د. محمد عباس محمد عرابي - مواهب المرأة كما يصورها القرآن

عرض د/ محمد عباس محمد عرابي


تمتلك المرأة الكثير من مواهب, وقد تحدث القرآن الكريم عن مهارات وقدرات ومواهب المرأة ،ومن هذه المواهب : قوة الفراسة، حسن التصرف، بعد النظر واستجلاء الحقائق الغامضة، تدبير الملك على أساس الشورى: وفيما يلي عرض لهذه المواهب:
*قوة الفراسة:
ففي حديث القرآن الكريم عن مهارات وقدرات ومواهب المرأة بما يسجل لها قوة الفراسة نجده في "قوله تعالى" عن إحدى ابنتي شعيب " قالت إحداهما ياأبت استأجره إن خير من استاجرت القوى الأمين " القصص /آية 26
فابنة شعيب أدركت قوة موسى حين رفع الصخرة التي لايطيق حملها إلا عشرة رجال , وعرفت أمانته حينما جاءت معه إلى أبيها حيث قال لها موسى ( عليه السلام ) كوني من ورائي فإذا اختلف عَليَّ الطريق فاحذ في لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق لأهتدي إليه. وكون أن ابنة شعيب تُدرك أن موسى ( عليه السلام ) قوي أمين دليل على قوة فراستها , فالأمانة من الصفات الباطنة التي لابد في إدراكها من عِشرَة طويلة وتجارب متعددة , ولا يكفي في إدراكها اجتماع واحد ولا نظرة واحدة . وبنت شعيب هذه لم تر موسى قط إلا حينما ورد ماء مدين، ووجد عليه شرذمة من الناس يسقون ووجدها مع أختها تذودان فقال لهما ( ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير فسقى لهما ثم تولى إلى الظل ) القصص / آية 24,23 وهذا القدر من الرؤية ليس من شأنه أن يُمكن الإنسان من معرفة أسرار النفوس , ودخائلها إلا إذا كان قد أوتي من قوة الفراسة ما أوتيه ابنه شعيب .
*حسن التصرف :-
أما حديث القرآن عن المرأة في حسن التصرف وكيف أنها أنقذت طفلًا عقدت المقادير الإلهية ببقائه رسالة من رسالات السماء إلى الأرض لتطهير البشرية من أدران الشرك ونشر د لائل الهدى والسلم على ربوعها فتراه في قوله تعالى عن أخت موسى ( عليه السلام ) ( هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون ) القصص/ آية 12 فحينما ذهب موسى إلى البحر أصبح فؤاد أم موسى فارغًا من كل شيء من أمور الدنيا إلا من موسى , وكادت من شدة وجدها وحزنها وأسفها لتظهر أنه ذهب لها ولد وتخبر بحالها لولا أن الله ثبتها وصبرها قال تعالى( لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين وقالت لأخته قصيه ) القصص/ آية 10 -11 أي أمرت ابنتها وكانت كبيرة تعي ما يُقَال لها فقالت لها ( قصيه )أى اتبعي أثره وخذي خبره وتطلبي شأنه من نواحي البلد فخرجت لذلك ( فبصرت به عن جنب ) القصص /آية 11
فجعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده وذلك أنه لما استقر موسي ( عليه السلام ) بدار فرعون وأحبته امرأة الملك واستطلقته منه عرضوا عليه المراضع التي في دارهم فلم يقبل منها ثديا وأبى أن يقبل شيئا من ذلك فخرجوا به إلى السوق لعلهم يجدون امرأة تصلح لرضاعته فلما رأته بأديهم عرفته , ولم تظهر ذلك ولم يشعروا بها وهذا يدل على حسن حيلتها وقد قالت لجنود فرعون ( هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون) قال ابن عباس فلما قالت ذلك أخذوها وشكوا في أمرها وقالوا لها وما يدريك بنصحهم له وشفقتهم عليه ورغبتهم في سرور الملك ورجاء منفعته فأرسلوها فلما قالت لهم ذلك وخلصت من آذاهم ذهبوا معها إلى منزلهم فدخلو به على أمه فاعطته ثديها فالتقمه ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا .
*بعد النظر واستجلاء الحقائق الغامضة:
أما حديث القرآن عن المرأة في بعد النظر واستجلاء الحقائق الغامضة فتراه في قوله تعالى عن بلقيس ملكة سبأ (وإنى مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون ) النمل/ آية 35
وهذا يكشف لنا أن الملكة لديها قوة الشخصية , وعمق الفكر , واتساع الخبرة والتجربة وقوة الاتباع , وتمكن السلطان , لا تلجأإلى الحل المهين , وهو إسلام القياد , والخضوع بادئ ذى بدء , ولكنها في غير شك , أعملت فكرها كأحسن ما يكون الإعمال , وقدرت في نفسها كأعمق ما يكون التقدير , حتى اهتدت إلى الأمر الوسط , الذي لا يعرضها وقومها لخطر سليمان , ومع ذلك يحفظ عليها وعلى قومها بعض العزة والغباء ,فكان جوابها الذي يتطلبه الموقف , والذي ينتظره قومها بعد أن قالوا ( والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين ) النمل / آية 33
وكان جوابها أنها قررت أن تراسل سليمان , بادئة بإرسال هدية إليه , وهي تحدد أن الهدية ليست مقصودة لذاتها , بمعنى أنها لم تكن من السذاجة بحيث تحسب أن سليمان سيفرح ويكتفي بالهدية ,مع مقدرته عليهم , ومع ما لديه من ملك واسع عريض , ولكنها أرادت أن تهدف إلى أمرين , أحدهما فتح باب المحاورة مع سليمان لعلها أن تنجو من خطره , في أي فرصة تسنح خلال الحوار والتراسل , والأمر الآخر أن تخبر شخصية سليمان وأهدافه هل هو ملك طاغية يريد مجرد التوسع في ملكه ؟ هل هو داعية إلى الله والدين كما يتحدث في كتابه ؟هل وراءه شيء آخر غير ذلك ؟ فهي لا تريد الاهتداء لذاته , وإنما تريد أن تتخذ من الاهتداء وسيلة لزيادة التعرف على شخصية سليمان وأهدافه , ولذلك تقول ( وإنى مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون ) والذي ينتظر أن يرجع به المرسلون أمران , أحدهما جواب سليمان , وهذا يكشف الكثير عن شخصيته وعن أغراضه , الثانى ما يقدمه هؤلاء المرسلون إلى الملكة من معلومات وأخبار عن سليمان وأحوال مملكته , وعن قوة جيشه وعن نظام حكمه , وغير ذلك مما يعني المعرضين للحروب أشد العناية . وبهذا تكون الملكة قد وصلت بفكرها وسداد رأيها إلى أفضل ما يمكن التوصل إليه في مثل هذا الظرف العصيب .
- تدبير الملك على أساس الشورى:
فقد تحدث القرآن الكريم عن مواهب المرأة في تدبير الملك على أساس الشورى, فنراه أيضا في قوله تعالى عن ملكة سبأ هذه وقد وصلها كتاب سليمان ( عليه السلام ) (قالت ياأيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون ) النمل /أيه 32-34
فالجانب الذي يبعث على الرضا في سياسة الملكة , التزامها الشورى , وجعلها ذلك سياسة ثابته لها , وليس لمجرد الانفعال بأمر خطير , أو موقف معين , وشعار ذلك ( ما كنت قاطعة أمرًا حتى تشهدون ) فهنا نجد ما للملكة من حصافة في الرأى وسبر لغور النفوس , ونجد في الوقت نفسه عدم الاغترار بما يبديه الاتباع والأشياع من إظهار الاعتداد بنفوسهم وقوتهم وعدم الاكتراث بغيرهم في وقت الكلام وإدراكها أن هذا موقف عرف عن المروجين المتبوعين سيرًا وراء ما يدركون من رغباتهم غير مقدرين الحقائق ولا ممحصين النصح والإرشاد .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى