "وهبنة" التراث السنّي بطريقة لا تستجيب للتطورات الإجتماعية و السياسية، بحيث تبنت الفكر التكفيري ، عكس ما جاء في متن العقيدة الطحاوية، التي تدعوا إلى عدم تكفير أحد من أهل القِبلة ( بكسر القاف)، و تؤكد التقارير ان السلفية اليوم تعيش صراعات و هي في حرب فتاوى و أحكام على منابر إعلامية و مواقع إلكترونية، كمسألة التعاون مع السلطة و الجهاد و من تجاهد، كذلك موقفها من قضايا الإرجاء و التكفير، و قضية الإستعانة بالكفار، و هو ما ذهبت إليه "الجامية"، و هي حركة تنسب إلى الشيخ محمد أمان الجامي، فكانت النتيجة أن انقسم الإسلام في دار الإسلام إلى إسلام سني و إسلام شيعي، الذي يقوم على الطقس و ليس المعتقد، يقوم فيها الشيعة بنوع من المحاكاة الفردية لمقتل الحسين في موقعة كربلاء، كانت حربا مسلحة بين صدام حسين و إيران بعدما زودته أمريكا بالأسلحة.

ما يلاحظ هنا أن الولايات المتحدة دائما تكون طرفا في النزاعات العربية الإسلامية، رغم الحصار الذي يلقاه الشيعة و العدائية ضد أنصار الحسين ابن علي ، ما زال الشيعة يعيشون على أمل عودة الإمام محمد المهدي لينتقم لهزيمة كربلاء و يشيد مملكة العدل، لقد تطرق العديد من الباحثين في كتاباتهم حول الحركات الإسلامية و منهم الدكتور بومدين بوزيد ، حيث أشار إلى أن السلفية الوهابية كانت في الأصل اجتهادا نهضويا عربيا و إسلاميا في الحجاز و الجزيرة العربية، ثم انتهت عندنا اليوم إلى تكفير و سفك للدماء، و تحولت إلى سلفيات تنويعية ، و منها السلفية الجهادية التي لها اتباع كثر اليوم في الجزائر، و حتى السلفيات الوهابية المسماة علمية في الجزائر قد تقول بالجهاد مستقبلا مادامت تقول اليوم بالتكفير و التبديع للمجتمع الجزائري، لقد كانت السلفية الجهادية التطور الفكري الجديد الحاصل في تاريخ الإيديولوجية التكفيرية المعاصرة، بفضل الوهابية الجديدة التي تجسدت عسكريا في القاعدة و خلاياها عبر العالم ، لأنها مشحونة للعالم ضمن ثنائية "الكفر و الإيمان ، و بالتالي فهي تعلن الجهاد على الكل، خلاصة القول نرى أن ما يؤسف له هو أنَّ ظاهرة تمزيق الدين إلى فرق ومذاهب تكرَّرت ضمن تاريخ الأمَّة الإسلاميَّة، وما تبعها من تفرقة ومعاداة يمثِّل مخالفة صريحة وخطيرة عبر التاريخ الإسلامي.

علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى