طارق حنفي - ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ

﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ ...﴾ [مريم: ٢٥]

"من علم اليقين إلى عين اليقين."
-----------

الحياء من أجلِّ صفات الإيمان، وإذا اجتمع الحياء مع صدق العبودية أورث صاحبه رقةً في القلب وحساسيةً عاليةً تجاه نظر الناس إليه، كما كان شأن مريم البتول.

تلك العابدة الصالحة، قد تمنت الموت بعد أن ألجأها الطلق إلى جذع النخلة. تمنت مريم لو تموت وينساها الناس ولا يذكرونها، حياءً من أن يروها تلد من غير زوج، فيظنوا بها الزنا:

﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾.

وهنا أمرها الله أن تهز جذع النخلة غير المثمرة، فإذا به يثمر لها ويتساقط عليها رطبًا جنيًّا، وأمرها أن تأكل منه، كما أمرها أن تشرب من النهر الذي أجراه الله تحت أقدامها:

﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾.

ولكن لماذا قال رب العزة سبحانه: ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾؟!

هل الأكل والشرب سيجعلانها تفرح وتسر وتستقر وهي في هذه الحالة النفسية السيئة؟!

قالوا: إن الله أمرها بأن تأخذ بالأسباب وأن تهز النخلة.

وقالوا: إن جذع النخلة كان مقطوعًا وميتًا، بلا سعف، وفي غير موسم الإثمار، وأن الله أجرى لها نهرًا تحت أقدامها... وأن النخل لا يثمر إلا بالتلقيح بالواسطة (التأبير)، فتؤخذ حبوب الطلع من الشجرة الذكر فتلقح بها الشجرة الأنثى.

وقالوا: لقد تعجبت مريم فطرحت سؤالًا:

﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾.

فجاءها جوابان:

الأول:

﴿كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾.

أما الثاني فكان فعلًا ربانيًّا معجزًا تشهده مريم بأم عينها، يثبت لها الجواب الأول، وهو أن الله إذا قال للشيء: كن، فإنه يكون.

وهنا، والله أعلم، نضيف:

لم يكتفِ الله سبحانه بأن يخبر مريم أن حملها من غير زوج أمرٌ هيّن عليه، بل أراها بعينيها قبل ذلك آيةً تشهدها بنفسها، ومثالًا عمليًّا لمعنى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، لتدخل أعظم امتحان في حياتها على بصيرةٍ وطمأنينة.

فكما أن الإيمان ما وقر في القلب وصدَّقه العمل، فإن الطمأنينة ثمرةٌ تليه، يزداد بها القلب ثباتًا عند مواجهة الابتلاءات العظام. ولذلك لم يكن سؤال إبراهيم عليه السلام لربه عن شكٍّ في القدرة الإلهية، وإنما طلبًا لمزيد من الطمأنينة:

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.

فالإيمان يُورث اليقين، أما مشاهدة آيات الله رأي العين فترتقي بصاحبها من علم اليقين إلى عين اليقين.

وكذلك كانت مريم مؤمنةً بقول ربها:

﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾،

لكن الله أراها كيف يحيي اليابس ويجري قدرته على غير ما ألفه الناس من الأسباب، لتنتقل من سماع الخبر إلى مشاهدة أثره، ومن الإيمان إلى الطمأنينة.

ولعل هذا يفسر اقتران الإيمان بالطمأنينة في كثير من المواقف القرآنية؛ فالطمأنينة لا تكتمل إلا إذا باشرت الجوارح آيةً من آيات الله، كما كان الأمر مع مريم البتول:

﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾.

فما إن هزت مريم جذع النخلة اليابس حتى دبت فيه الحياة وأثمر رطبًا جنيًّا، وكأن المولى يقول لها:

يا مريم، من جعل النخلة تثمر دون تلقيح جعلك تحملين دون أن يمسكك بشر، فاثبتي.

وكأن الله جعل مريم سببًا في إثمار النخلة، كما جعل جبريل سببًا في حمل مريم؛ هزت مريم الجذع اليابس فأثمر بإذن الله، ونفخ جبريل في رحمها فحملت بعيسى من غير أب بإذن الله.

فكانت مريم سببًا في ظهور الثمر على النخلة، كما كان جبريل سببًا في ظهور الثمرة المباركة في رحم مريم.

وما يدريك؟! لعل هذه النخلة فرحت وسُرَّت بأن الله اصطفاها على سائر النخل، فجعلها تثمر بغير تلقيح، وجعل تحتها ميلاد المسيح عيسى عليه السلام.

ومن سرورها وفرحها سُرَّت مريم وقرَّت عينها.

وصلاةً وسلامًا على من علَّمنا حب الأنبياء وحب الصديقين والمتقين من ذويهم، صلاةً وسلامًا على خير البشر وسيد الخلق أجمعين، محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

طارق حنفي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى