في طفولتنا، لم تكن لدينا متاجر للألعاب، ولا هواتف ذكية، ولا ألعاب إلكترونية. كنا نصنع ألعابنا بأيدينا، ونصنع معها أحلامنا أيضاً.
كان أول مشروع هندسي في حياتنا هو صناعة الجَبّادْ أو المقلاع. نخرج باحثين بين الأشجار عن الفركة ، ذلك الغصن الذي وهبته الطبيعة شكل حرف Y قبل أن تعرف مصانع البلاستيك معنى التصميم الصناعي. ننجره بعناية، ونثبت في ذراعيه شريطين من المطاط، يتوسطهما جيب جلدي كنا نسميه الحَجَّارِيِّة يحتضن حصاة صغيرة. وكان أكثرنا فخراً من عثر على مطاط من نوع كاري، الذي اشتهر يومها بمرونته العجيبة، حتى كنا ننظر إلى صاحبه كما ينظر الناس اليوم إلى من يملك أحدث هاتف ذكي.
ثم تبدأ الرحلة الكبرى نحو الغابة الواقعة جنوب شرق قرية المزيندة، حيث كانت أرض السيد بسيطة تمتد خضراء خصبة، تستمد ماءها من المياه العادمة التي كانت تصب في الغابة. يومها لم نكن نعرف شيئاً عن البيئة أو الصحة العامة، بل كنا نعرف فقط أن هناك غابة، وطيوراً، ومغامرة تنتظرنا.
وكانت لنا خصومات قديمة مع طيور الجَّوًجْ وكريكر ، أما السوفير ، ذلك العصفور الصغير الأصفر الرشيق، فكان أشبه بلاعب كرة قدم مراوغ؛ لا يستقر على غصن أكثر من ثانية، وكأنه يعلم أن في الغابة مجموعة من الصبية يعتبرون إصابته بطولة أولمبية.
وكان بطلنا بلا منازع عبد الله ابن سي علال ، ينافسه عبد العالي ابن سي امبارك، فكلاهما كان يملك عيناً لا تخطئ، حتى ظننا أن المقلاع كان يختارهما قبل أن يختاراه.
لكن وسط تلك الفوضى الطفولية، كانت هناك هدنة مقدسة. فما إن تظهر طيبيبت، تلك العصفورة التي أحاطها أهل القرية بهالة من الاحترام، حتى تنخفض المقاليع من تلقاء نفسها، وكأنها تلقت أمراً عسكرياً بوقف إطلاق النار. لم يكن أحد يجرؤ على إيذائها، فقد كانت في نظرنا تتمتع بحصانة تفوق حصانة السفراء.
وعندما تنتهي المنافسة، نجلس نحصي الغنائم من الجوج وكريكر، ثم نصفها في قضيب حديد كنا نستعمله أيضاً في لعبة عجلة الألمنيوم، ونشعل ناراً صغيرة، ونلتهم اللحم المشوي ونحن مقتنعون أننا صيادون عالميون، رغم أن حصيلة يوم كامل لم تكن تكفي قطاً .
غير أن الطيور كانت أذكى منا أحياناً؛ فما إن تشعر بالخطر حتى تفر إلى منتجع السيد بسيطة. وهناك تبدأ المعركة الحقيقية.
كنا نتسلل خلفها بين الأشجار، وفجأة… ينهمر علينا وابل من الحجارة. لا نرى السيد بسيطة، ولا نسمع صوته، بل نرى الصخور فقط وهي ترتطم بجذوع الأشجار كقذائف مدفعية. عندها كنا نكتشف أن أرجلنا أسرع بكثير مما كنا نعتقد، فنركض ركضاً لا ينافسنا فيه سوى أولئك الطيور التي جئنا لمطاردتها. فكنا نستغل فقط غيابه تنقله يوم الأحد للسوق الأسبوعي بالويجانطي للصيد وقطف الغلة من الباكور والعنب في موسميهما
والمفارقة أن السيد بسيطة نفسه كان يتحول، في مواسم أخرى، إلى مضيف لنا في محميته. فإذا هددت و أفسدت الطيور زرعه، جاء إلينا مبتسماً قائلاً:
آش فينكم؟ سيروا خوّفوا وصيدوا هاد الطيور.
فنصبح فجأة قوة تدخل سريع، ومتطوعين رسميين، بلا أجر ولا تعويض عن الأخطار، بعد أن كنا قبل أيام فقط مطلوبين للعدالة الحجرية!
لكن أكبر مغامراتنا لم تقع في الغابة، بل في مدرسة المزيندة المختلطة.
كان يوم عطلة، فاجتزنا سور المدرسة نلاحق بعض الطيور التي احتمت بحديقتها الصغيرة. ولم يخطر ببال أحد منا أن الطيور ستنجو، وأن نحن و البرتقال من سيدفعوا الثمن.
شجعنا أحد الرفاق على قطف بضع حبات، وهو اقتراح لم يكن يحتاج إلا إلى دقيقة واحدة من الحماسة، لكنه احتاج إلى أشهر من الندم.
ولسوء الحظ، كان هناك ذلك المراسل السري أو العين الساهرة الذي يرى كل شيء، ولا ينسى شيئاً، فأخبر الحارس المرحوم بلخير، الذي كان يسكن بمحاذاة المدرسة.
وجاء صباح الاثنين
وقفنا في الساحة نستعد لتحية العلم، وترديد النشيد الوطني بكل براءة، بينما كانت العدالة المدرسية تستعد لإنزال حكمها.
اقتادونا إلى مكتب المدير.
نظر إليّ نظرة لا أنساها أبداً؛ لم يكن ينظر إلى لص برتقال، بل إلى تلميذ متفوق سقط فجأة من منصة الاجتهاد إلى قائمة المتهمين.
ثم جاءت السلخة التاريخية، تلك التي لا تمحوها السنوات.
لكن العقوبة لم تنته عند هذا الحد.
فقد تقرر أن تتحول قضيتنا إلى معرض متنقل. طافوا بنا على جميع الأقسام، وفي كل فصل كنا نتلقى ضربات بمسطرة على اليدين، مع تعليق مباشر من الجمهور.
في قسم العربية:
هؤلاء لصوص البرتقال!
وفي قسم الفرنسية:
Voici les voleurs des oranges!
وحمدا لله في أن الإنجليزية لم تكن قد دخلت برنامجنا الدراسي بعد، وإلا لخرجنا بشهادة دولية في سرقة البرتقال، تُمنح بثلاث لغات، وربما مع ترجمة فورية أيضاً!
واليوم، كلما مررت بتلك المدرسة، لا أتذكر البرتقال، بل أتذكر درساً لم يكن في كتاب قراءة أحمد بوكماخ ولا في كتاب التربية الوطنية: أن بعض أخطاء الطفولة تؤلم اليد لحظة، لكنها تضحك القلب طوال العمر عندما تتحول إلى ذكرى.
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي
كان أول مشروع هندسي في حياتنا هو صناعة الجَبّادْ أو المقلاع. نخرج باحثين بين الأشجار عن الفركة ، ذلك الغصن الذي وهبته الطبيعة شكل حرف Y قبل أن تعرف مصانع البلاستيك معنى التصميم الصناعي. ننجره بعناية، ونثبت في ذراعيه شريطين من المطاط، يتوسطهما جيب جلدي كنا نسميه الحَجَّارِيِّة يحتضن حصاة صغيرة. وكان أكثرنا فخراً من عثر على مطاط من نوع كاري، الذي اشتهر يومها بمرونته العجيبة، حتى كنا ننظر إلى صاحبه كما ينظر الناس اليوم إلى من يملك أحدث هاتف ذكي.
ثم تبدأ الرحلة الكبرى نحو الغابة الواقعة جنوب شرق قرية المزيندة، حيث كانت أرض السيد بسيطة تمتد خضراء خصبة، تستمد ماءها من المياه العادمة التي كانت تصب في الغابة. يومها لم نكن نعرف شيئاً عن البيئة أو الصحة العامة، بل كنا نعرف فقط أن هناك غابة، وطيوراً، ومغامرة تنتظرنا.
وكانت لنا خصومات قديمة مع طيور الجَّوًجْ وكريكر ، أما السوفير ، ذلك العصفور الصغير الأصفر الرشيق، فكان أشبه بلاعب كرة قدم مراوغ؛ لا يستقر على غصن أكثر من ثانية، وكأنه يعلم أن في الغابة مجموعة من الصبية يعتبرون إصابته بطولة أولمبية.
وكان بطلنا بلا منازع عبد الله ابن سي علال ، ينافسه عبد العالي ابن سي امبارك، فكلاهما كان يملك عيناً لا تخطئ، حتى ظننا أن المقلاع كان يختارهما قبل أن يختاراه.
لكن وسط تلك الفوضى الطفولية، كانت هناك هدنة مقدسة. فما إن تظهر طيبيبت، تلك العصفورة التي أحاطها أهل القرية بهالة من الاحترام، حتى تنخفض المقاليع من تلقاء نفسها، وكأنها تلقت أمراً عسكرياً بوقف إطلاق النار. لم يكن أحد يجرؤ على إيذائها، فقد كانت في نظرنا تتمتع بحصانة تفوق حصانة السفراء.
وعندما تنتهي المنافسة، نجلس نحصي الغنائم من الجوج وكريكر، ثم نصفها في قضيب حديد كنا نستعمله أيضاً في لعبة عجلة الألمنيوم، ونشعل ناراً صغيرة، ونلتهم اللحم المشوي ونحن مقتنعون أننا صيادون عالميون، رغم أن حصيلة يوم كامل لم تكن تكفي قطاً .
غير أن الطيور كانت أذكى منا أحياناً؛ فما إن تشعر بالخطر حتى تفر إلى منتجع السيد بسيطة. وهناك تبدأ المعركة الحقيقية.
كنا نتسلل خلفها بين الأشجار، وفجأة… ينهمر علينا وابل من الحجارة. لا نرى السيد بسيطة، ولا نسمع صوته، بل نرى الصخور فقط وهي ترتطم بجذوع الأشجار كقذائف مدفعية. عندها كنا نكتشف أن أرجلنا أسرع بكثير مما كنا نعتقد، فنركض ركضاً لا ينافسنا فيه سوى أولئك الطيور التي جئنا لمطاردتها. فكنا نستغل فقط غيابه تنقله يوم الأحد للسوق الأسبوعي بالويجانطي للصيد وقطف الغلة من الباكور والعنب في موسميهما
والمفارقة أن السيد بسيطة نفسه كان يتحول، في مواسم أخرى، إلى مضيف لنا في محميته. فإذا هددت و أفسدت الطيور زرعه، جاء إلينا مبتسماً قائلاً:
آش فينكم؟ سيروا خوّفوا وصيدوا هاد الطيور.
فنصبح فجأة قوة تدخل سريع، ومتطوعين رسميين، بلا أجر ولا تعويض عن الأخطار، بعد أن كنا قبل أيام فقط مطلوبين للعدالة الحجرية!
لكن أكبر مغامراتنا لم تقع في الغابة، بل في مدرسة المزيندة المختلطة.
كان يوم عطلة، فاجتزنا سور المدرسة نلاحق بعض الطيور التي احتمت بحديقتها الصغيرة. ولم يخطر ببال أحد منا أن الطيور ستنجو، وأن نحن و البرتقال من سيدفعوا الثمن.
شجعنا أحد الرفاق على قطف بضع حبات، وهو اقتراح لم يكن يحتاج إلا إلى دقيقة واحدة من الحماسة، لكنه احتاج إلى أشهر من الندم.
ولسوء الحظ، كان هناك ذلك المراسل السري أو العين الساهرة الذي يرى كل شيء، ولا ينسى شيئاً، فأخبر الحارس المرحوم بلخير، الذي كان يسكن بمحاذاة المدرسة.
وجاء صباح الاثنين
وقفنا في الساحة نستعد لتحية العلم، وترديد النشيد الوطني بكل براءة، بينما كانت العدالة المدرسية تستعد لإنزال حكمها.
اقتادونا إلى مكتب المدير.
نظر إليّ نظرة لا أنساها أبداً؛ لم يكن ينظر إلى لص برتقال، بل إلى تلميذ متفوق سقط فجأة من منصة الاجتهاد إلى قائمة المتهمين.
ثم جاءت السلخة التاريخية، تلك التي لا تمحوها السنوات.
لكن العقوبة لم تنته عند هذا الحد.
فقد تقرر أن تتحول قضيتنا إلى معرض متنقل. طافوا بنا على جميع الأقسام، وفي كل فصل كنا نتلقى ضربات بمسطرة على اليدين، مع تعليق مباشر من الجمهور.
في قسم العربية:
هؤلاء لصوص البرتقال!
وفي قسم الفرنسية:
Voici les voleurs des oranges!
وحمدا لله في أن الإنجليزية لم تكن قد دخلت برنامجنا الدراسي بعد، وإلا لخرجنا بشهادة دولية في سرقة البرتقال، تُمنح بثلاث لغات، وربما مع ترجمة فورية أيضاً!
واليوم، كلما مررت بتلك المدرسة، لا أتذكر البرتقال، بل أتذكر درساً لم يكن في كتاب قراءة أحمد بوكماخ ولا في كتاب التربية الوطنية: أن بعض أخطاء الطفولة تؤلم اليد لحظة، لكنها تضحك القلب طوال العمر عندما تتحول إلى ذكرى.
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي